مِصْرُ مِنْ شُرْفَةِ الحَوَادِيْت

 د. بليغ حمدي إسماعيل            بليغ                  

هوس المصريين بمتابعة إحداثيات المشهد السياسي والاجتماعي الراهن يتم وفق آليات وتقنيات رصينة أي أنها ـ المشاهدة والمتابعة ـ تتم بصورة آلية متوارثة مفادها المشاهدة والفرجة بغير اكتراث أو مشاركة حقيقية سواء في التفاعل مع الحدث أو صناعته ، وهذه السمة تعكس ثقافة شعبية لدى عموم المصريين الذين يروجون دائما لثقافة ( سمعت ـ قالوا ـ يقولون ـ سوف يحدث ) وكل هذه المفردات إنما هي حيلة نفسية دفاعية تشير إلى الهروب من تحمل المسئولية والتنصل من المشاركة الحقيقية في صناعة المشهد القائم ، حدث هذا مؤخرا في تقاعش ملايين المصريين في الالتفاف حول الشرارة الأولى لاشتعال انتفاضة الخامس والعشرين من يناير عام 2011 ، ويحدث مجددا في صمت المصريين وولعهم بالفرجة والاكتفاء بنظرات غير معبرة سواء كان الحدث إنجازا مثل قناة السويس الجديدة مثلا أو تقاعس حكومي في بعض المؤسسات أو حتى حوادث ومجريات اجتماعية عادية جدا .

ولعل اكتفاء المصريين بالفرجة بل وولعهم بها يأتي من التفسيرات المتباينة لظاهرة الحرج والارتباك التي يعاني منها الكثيرون ، وهي ظاهرة نفسية تجبر المرء على الجنوح بعيدا عن المشاركة الحقيقية في الحدث ، ولعل هذه النظرية هي التي دفعتني للتنقيب عن كتاب يتناول ولع المصريين بالفرجة وسلبيتهم التي تقتصر على مشاهدة الأحداث واليوميات المصرية بغير تفاعل سوى بالتصفيق أو التطبيل دون حراك حقيقي ، ورغم هذه السلبية لا يمكن الغفلة عن الإحداثيات المصرية التاريخية التي شارك فيها المصريون بقوة بل وبشراسة أيضا ، من مثل هذه الإحداثيات الثورة الشعبية ضد الحملة الفرنسية على مصر المحروسة ، والثورة العرابية بقيادة الزعيم التاريخي البطل أحمد عرابي ، وما قام به المصريون عقب نفي الزعيم المصري السياسي سعد زغلول ، مرورا بإحداثيات سياسية وعسكرية شائكة سواء على مستوى تحليل الحدث أو طبيعة المشاركة الشعبية مثل ثورة الضباط الأحرار في يوليو 1952 ، أو من خلال مواجهة العدوان الثلاثي على مصر والتصدي له ، انتهاء بانتفاضة الثوار ضد نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك وسعيه المستدام لتوريث الحكم لنجله الأصغر ، وثورة الثلاثين من يونيو التي هبت من خلالها ملايين المصريين ضد الممارسات الإقصائية والاستلابية لحكم جماعة الإخوان المسلمين وانتهت بالعزل الشعبي للرئيس محمد مرسي بوصف الأخير ممثل الجماعة في حكم مصر .

وفي خلال هذه الرحلة الاستكشافية بحثا عن كتاب يسرد وقائع ولع المصريين بالمشاهدة والفرجة لأحداث المحروسة ، سقط بين يدي من على أعلى نقطة بشجرة المعرفة كتاب ماتع ورائع يحكي عن مصر وأحوالها ومقاماتها الهادئة والمضطربة والساكنة والمائجة هو كتاب ولع الفرجة فقر التاريخ للكاتب أحمد عبد العال ، وهو كتاب كبير الحجم بصفحاته وأكبر بمعلوماته وبياناته التي تروي قصة شعب اتسم بولع دائم للفرجة ، ويخبرنا الكاتب في مفتتح الكتاب بأن ولع المصريين المستدام بالفرجة يعد مفتاحا سحريا للمعرفة أكثر من كونه التفافا إلى الماضي ، لاسيما وإن كان هذا الماضي لايزال ممتدا حتى وقتنا الراهن ويمتد بجذوره الطويلة والعميقة إلى تفاصيل إحداثياتنا المعاصرة التي تبدو أكثر اضطرابا .

وهذا الولع المصري بالفرجة على أحداث المحروسة نفسها هو محاولة حقيقية لفك شفرة هذا الوطن الساحر ، خصوصا وأن المصريين على امتداد تاريخهم الطويل الضارب في القدم والأصالة على موعد دائم وثابت مع عشق الفرجة على أحداثهم السياسية والاجتماعية والدينية ، فنرى على سبيل المثال وليس الحصر من يخرج للفرجة على مشاهد الاحتفال بالمولد النبوي ، وبمناسبات مثل شم النسيم ، ومولد السيدة العذراء وغيرها من المناسبات والاحتفاءات شديدة المصرية .

ويؤكد المؤلف في كتابه الذي يستحق القراءة والتأويل أن الفرجة والولع بها تشكل عند المصريين تراثا مستمدا من احتفالاتهم وطقوسهم الاجتماعية وكذا طرقهم وأساليبهم في التعبير عن حياتهم وأعيادهم ومعتقداتهم الدينية والدنيوية على حد سواء . فضلا عن أن الفرجة ذاتها سواء كانت بدافع المشاهدة أو حب الاستطلاع نشاطا إنسانيا يقبل عليه الناس ويمارسونه في كل زمان ومكان ، وتشكل هذه الفرجة بدورها صورا وأشكالا من الحيل والابتكارات والمستحدثات القادرة على إشباع الحاجة إلى التسلية والترفيه .

وقبيل سرد بعضا من حكايا المصريين المولعين بالفرجة ، يرصد لنا الكاتب ثمة بواعث تدفع المصريين إلى حد الهوس بالفرجة على الأحداث والمناسبات سواء كانت الاستثنائية أو الاعتيادية المكرورة ، وهذه البواعث على الفرجة فردا كانت أم جماعة تتباين دوافعها وأهدافها واتجاهاتها أيضا ، كما تتعدد أيضا مستويات الفرجة فيما تفترضه من وعي واختيار ، ويؤكد أحمد عبد العالي في ثنايا كتابه أن الفرجة تصبح فعلا غريزيا معتادا ، ويذكر الكاتب أن الباعث على الفرجة ضمن مستوياتها المتعددة إعمال العقل في الكون والملكوت ، وقد يكون الهدف من ورائها إشغال النفس عن النفس لسبب أو آخر ، وقد يكون الهدف هو إشباع حاجة أو تحقيق انتفاع .

والحق أن الفرجة في حياة المصريين كما يشير المؤلف إلى تلك الظاهرة المستمرة كانت نتاجا حقيقيا لواقع لم يسمح لهم بالمشاركة في السلطة أو الثروة ولا بدور يمنحهم صفة الشريك أو حتى الرقيب ، فكان المصريون وقتئذ متفرجين مثاليين وليسوا شهودا على تاريخهم .

ومن الحكايا السريعة عن مصر المحروسة أن امرأة عينة شيخة على زاوية السلطان قايتباي بالمرج ، ذلك بعد أن مات زوجها الشيخ الكبير قلج الرومي الأدهمي وكان تقوم بالوعظ في النساء ، ورغم أننا اليوم لانزال نبحث عن مشروعية عمل المرأة واشتغالها وخروجها للشارع الذي بالضرورة موصوف بالشر والفتنة والأخطار نجد في مصر المملوكية ست الخطباء بنت القاضي تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي التي اشتغلت بالوعظ والإرشاد في مصر والشام وكان لها مجلس وعظ يعقد للنساء .

ومن حكايات النساء أيضا في مصر قديما عادة النياحة على المتوفي ، واللطم على الخدود والصدور ، ودهن الوجوه بالسواد ، فلم يكن يتم دفن الميت قبل أن تفعل بعضا من أعمال النساء في الجاهلية من اللطم وشق الجيوب ، والأهم من ذلك كله أن هذه المظاهر تحولت بعد فترة قصيرة زمنيا إلى مهنة وحرفة احترفتها نساء هذا العصر واستعن فيها بالنقر على الدفوف والطارات .

ومن عجائب الحكايا في مصر الفاطمية وكما يذكر أحمد عبد العالي في كتابه الماتع ولع الفرجة فقر التاريخ ، أن بعض سلاطين المحروسة فضل الانغماس في اللذات وانغمس في حياة المجون والمحرمات ، ومن هؤلاء المظفر حاجي الذي بلغ شغفه بالنساء أن قيمة عصبة الرأس لمحظيته قدرت بمائة ألف دينار ، أما السلطان إسماعيل بن الناصر فقد اعتاد عند ركوبه إلى سرياقوس للرياضة أن يصحب معه ضمن ركابه مائتي امرأة في ثياب أطلس ملون ، وعلى رؤوسهن الطراطير من الجلد المرصع بالذهب والجواهر النفيسة .

في حين أن ذاكرتي تفرض علي التنويه عن ذكر الحاكم بأمر الله الفاطمي الذي امتلك  عقدة خفية صوب النساء ، هذه العقدة تمثلت في نهي المرأة عن الخروج إلى الشارع مطلقا وفرض قوانين وقيودا رادعة على النساء في عصره فقد عمد إلى حظر ظهور النساء في النوافذ ، ومنعهن من ارتياد أسطح منازلهن أيضا ، وبلغ به حد الحظر إلى منع الأساكفة (صناع الأحذية ) من صناعة أحذية النساء . وبرغم هذه الكراهية غير المبررة صوب النساء لجأ الحاكم بأمر الله الفاطمي إلى إعداد وتجهيز شرطة نسائية مشتملة على جملة من الجاسوسيات داخل تجمعات الحريم لجلب الأخبار والنوادر والحكايات. ومن الحكايا الطريفة في عهد الحاكم أن المصريين وضعوا مجسما ورقيا لامرأة بشكل ساخر في الطريق ، الأمر الذي قابله الحاكم بنوع من القوة والتصرف الغاضب فقام بتمزيق المجسم .

وفي مصر الطولونية كان الولاة والسلاطين مولعين بالغناء والموسيقى إلى حد ليس حد الجنون بل حد المجنون نفسه ، ومن ذلك بيت الذهب الذي شيده خمارويه بن أحمد بن طولون واتخذ على حوائطه صورا بارزة من الخشب تمثله مع مغنياته بأشكال خلابة بلغت بل وتجاوزت حقا حد البهاء ودقة الزخارف ، ومن المدهش في اهتمامه بالغناء إلى شكل مبالغ فيه أن خمارويه إذا جلس يستمع للغناء من النسوة التي احترفن ذلك وسمع المؤذن أمر المغنيات على الفور بالتوقف عن الغناء .

ويشدد المؤلف على حقيقة تمتاز بها مصر عن غيرها من البلاد ، وهي قدرتها الفائقة المدهشة على الجمع بين النقائض والمتناقضات جنبا إلى جنب دونما حرج أو مرارة ، بمعنى أن كل شئ ونقيضه له موقعه ومكانه في مصر المحروسة ، ومن هذا التناقض ما ذكره الجبرتي أن جماعة من الجند سطوا وهم سكارى على نسوة من نساء الأكابر كن يتنزهن في غيط الأعاجم عند قنطرة الدكة بالأزبكية فسلبوهن ثيابهن وحليهن ، ثم جاء آخرون ومعهم كبير منهم فأكملوا سلبهن وعروهن من ثيابهن جميعا ، وكان مع إحداهن غلام سلبت من على رأسه طاقية فيها جواهر وذهب وسلب منها أيضا سروال شبيكة من الحرير الأصفر والقصب وفي كل عين من الشبيكة لؤلؤة . وفي ذات الوقت أيضا كان للوعظ والإرشاد مجالسه المنتشرة في شتى بقاع المحروسة وتعج بالناس على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم واتجاهاتهم وبلغ الحاضرون فيها بالآلاف ، وكانت هذه المجالس تحض على التمسك بتعاليم الدين والحث على اتباع الأخلاق الحميدة والسلوكيات الحسنة .

أما عن العوام في مصر المملوكية فقد اكتظت المدن المصرية بالكثير من الباعة والسوقة والسقائين والمكاريين والمعدمين ، وبالتالي المهمشين الذين لا ذكر لهم في كتب التاريخ ذائعة الانتشار ، واتفق المؤرخون جميعا على وصف كل هؤلاء بالعوام وألحقت بهم طوائف أخرى مثل البلاصية والزعر والحرافيش والمشاعلية وكافة الأسماء السابقة تشير إلى معنى واحد ألا وهو المعدم ، والغريب أن الحرافيش يتم ذكرهم في كتب التاريخ على أنهم أهل صلابة وغلظة ودعارة ماجنة ، ويذكر كتاب ولع الفرجة أن هؤلاء حبسوا محتسب القاهرة في مسكنه أياما طويلة لا يجرؤ عن مغادرته خوفا على نفسه من العوام والحرافيش ، ويحكي الكتاب أن العوام قاموا في دمياط سنة 820 هجرية بحلق لحية الوالي وشهروه على جمل والمغنيات آنذاك تزفه ، وفي المحلة سنة  854 هجم العوام على الوالي في منزله فأخرجوه وضربوه واستصحبوه إلى الجامع هناك وهو عريان حيث مات من شدة الضرب .

انتهت الحكايات ، لكن لم تنته الروايات ، وأقصد بالروايات هنا ما تشهده مصر الأيام الراهنة من حوادث شتى وأمور عجيبة ، ورغم مرور قرون على ولع المصريين بالفرجة وصولا إلى فرجة أخرى نراها من خلال شبكات التواصل الاجتماعي التي تكتظ بكلمات أعجبني وتعليق ومشاركة وجميعها لا تخرج عن مدار الفرجة لكن بصورة رقمية إلكترونية ، فجمهور أحمر يقتحم تدريب فريقه الأثير بعد خسارات وانتكاسات متتالية وسط فوضى وصخب وانفلات أخلاقي وتردي قيمي فهذا يصفه لاعبا وذاك يهرول وراء لاعب آخر لحرق وجهه بالشمروخ الناري الحارق ، وثالث يطنع لاعبا رشيقا غزالا في بطنه . وقانون الرياضة لم يخرج بعد من أدراج الوزارة أو السادة النواب .

ورئيس وطني يعمل ليل نهار من أجل شعبه ويسعى لتدشين برنامجا رئاسيا لتأهيل الشباب للمناصب القيادية وتأهيل وتخريج شباب قادر على الإدارة وتولي المسئولية وخلق إدارة موازية ، في الوقت الذي لا يتناسب مجهود السادة الوزراء مع سعي الرئيس ونشاطه ومشروعاته التنموية . حتى المشروعات التنموية ذاتها نصد صدى إيجابيا لها بين المتفائلين والعاشقين لتراب مصر وأرضها وسمائها ونيلها ، في الوقت الذي نرى فيه الحاقدين والفشلة الذين يحلمون بتركيع الوطن وبإذن الله لا ولن يركن برعاية أبدية من الله وحده .

وكلما دافعت ودافع غيري عن الرئيس عبد الفتاح السيسي تم توصيفنا بالمنافقين والخونة والكاذبين رغم أنه من الطبيعي تأييد رئيس وطني يعمل لخدمة البلاد والمواطنين ، لكن هؤلاء المأجورين المرتزقة الذي يتلاعبون بالدولار ويحتكرون القمح والأرز ويقيمون بخارج الوطن في عري الوطنية على وعي بأن الوطن يمر بمرحلة حرجة دقيقة وهم في ذلك على استعداد قوي لتقويض اقتصاد الوطن وتجويع المواطنين ، لكن سيخيب سعيهم ومرادهم الدنئ ، ومصر المحروسة ستظل هكذا ، وسبحان الله أرى وجوها من جماعة التنظيم السري المعروفة إعلاميا وتاريخيا بجماعة الإخوان أو كما أفضل تسميتها بتنظيم حسن البنا يخرجون على قياداتهم التاريخية وينشرون أسرارهم وحكاياهم وكأنهم يتنصلون من الانضمام إلى تنظيم بات خائبا فاشلا .

حتى الحركات السياسية الشبابية التي تتقاضى تمويلا خارجيا اليوم بات سعيهم أيضا خائبا فاشلا وسط تلاحم وطني وإيمان حقيقي من المصريين بأنه من الضروري العبور بالوطن إلى بر الأمان والاستقرار . ووسط كل هذا لا أزال أكرر ولا أمل من التكرار الذي يعلم الشطار بأن الحكومة المصرية ربما في غفلة عن توجيهات الرئيس ، ويبدو أن بعضا من الوزراء وليس جميعهم لا يدركون أن الدولة المصرية اليوم في مرحلة بالغة الدقة والحساسية ، هذه المرحلة هي التي تدفع بالرئيس عبد الفتاح السيسي أن يكون على اتصال دائم بالشباب بصفة خاصة وبالشعب بصفة عامة من أجل تعرف المشكلات والطموحات ، أما بعض رجال الدولة فيبدو أنهم لم يفطنوا بعد إلى  خطورة المرحلة التي يتربص بنا فيها المتربصون والمتآمرون .

Print Friendly
This entry was posted in د. بليغ حمدي إسماعيل and tagged , , , , , , , . Bookmark the permalink.