هللويا

 إبراهيم يوسف – لبنان                   إبراهيم يوسف       

  إلى هدى المهداوي.. مع محبّتي

لعل الرصاصة الأخيرة في نهاية الحرب الأهلية اللبنانية أطلقها قنّاص على أخي..؟ كان يعالج تسرُّب مياه الشرب من خزان على سطح المنزل، حينما تلقى الطلقة القاتلة. قالت له زوجته: ما زال عندنا من عبوات المياه ما يكفي للشرب إلى الغد فلا تصعد إلى السطح. سطحنا مرتفع ومكشوف والقناص بارع في إصابة الهدف.

 لكنَّه أكَّدَ لها أن الهدنة أُعلنتْ والحرب وضعت أوزارها، وتخلى القناص عن بندقيته وراح يفتش عن عمل صالح، ومجتمع مسالم ينخرط فيه من جديد، ولن يقتل بعد اليوم أو يؤذي إن كان عاجزاً أن ينفع. هكذا لم يقتله القنّاص خلال سنوات الحرب الطويلة، وحين أصرَّ أن يرأب خزان المياه احتفاء بنهاية الحرب..؟ نضب الزيت من سراج عمره، وانطفأ نور الله من عينيه وفكره، وأضيف اسمه إلى سجل الشهداء وضحايا الحرب.  

 قتلته المياه التي جعل الله منها كل شيء حيّ، فلم يُنْقِذْهُ من طلقة القنّاص أهم أسبابِ الحياة. عاش عمره “حنبليَّا” يبني على أصدق الفعل والقول، والقناص مُصِرٌ أن لا يخسر الطلقة الأخيرة من بندقيته ليطلقها في الهواء ابتهاجا بنهاية الحرب. بل ما انفكّ يراقب من مكمنه آخر ضحاياه.

 تحجّر قلبه خلال دهر من سنوات الحرب قتل فيها من الآدميين ما يزيد عن خطاياه. عينه تراقب الهدف البعيد من خلال عدسة المكبِّر وسبّباته جاهزة للضغط على الزِّناد. لومضة واحدة يقطع نَفَسَهُ قبل إطلاق الرصاصة، عندما تبدو الضحيَّة أمام عينيه ويستقرُّ مُرْشِدُ البندقيَّة على الرأس أو ناحية القلب، تليها انتفاضة الاحتضار في بركة من الدَّم. لم يكن قد انسحب بعد ولا التزم بالهدنة ونهاية الحرب، والمخدِّر ما انفكَّ يسيطر على عقله وأعصابه ويتحكم في إرادته وأعمق نقطة في خلاياه.

 القنّاصُ الذي احترف هوايةَ القتل لا يعرف شيئاً عن ضحيته الجديدة..؟ هل هو فقير ومحتاج أم ميسور الحال وملتزم بما حضَّ عليه الله من أعمال البر والتقوى، وما نهى عنه من الأعمال الحرام. أيساعد اليتامى ويزكّي أمواله فينفقها على المحتاجين الفقراء، أم هو شحيح المدخول وتجوز عليه صدقات أهل الخير..؟

 هل هو مريض جادت عليه وزارة الصحة بالعلاج مجاناً في مشافيها لشهر وأيام..؟ أم هو سليم الجسم معافى لكن علته في روحه وفكره، وعداوة الغير لآدميته بلا أسباب..!؟ هل هو مؤمن بالله يصوم الشهر الفضيل ولا تفوته الصلاة أطراف الليل وآناء النهار، أم هو ملحد وكافر ومن طائفة مختلفة يستحق عقوبة الإعدام..؟

 هل يعيش وحيداً في هذا العالم البائس الموحش، أم هو سعيد بأسرته يرعاها ويشقى من أجلها لتعيش مستورة الحال بين الناس..؟ هل هو متعلم يدرِّسُ علم الحساب وله ولعٌ بالقوافي ونظم الشعر، أم أنه جاهل لا يفكّ الحرف ولا يُفَرِّق بين الألف والعصا أو (1) أستون البندقية بين يديه..؟ أهو من طائفة مختلفة أم أنّه من طائفته بالذات.. لكنّه يعيش على طرف المدينة في القطاع الآخر..؟

القنَّاص لا يعرف بالتأكيد إن كانت الضحيَّة معه أو ضدّه في معتقداته وميوله وسياسته. ولا يعنيه أن يعرف أكان القتيل بعد قليل في طريقه إلى الجحيم، أم أنه سيدخل الجنّة “بفضله” وعلى حساب بندقيته المتقَنة، التي اجتهد صانعها لتغدو طلقتها مؤكدة وفتاكة، وسريعة كرفَّة العين..!؟ 

حملناه في سيارة إسعاف حيث دفنّاه في مسقط رأسه، عصر اليوم التالي بعد صلاة الظهر، فمن العيب بل من العار على ذوي الموتى أن يدفنوهم خارج ديارهم مهما كلف الأمر. يقول أهل الريف: لا ينتسب الإنسان إلى أرض لا موتى له فيها.. وغابرييل غارسيا ماركيز يشهد على صحة وسلامة ما يذهب إليه القرويون من أبناء الريف.

 شارك في الدفن جمع غفير من المحبِّين. لكنني لا زلت لا أفهم حتى اليوم معنى رشقات الرصاص التي قتلت أخي، تلعلع في فضاء المأتم فوق رؤوس المشيِّعين، وكثيراً ما كانت سبباً مباشراً لموت جديد..! ولا الزغاريد تطلقنها بعض النسوة لدى مرور موكب التشييع..؟ ألم يكن الصمت في حضرة الموت أكثر بلاغة في التعبير من الرصاص والزغاريد..!؟ مهما تكن الاعتبارات.. فقد انتهتْ مراسم الدّفن وانصرفتُ مع أسرتي لاستقبال المعزِّين لثلاثة أيام على التوالي.

 “نبيل” صديق قديم من بلدة في شمال لبنان. تحدثتُ عنه في نص قديم عنوانه: “بانتِ الفضيحة.. وانقضى الأمر”. يوم نشرتُ تلك المقالة “الواقعيَّة” تجنَّبتُ من خلالها أن أعلن اسم بلدته، لاعتبارات شديدة الحساسية كالإساءة إلى أهل البلدة، ممن قد يتناهى إلى مسامعهم الخبر أو يقرأون المقالة.

ونبيل “بطل قصتي” تلك لم يكن وهماً أو حلماً أو من نسج الخيال. بل هو حيٌّ يرزق وآدميٌ من لحم ودم. يعيش على أطراف بلدته وسط أسرته، ويقيم في منزل من طبقة واحدة إلى جوار حديقة من الأشجار المثمرة، منها التين والزيتون وبعض جفنات العنب، ومن أشجارها اللوز والمشمش والتفاح، ويحيط بالحديقة سور من التين الشوكي أو الصبَّار. لطالما كانت تلك الحديقة ملعباً لأطفالنا ذات يوم. نبيل إذاً ليس وهماً يا صديقي كما قد تتصور أو يتبادر إلى خيالك..!

لكنني بفعل الحساسيّة المفرطة التي ذكرتها آنفاً..؟ فقد اكتفيتُ بالإشارة إلى بلدته أنها من شمال لبنان، ولا تبعد كثيراً عن طرابلس الفيحاء صعوداً إلى الشرق في اتجاه باب الشمس، وغابة الأرز في “بْشَرّي” موطن “الأرواح المتمرِّدة” وجبران “النّبي”، والتي لا تحتاج إلى تفكير طويل، لكي يهتدي المرء أين تكون بالإشارة إلى الحرف الأول من اسم البلدة  التي أعني.

 تكفي الإشارة إلى السَّخاء وكَرَم الضيافة والشئمة وقسوة الطباع، وكلام موثوق لا رجوع فيه إلاّ بانقضاء الأجل. هؤلاء القوم الشرفاء ممن وقفوا ببسالة في وجه الدّبابة الفرنسية واستبداد العثمانيين على السواء، وأقيمت من أجلهم التماثيل والأنصاب. وبعد الحرب الأهلية تجاوزوا بشجاعتهم بشاعة المذابح، فأوقفوا سفك الدماء ولمّوا شمل البلاد. فهل يجوز لك يا صديقي بعد كل هذه الإشارات، أن تطالبني بالمزيد من الإيضاح..!؟لبنان

أولئك القوم كأنهم أحفاد أبي فراس الحمداني.. لا يؤمنون بالوسطيّة أو الاعتدال (2) فيذهبون في قراراتهم وخياراتهم إلى حد التّعسّف وأبعد من تخوم الخيال في الحياة كما في الموت. وفي ناحية من الإقليم أيضاً ثوار ومقاومون كيوسف بك كرم الذي تصدّى بحصانه وسيفه لدبابة فرنسية وقضى على من كانوا بداخلها.

تسأل الواحد من أبناء البلدة، أن يسلّفك مبلغاً زهيداً من المال حتى يأتي آخر الشهر، “فيكسر يده ويشحد عليها” ويقسم لك أغلظ الأيمان، ولا يستبعد محمداً والمسيح أن أحواله في الحضيض، ولا يملك متليكاً (3) مزيّفاً يشتري بهبطحة عرق” (4) أو علبة دخّان.

ويخطر لك أن تزوره لتطمئن إلى أحواله في المساء، فيكرمك الرجل وينسى طلب السلفة في النهار. ويعدّ وليمة عامرة فيذبح لك خروفاً أو شاة، ثم يعزِّز الوليمةبألفيّة” (5) عرق بلدي وعشرات المدعوين على شرفك إلى الطعام والشراب. وابن الحلال كان خلال النهار لا يملكمتليكاًواحداً، يشتري بهكاس عرقأو علبة دخان.

علم نبيل”بطل قصتي” القديمة وابن هذه البلدة الكريمة بموت أخي، فلم يتمكن من الحضور إلينا عبر الطريق الساحلية المعتادة، من طرابلس إلى بيروت فمرتفعات ظهر البيدر وصولاً إلى وادي البقاع. بسبب الخطف على الهويَّة وحواجز الميليشيات الطيَّارة على الطرقات التي لم تكن قد اختفت بعد.

 لكنَّه سلك درب الجلجلة والآلآم.. هذه المرَّة عبر سوريا من خلال طريق “العريضة” في الشمال، حيث وصل إلى دمشق بعد رحلة طويلة شاقة داخل الأرض السورية. لكي يصل في نهاية المطاف إلى “شتورة” فقضاء بعلبك في وادي البقاع، للقيام بمواساتنا والمشاركة في استقبال الناس، وقبول التعازي معنا طيلة الأيام المخصّصة للعزاء.

 بات ليلته الأولى في غرفتي. كنا نشعر بهول الفاجعة والإرهاق الشديد بفعل الوقوف الطويل، وتوتر الأعصاب المشدودة والدموع، والامتناع عن الطعام والشراب طيلة اليوم. لكننا أقبلنا بعد أن غادر آخر المعزّين على القهوة والتدخين والحديث حتى ساعة متأخرة من الليل.

هذا الصديق أيقظ “بدهائه” ما اختزنتُه في قرارتي دهراً من الكوامن الدفينة. كان يعرف جيداً كيف يستفزُّ خواطري ويحرِّك أعمق المناطق في روحي ويسوق الدموع إلى عيوني، وهو يستنبط دواعي الكلام المترفّع الموزون لينقِّب في ذاكرتي ويقول ما يلهب به روحي وفكري.

 لوجه الأمانة والوفاء لا يجوز أن أكتم شدَّة إعجابي بوعيه العميق، وشئمته العالية حينما لم يشر مرة واحدة إلى هويّة القنّاص..؟ القنّاص المُفترض أن يكون من أبناء “طائفته” في الجهة المقابلة لخطوط التّماس إلى الشرق من بيروت. سامِحني يا نبيل على هفوتي في الإشارة إلى طائفتك..؟ إذا وقع كلامي بالصدفة يوماً بين يديك.

قلت له على لسان أبي نواس الحسن بن هانىء، لا على لسان عيسى بن مريم: “يا كبير الذنب عفو الله من ذنبك أكبر”. لن يغفر الله للمرتكب الجاني ما لم أسامحه وتسامحه زوجة المغدور وأبناؤه. ولو مَثلَ القناص أمامي في تلك اللحظات من هدأة الليل والوجدان، فلن أثأر أو أقتص منه بأي شكل من الأشكال ولو بصفعة على خدِّه الأيمن.. لكي أوَفِّر عليه إدارة الخد الأيسر.

 كنت واثقاً من سلامة عقلي وقراري وسلطتي على نفسي، ومؤمناً بجديَّة ورصانة ما أقول وأعني. بل كنت لأسامحه وتسامحه أسرة أخي إذا ألقى سلاحه، وتوقفت يداه وعقله ومشاعره عن المزيد من استباحة القتل، والاستهانة بسفك دماء ليست في مواضعها.

لو استجاب القناص لرجائي وابتهالي يا هدى، بالعفو عن الباقي من ضحاياه بعدما قتل أخي..؟ لنال أجراً عظيماً وطوّبَ أخي مسيحاَ جديداً ولو لم يمت مصلوباً على خشبة..! حتى الكنيسة يا صديقتي ممثلة بأعلى سلطة فيها سامحت وغفرت لليهود سوأتهم التي قبَّحت وجه التاريخ، دون أن يعتذروا عن صلب المخلص المسيح، وكما لم يفعل السياسيون المرتكبون بعد الحرب الأهلية في لبنان النازف الجريح..!

هذا يا هدى جانب من قصتي مع الموت والحرب الأهلية في بلدي، وأقدِّر باهتمام بالغ المَكاره التي حلّت بكم. “فليس يبكي لشجو الحزين.. إلاَّ الحزين”. أنا أيضاً معجب بك وباسمك بل أحببت هذا الاسم وهو التعبيرالأدق لأنه رائع وله مدلول عظيم. “أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون”.

هذه أرضنا يا صديقتي لا يصحّ أن ننتسب إليها أو نفرط فيها، ما دامت تحتضن في حناياها أحبتنا وموتانا.. وهؤلاء المستنزَفون- المُضَللون اليوم من الخارج، هم أهلنا أيضا وأبناء قومنا نأسى ونأسف لضلالهم وما بلغوه من عمى القلوب قبل العيون. نحن منهم وهم منِّا ولا تستغربي أبداً حينما أدعوهم ولو بلا أمل كبير إلى وقفة تاريخية منصفة، للعفو عن أوزار الماضي بأشكاله وألوانه وأطيافه ومآسيه.

 لم يفتِ الوقت ولم ينقطع الأمل والزّمن لم ينتهِ بعد. شرط أن يتخلوا عن سلاحهم، ويتوقفوا عن القتل والتدمير ويستغفروا ربهم ويعتذروا إلى ضحاياهم، والاعتذار يستدعي قراراً صعباً وشجاعة نادرة كما تعرفين. ويبقى المؤشر الصحيح يا صديقتي ما يحدده الموقف من الكيان الصهيوني المغتصِب.. أمّا إذا دأبنا على تقاذف التُّهم..؟ سيطول بنا الزمن وقد لا ننتهي أبداً بالعودة إلى “دافئآت المُنى” في فلسطين.

هللويا هللويا.. سيأتي المخلص من جديد ويجيء معه الرعاة ينشدون: المجد لله في العلا وعلى الأرض السلام. طوبى لمن ارتضى لنفسه أن يحمل آثام البشر وآلآمهم. إن لم تصدِّقي أن مخلصا سيأتي في القريب..!؟ فويل لك منك فقد حكمت على قلبك بالشقاء  والضياع الطويل. سلي “يوسف مْوَنِّس” من الآباء المسيحيين المخلصين الصادقين وصاحب باع طويل في تمهيد الطريق إلى التوبة والتسامح والغفران.       

https://www.youtube.com/watch?v=6SaNriIj4AA       

 شدَّة.. “جَارَت على أقمارِها الأزمانْ”. لا بدَّ لها أن تزول يا صديقتي، وترتفع مكانها صلواتنا بالرجاء في ظل قيادة رشيدة ومسؤولة. برهنت عن شجاعتها وحكمتها على الدوام، في أرض مكشوفة على الخلاص والفرح الآتي، تحت سماء رحيمة لا يدرك مداها الفكر والأرصاد الجوية في حسابات انقضاء الزمن، وما يدور في غياهب الآتي من الأيام.   

 “يا عالم الأسرار علم اليقــــــــيـن يـا كاشـف الضـر عـن البائسيـــــن

يـا قابـل الأعـذار عدنـــــا إلـــــى ظلــــك فاقبــــل توبـــة التائبيــــــن”

https://www.youtube.com/watch?v=bFmSifZaDnc&t=31m0s

(1) أستون: ماسورة البندقية ومسرى الرصاصة من الداخل.. – الأستون والمورتر و”البي سڤن”- هذه المفردات تعلمتُها “بفضل” الحرب علينا. والقاسم المشترك بين الألف والعصا وأستون البندقية ينحصر في استقامة الشكل فحسب.

(2)  في الإشارة إلى قول أبي فراس الحمداني: “نحن قوم لا توسّط بيننا = = لنا الصدر دون العالمين أو القبر“.

(3)  متليك: نقود معدنية زهيدة القيمة. (Métallique)

(4)  بطحة: أصغر عبوة زجاجية من المشروب الكحولي، العرق.

(5)  ألفيّة عرق: وعاء زجاجي كبير الحجم يحفظونه بقش يقيه من الكسر، ويحتوي على مؤونة العام من العرق.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in إبراهيم يوسف and tagged , , , , . Bookmark the permalink.