هل عرفت الحضارة المصرية المسرح؟  

 طلعت رضوان                طلعت رضوان                                   
تزعم الثقافة المصرية السائدة أنّ أجدادنا المصريين لم يعرفوا فن المسرح. وترتب على ذلك أنْ روّج أعداء الحضارة المصرية أنّ مصر القديمة لم تعرف هذا الفن ، وأنه (يونانى) ولكن عددًا من العلماء الأوروبيين ردوا على هذا الزعم ، بالرجوع إلى نصوص المسرحيات المكتوبة على أوراق البردى أو منقوشة على جداريات بعض المعابد ، وأنّ أكثر تلك النصوص محفوظة فى أغلب المتاحف العالمية ، مثل متحف برلين بردية برقم1425، والمتحف البريطانى بردية برقم1425…إلخ


وكان د. ثروت عكاشة أحد المُـهتمين بهذا الموضوع ، وظلّ يقرأ الكثير من كتب علم المصريات ليقف على الحقيقة ، فعثر على العديد من الكتب التى أثبتَ مؤلفوها وجود مسرح مصرى قديم ، كان من بينهم العالم الكبير (إتين دريوتون) مؤلف كتاب (المسرح المصرى القديم) فعكف د. عكاشة على ترجمته وكتب له مقدمة غاية فى الأهمية ، وظهرتْ الترجمة العربية عام1988عن هيئة الكتاب المصرية

ويعترف د.عكاشة أنه كان يشعر بالخزى لجهله بموضوع المسرح المصرى القديم . ولكنه استرد ذاته وحضارة أجداده عندما تأكــّـد من وجود النصوص المسرحية ، بل والعثور على ((كراسات خاصة بالمخرجين المسرحيين منذ الدولة القديمة ، تشرح بالتفصيل الخطوط الرئيسية للعمل الدرامى ، مع ملاحظات وُضعتْ بجوار حوار الممثلين.. وهذه الكراسات كانت تــُـوزّع على الممثلين)) وتم العثور على تمثال أحد الممثلين اسمه (إمحب) ولكنه أطلق على نفسه اسم (الكتكوت العزيز) وأصبح بعد ذلك أستاذًا فى فن القول والفكاهة
أكــّـد د.عكاشة على أنّ نشأة المسرح فى مصر القديمة موغلة فى القدم ، وتسبق نشأته عند الإغريق القدماء. وأنّ المراجع العديدة أكــّـدتْ على أنّ الكاتب اليونانى (بلوتارخوس) استلهم أسطورة أوزير من النصوص المصرية وذكرها كاملة فى كتابه عن إيزيس وأوزير. كما أنّ اليونانيين اتخذوا إلهـًـا للكروم هو (ديونيسوس) مثلما كان أوزير إلهـًـا للقمح عند المصريين. ونقاد الأدب فى العصر الحديث يرون أنّ أسطورة أوزير هى صراع بين شخصيْن ، وهى أقرب إلى أنْ تكون ملحمة أكثر منها تراجيديا. وأنّ (جورج بنييت) الأمين المساعد بقسم الآثار المصرية بمتحف اللوفر هو أول من أثار موضوع المسرح فى مصر القديمة عام1900حيث قال إنّ أسطورة أوزير تـمّ مسرحتها. وإذا كان البعض يـُـردّد أنّ المسرح المصرى كان (مسرحا دينيـًـا) فإنّ المسرح الإغريقى بدأ دينيـًـا أيضًـا. وفى عام1928نشر عالم الآثار الألمانى (كورت زينه) بعض الوثائق بعنوان (نصوص مصرية درامية) وفى عام1933نشر العالم (م. د. بوك) نصًـا منقوشـًـا فى ضريح سيتى الأول (1309. 1291ق.م) فى أبيدوس يحتوى على حوار مسرحى شبيه بالنصوص الدرامية. وبخلاف النصوص المسرحية عن أسطورة أوزير، وولادة حور، تـمّ العثور على مسرحية تناولتْ خلق الإله (آتوم) للعالم. وأنّ هذه البرديات ((أتاحتْ لنا التأكد من وجود فن درامى فى مصر القديمة منذ أقدم العصور. وبعض تلك النصوص موجودة بمتحف تورينو، ونسخة من نفس النص بمحف اللوفر. وفى بعض النصوص أسماء الممثلين
وذكرد. عكاشة أنّ (دريوتون) ألــّـف كتابه سنة1928وفيه أشار إلى تسعة نصوص مسرحية، وذكر عناوينها وبعض فصولها. وكانت آخر كلمات د.عكاشة ((تعلقتْ نفسى بأمنية منذ أنْ أخذتُ فى جمع كل ما يتصل بالمسرح المصرى القديم ، فإذا بهذه الأمنية تصبح قطعة من نفسى بعد أنْ أنعمتُ النظر فيما قرأتُ)) 
دريوتون ودراسته المُـوثقة عن المسرح المصرى القديم
فى الباب الأول فنــّـد إدعاءات مؤرخى الإغريق الذين زعموا أنّ المسرح وُلد فى بلادهم. وأشار إلى العالم (بنيديت) الذى كتب فى عام1900أنّ مصر شهدتْ تطورًا فى المسرح أشبه ما يكون بما شهدته بلاد الإغريق. وأنّ المسرح الإغريقى كان. فى البداية. وليدًا للشعائر الدينية. وبعد أنْ نشر(كورت زينه) كتابه (نصوص مصرية درامية) وكتابه (برديات الرامسيوم الدرامية) خرج الحديث عن المسرح المصرى القديم من الرجم بالغيب إلى الحقيقة وأصبح مؤكدًا من خلال الوثائق. ثـمّ أورد (دريوتون) تفاصيل بعض المشاهد. وأضاف ((لقد أصبحنا اليوم نعلم أنّ ثمة فنــًـا مسرحيـًـا نبتَ فى مصر، وأنه نشأ مستقلا عن المسرحيات الدينية.. وأننا نملك دليلا مؤكدًا يرجع إلى أوائل الألفية الثانية قبل الميلاد هو لوحة كــُـشف عنها فى إدفو سنة1922م خلال الحفائر التى قام بها المعهد الفرنسى للآثار الشرقية بالقاهرة، وعلى تلك اللوحة إهداء من الممثل (إمحب) للإله حور. وهذا النص المنقوش على لوحة إدفو صريح فى دلالته على أنّ العرض لم يكن أداء مقطوعات موسيقية فقط ، وإنما ثمة تعبيرات كثيرة أساسها المحاكاة. وفى بعض النصوص نجد استخدام (الكورس) والرقصات التعبيرية، كما هو فى البردية رقم1425بمتحف برلين، والبردية رقم10188بالمتحف البريطانى. مع بعض خصائص المسرح الشعبى. وأنّ لوحة إدفو تشير إلى أنه كانت ثمة عروض مسرحية لها طابع درامى
ومن النصوص المُهمة نص مسرحى عن صراع بين (إله سفاح) وواحد من البشر، يسترد حياة من قتلهم الإله السفاح. وهذا النص يختلف عن سياق الأساطير المصرية التقليدية، لذلك يرى البعض أنه نص شعبى لأنه خالٍ من (تقديس الآلهة) لدرجة المغالاة فى التبسط معها كما فى أقاصيص برديتىْ تشيستر بيتى اللتيْن نشرهما العالم جاردنر. مع ظهور الممثلين الذين يؤدون دور الآلهة كما فى المسرحية التى عالجتْ قصة الخلق وفق مجمع (التاسوع الإلهى) وأنّ تلك النصوص الدرامية ذات قيمة عن قواعد الحركة على المسرح
وفى ملحوظة ذات دلالة مهمة ذكر(دريوتون) أنّ الأدب المصرى ليس ((على غرار الأدب الغربى له خصائص أدبية أو مادية أو معنوية. بل كان مشاعـًـا ومباحـًـا، فالتراث الثقافى المصرى مثله مثل الطبيعة بأشجارها وأنهارها، متاحة لكل من يريد الماء ويجنى الثمار)) ثم عرض نصًـا لأحداث مسرحية عند مستنقعات (خميـّـس) فى بلدة (أبطو) مركز دسوق، وهى المنطقة التى ذهبتْ إليها إيزيس لتنشد مخبئــًـا أمينــًـا وبين يديها ابنها حور. وفى هذه المسرحية قالت الممثلة التى لعبت دور إيزيس ((أنا إيزيس التى حملتْ من زوجها وولدتْ الإله حور…إلخ)) ثم تدخل المسرح (الإلهة العقرب) وبيدها رمز الحياة. وقالت ((لا تخف أيها الابن حور.. ولا تقنطى يا أم الإله. إنّ الطفل فى مأمن)) ثم يظهر الممثل الذى أدى دور الإله جحوتى ويقول لإيزيس : هل ثمة مكروه وقع لابنك حور؟ حور فى حماية زورق الشمس.. لا تخشى شيئــًـا يا إيزيس. لقد جئتُ بنسمات الحياة كى أعيد الطفل إلى أمه سليمًـا معافى. وليعبث شيطان الظلمات كما يحلو له، فإنه لن يـُـشرق من جديد ولا يرى النور ثانية إلى أنْ يبرأ حور من أجل أمه)) وكان تعليق دريوتون ((هذه المسرحية تنبعث عن عواطف إنسانية مقصودة. وإنْ كان للخيال فيها نصيب مثل استخدام (زورق الشمس) وأنّ إيزيس رغم ألوهيتها فهى دومًـا (امرأة) ملأها الفزع من أجل ابنها.. ولذلك لم يعد ثمة شك فى وجود مسرح مصرى قديم مُستقل عن المسرحيات الدينية)) 
ولأنّ الكتاب مليىء بالنصوص المسرحية، ويصعب التعرض لكل ما ورد به، لذلك سأكتفى بعرض الموقف من إله الشر(سيت) حيث حسبه البعض مجرد صراع بينه وبين أوزير (رمز الخير) وهذا صحيح بكل تأكيد، ولكن ما غفل عنه كثيرون أنّ (سيت) فى مسرحية أوزير هو رمز للمحتل الآسيوى الغازى الذى يرمز للصحراء الجرداء فى عدائها لخضرة وادى النيل، خصوصًـا أنّ تلك المسرحية تـمّـتْ معالجتها أكثر من مرة كان من بينها أثناء فترة الاحتلال الفارسى. وفى مسرحية (عودة سيت) تبيـّـن أنها مُـثلتْ عبر ثلاثة أجيال تـُـمثل فى أفنية المعابد وتصب فيها اللعنات على (سيت. غازى مصر) حيث كان المصريون يكرهون (قمبيز) وحمّـلوه تبعة جميع الجرائم البشعة التى ارتكبها الجنود الفرس خلال الغزو. لذلك كان الاتهام الموجه لرمز الشر (سيت) فى المسرحية وأنه أهان المعابد والحيوانات المقدسة. وفى المسرحية (نشيد إلى الشيطان) قال الكورس فيه ((إلى الوراء أيها المُـتمرد سىء الخلق.. ستموت شريدًا فى البلاد الأجنبية. إنّ (رع) يلعنك لاعتداءاتك الظالمة. وكان تعقيب المؤلف إنها ((مسرحية سياسية عاصفة لاذعة. وأنها عـُـرضتْ أثناء فترة الاحتلال الفارسى. ولا يمكن لأية رقابة فى العالم أنْ تسمح بمثلها فى أى بلد مُـحتل فى عصرنا الحاضر)) وأضاف ((فى المسرحية استعمل الوطنيون المصريون المسرح لاثارة الجماهير ضد الغزاة المُـحتلين)) 
وعن خاصية مصر كتب ((إنّ ما يـُـميـّـز مصر بطابعها البارز فى كل المجالات هو أنها كانت تتحرّك دائمًـا داخل مُـحيط من صيغ دقيقة تلتزم بقواعد التعبير عن الفكرة. وإذا نظرنا إلى الفن التشكيلى مثلا وجدنا أنّ زخرفة مصطبة أو مقبرة صخرية أو معبد ، كانت تتم بخطوط تلقائية، لم يكن بينها سوى الإلهام الفردى الذى كان يـُـعبـّـر عن نفسه تعبيرًا حرًا)) أتمنى لو أنّ المتعلمين (المصريين) المحسوبين على الثقافة المصرية السائدة (من شعراء وروائيين وباحثين وإعلاميين) اهتموا بالقراءة قبل الكتابة، كما قال عميد الثقافة المصريه (طاها حسين)

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in طلعت رضوان and tagged , , , , , , . Bookmark the permalink.