الوجه الآخر لقديس نوبل

 محمود الغيطاني             محمود الغيطاني                

مولانا نجيب محفوط ليس أسطورة

محمد الباز

  كان القرار سريعا لم يستغرق وقتا طويلا في التفكير، لابد أن نحتفل بذكرى ميلاد نجيب محفوظ، مضى على ميلاده 103 أعوام، قررت أن نمد الحديث لثلاثة أيام.

  أمدني الصديق الكاتب العاشق لنجيب محفوظ مصطفى بيومي دراسته “المسكوت عنه في روايات نجيب محفوظ”، وهي دراسة مهمة جدا مثل بقية دراسات مصطفى بيومي عن نجيب محفوظ، قررت أنأنشرها على ثلاث حلقات، وفتحت الباب أمام شباب المثقفين والمبدعين؛ ليكتبوا ما يريدون عن نجيب محفوظ، فكتب سامح قاسم الكاتب والمثقف الحلقة الأولى التي تطرق فيها إلى علاقة نجيب بالمرأة، وقدم لي محمود الغيطاني الحلقة الثانية التي ألقى الضوء فيها على الجانب الآخر من حياة نجيب محفوظ، وكانت الحلقة الثالثة إضاءة مختلفة من الروائي الكبير محمد المنسي قنديل الذي قال بصراحة إن حرافيش الجمالية سجنوا صاحب نوبل في الحارة.

  نشرنا الحلقة الأولى لتقوم القيامة، وتلقيت ردود فعل عنيفة جدا، وغضبا رأيته مبالغا فيه بالطبع، فقررت حجب الحلقتين المتبقيتين، وأعترف أنني كنت أريد إدارة حوار حول نجيب محفوظ، يخرج من أرضية غير تقليدية، فنجيب كاتب عالمي، وهو بالمناسبة كاتبي المفضل، ويعتبرني البعض واحدا من دراويشه، لكنه ليس مقدسا، ليس أسطورة نسلم بها ونستسلم لها، هو في النهاية جزء من تاريخنا، وتاريخنا ملكنا نقلب فيه كيف نشاء.

  ستقول: قلب في التاريخ كما تريد، لكن إياك والإساءة لنجيب محفوظ، وهنا نتساءل عن الإساءة؟ عن ماهيتها وأدواتها والأساليب التي تتم بها، يمكن أن يكون أي كلام مختلف أو مخالف لما تعتقده عن نجيب محفوظ إساءة، وعليه فلن يتحدث أحد، ولن نستطيع تقييم تجربة هي الأهم في تاريخ الأدب العربي، لكن سنحولها إلى ضريح نطوف حوله، ونلتمس منه البركة، دون أن ندري حقيقة وقيمة الولي المدفون في الضريح، سيقولون إننا نشوه الرموز؟

  ومن قال إن نقدنا لرموزنا ومناقشتهم، وتعرية ما فعلوه وما قالوه تشويه؟ إنه حجة الذين لا يريدون أن يرهقوا أنفسهم بالتفكير، يرون العالم من زاوية واحدة، وبنظارة واحدة، وبلون واحد، فإذا أردنا أن نوجه عقولهم وقلوبهم لمنطقة جديدة، رفضوا وتعمدوا أن يشوهوا كل ما يخرج عن مألوفهم.

  إنني أعتبر نجيب محفوظ شيخي، تعلمت على يديه الكثير، لكني لا أرفعه لدرجة ألا يُسأل عما فعل، لا أمر بجواره طالبا البركة، خافضا الصوت، مرهف السمع، ارتقيت على يدي بعض أبطاله درجات في سلم الروح.. من ينسى جلال صاحب الجلالة.. لكني لا أمنحه تفويضا على بياض، قد لا تهمني كثيرا حياته، ولا أخلط بينها وبين ما أبدعه، لكنني لا أقف أمامه خاشعا متبتلا ومتأملا، ولذلك سمحت بأن ندخل إليه من زاوية يمكن أن يراها البعض انحرافا، ويمكن أن يتعامل معها البعض على أنها كفر.

  مهمتي أن أدير نقاشا في المجتمع من خلال صحيفة قررت أن تكون مختلفة ولا تسير مثل القطيع وراء صحف أخرى تدعي ريادة وانفرادا، رغم غرقها في التقليدية والتقليد، فالحوار هو الذي يضمن حيوية المجتمع، هو الذي يمنحه قدرة على الاستمرار، فإن لم نسمع لبعضنا البعض، فلن نسمع لأنفسنا بعد ذلك، ثم إننا ندعي أننا نقبل الرأي الآخر، فأردنا أن نجرب هذا على أنفسنا، لكن يبدو أن التجربة لم تنجح بالقدر الذي كنت أحلم به.

  لا أقبل، ولا يقبل من يعملون في هذه الجريدة إساءة لنجيب محفوظ، لكننا لا نقبل أيضا أن يتحول الرجل الكبير إلى صاحب قداسة، لا يمسه إلا المطهرون، هؤلاء الذين ارتضوا أن يكونوا دراويشه حيا وميتا، لا نقبل أن يتحول إلى ذات مصونة، فالمقدسات أورثتنا جمودا وتخلفا.

  عفوا بالطبع لكل من جرحنا مشاعرهم بنقد نجيب محفوظ، لكنها محاولة أولى ارتدت علينا، وأعتقد أننا سنعود إليها بعد ذلك، فالتاريخ لن يستقيم لنا إلا إذا أخضعناه لتشريح دقيق حتى نعرف ما الذي جرى، هذا حقنا ولن نفرط فيه، نعتز بنجيب محفوظ، نحترمه، ونقدره، لكننا لا نعتبره أسطورة أبدا.

  هذه نقطة، وفي انتظار سطر جديد.

 

ودا مقالي اللي متنشرش في آخر لحظة في البوابة 

 محمود الغيطاني                                     نجيب محفوظ

  أظن أنه لا يوجد في الوطن العربي من لا يعرف نجيب محفوظ، سواء كان قارئا، أو لم يتعاط القراءة من قبل، متعلما كان أو جاهلا، حتى أنك إذا ما سألت طفلا يلهو في الشارع: هل تعرف نجيب محفوظ، فهو بالتأكيد سيهز لك رأسه بالإيجاب، أو ربما يقول لك: قصر الشوق، أو ينطق اسم السيد عبد الجواد، أو يقول لك: هو الحائز على جائزة نوبل، رغم أنه قد لا يعرف ما هي جائزة نوبل، ولكن نتيجة للتغطية الإعلامية الكثيفة جدا عن كاتب مصر الأغزر إنتاجا، والأكثر شهرة في جميع وسائل الإعلام بات نجيب محفوظ هو الكاتب الأوحد في مصر الذي يعرفه الجميع بلا استثاء.

  كما لا يستطيع أحد إنكار أن الآلة الإعلامية التي عملت على نجيب محفوظ كانت من الضخامة؛ ما جعلته يكاد يكون هو الكاتب الأوحد، والأعظم، والأكثر إبداعا، وأخلاقا، والتزاما، حتى أنها كادت أن تصنع منه إلها لا يمكن الاقتراب منه من قريب أو بعيد، حتى إذا ما اقترب منه أحد يقع تحت طائلة القانون الجمعي لمن يؤمنون بمحفوظ الذي اقترب من مكانة الآلهة التي لا تُمس، ولا يُقترب منها، ولعل في مثل هذا السلوك الذي تم سلوكه باتجاه محفوظ ما يُدلل على أن صناعة النجم هي من أخطر الصناعات التي من الممكن أن تجعل كاتبا متوسطا، أو خال من الموهبة أفضل كتاب العالم على الإطلاق.. ونحن هنا لا نقصد محفوظ بذاته في مثل هذا الحديث، لكننا نحاول التدليل على خطورة الإعلام في تزييف الوقائع..، ولعلنا نستطيع بالفعل التدليل على أن محفوظ لم يكن هو الأكثر موهبة، وليس هو الأهم، وإن كان هو الأغزر إنتاجا، والأكثر نشاطا، والتزاما بالكتابة في مواقيت محددة، وصارما مع نفسه وكأنه موظف لابد أن يُمارس فعل الكتابة بشكل يومي، وفي مواعيد محددة.

 لعلنا لا ننسى أسماءً مهمة مثل توفيق الحكيم، ويوسف إدريس الذي كان يرى أنه بالفعل يستحق نوبل بدلا من نجيب محفوظ، وغيرهم من المبدعين الذين لم يلاقوا ما لاقاه محفوظ من التركيز الإعلامي، وصناعة النجم مثله.

 ربما كانت هذه الصناعة الإعلامية قد جعلت الكثيرين يرون محفوظ لا مثيل له في كل شيء، حتى أن أحدهم كتب عنه يقول: “نجيب محفوظ رجل قدوة.. قدوة في كل شيء: في فنه، وشخصه، وأخلاقه، وسلوكه، وتواضعه، وحيائه، وصبره، وإخلاصه، وكراهيته للإعلان عن الذات.. وفى إيمانه العميق بأن الزبد يذهب جفاء، وأن ما ينفع الناس يمكث فى الأرض”، ولعلنا إذا ما تأملنا هذا القول السابق لابد أن تأخذنا الكثير من الدهشة؛ لأنها ترفع الرجل إلى مكانة القدسية، والنبوة، لكن الحقيقة التي لا يحاول أحد أن يتحدث عنها أن الرجل لم يكن بمثل هذه القدسية التي يحاولون إضفائها عليه، بل كان له العديد من السقطات التي حاول الإعلام دائما ألا يُسلط الضوء عليها؛ حتى يظل في هذه المكانة المقدسة، ولكن المسرحي، والشاعر، والمخرج، الراحل نجيب سرور تحدث عما لم يتحدث عنه أحد من قبل، وهو الأمر الذي سكت عنه الجميع، وحاولوا تجاهله تماما؛ حتى لا يشوهوا صورة القديس الذي صنعه الإعلام، وهو ما دفع البعض كي يقولوا عنه أنه قدوة في أخلاقه وسلوكه، رغم أنهم يتجاهلون الكثير.

  كان نجيب سرور صديقا مقربا من نجيب محفوظ، بل إنه كتب دراسة طويلة عن ثلاثية محفوظ لم تُنشر في حياته، ولكن بالرغم من هذه الصداقة التي ربطت بين المبدعين الكبيرين.. محفوظ، وسرور..، إلا أن محفوظ لم يحاول الحفاظ على قدسية هذه العلاقة.. الصداقة.. أو احترام ما بينهما، وهو الأمر الذي دفع بنجيب سرور إلى أزمة نفسية ضخمة أدت إلى فقدان عقله في نهاية الأمر.

المُهادن

  لعل أكثر ما كان يتميز به نجيب محفوظ في حياته كلها هو سمة الغموض، هذه السمة التي جعلته يكاد أن يقترب من الخبث السياسي الذي يجعله طول الوقت واقفا على الحياد، من دون لون، أو رائحة تميزه، وهو ما يجعلنا نستطيع وصف محفوظ بأنه الكاتب الذي لا شخصية له.

   فمحاولة التزام الصمت الدائم من قبله تجاه أي قضية سياسية، أو أيديولوجية، جعله كاتبا لكل العصور، بل ولكل الحكام، وصالحا لكل ألوان السلطة، وهو ما جعل الجميع بلا استثناء يحتفون به، ولم يجد من يحاول أن يتخذ ضده أي موقف من أبناء السلطة؛ نتيجة لأنه لم يكن له موقفا حادا، أو واضحا من قبل، سواء على الجانب السياسي، أو حتى على الجانب العقائدي، وهو الأمر الذي يتنافى دائما مع الكاتب والمثقف، الذي يلتزم دائما باتجاه ما، أو فلسفة ما تميزه عن غيره، ومن ثم يكون مهموما دائما بقضية تشغله.

  نجيب محفوظ كان هو الكاتب الفاتر، الذي لم يلتزم بشيء في حياته، ومن ثم كان هو الكاتب غير الملتزم إلا بكتابته التي تخصه فقط في حارته، ولعل هذا اللون من ألوان الخبث الذي انتهجه محفوظ منذ بدايته المبكرة، حتى وفاته، قد جعله هو الأكثر قربا من السلطة، بل جعلته السلطة هو الكاتب الأوحد المرضي عنه من الجميع، سواء من خلال وسائل الإعلام التي تم تجنيدها كلها من أجله فقط، أو من حيث الحكام الذين تواردوا على مصر، ولعله يستحق هذا الرضى الذي لم ينته؛ لأن الكاتب المهادن دائما ما يتسيد المشهد، في حين أن الكتاب الآخرين أصحاب المواقف الحقيقية، وأصحاب المبادئ التي يدافعون عنها لا يمكن أن يكونوا من المرضي عنهم من قبل السلطة، بل يتم التنكيل بهم، وإبعادهم عن دائرة الضوء؛ للابتعاد عن المشهد، ولعلنا نجد في نجيب سرور دليلا على ذلك، فهو الكاتب صاحب القضية، وصاحب الرأي، وصاحب الأيديولوجية الواضحة أمام الجميع، بل هو الكاتب المشاكس، صاحب المشاكل، المنتقد دائما للسلطة الذي جعله كل ذلك يفقد الكثير مما يستحقه، ولعله لا ينكر أحد أن سرور كان صاحب موهبة متوهجة، ومشتعلة، وأكثر أهمية من موهبة محفوظ، بل لعلنا لو تأملنا المشهد لوجدنا أن موهبة إدريس أيضا كانت من المواهب التي تكاد تكون أهم من موهبة محفوظ، لكنه كان كاتبا له رأي في السياسة، وصاحب موقف؛ لذلك لم يلق ما لاقاه محفوظ من الاهتمام والتخليد كذلك.

 وإذا ما تأملنا حياة محفوظ الخاصة لوجدنا أن هذا اللون من المهادنة السياسية قد انعكس كذلك على حياته الزوجية التي جعلته حينما يفكر في الزواج لم يختر سوى سيدة ريفية، ربما كي لا يكون لها موقفا واضحا معه في الحياة أيضا.

الشللي الأعظم

إذا ما تأملنا تاريخ نجيب محفوظ لوجدنا أنه كان حريصا على أن يكون الكاتب الأعظم، وكما أن الفتاة الجميلة دائما ما تحرص على أن يحيطها من هم أقل منها جمالا؛ حتى تشعر بجمالها وأهميتها بينهم، ولتشعر دائما بالتميز، فنجيب فمحفوظ من خلال لاوعيه السيكولوجي كان حريصا طول الوقت على أن يُحيط نفسه بالكتاب الأقل موهبة منه، فلم نجد من يضارعه في الموهبة، أو من هم أكثر منه موهبة في محيطه، ولذلك حرص محفوظ أن تكون شلته طول الوقت ممن هم أقل منه موهبة كي يكونوا مجرد مريدين له يسبحون بحمده، ويلتفون من حوله؛ ليصنعوا منه الكاتب الإله أو الأسطورة الذي لا مثيل له، ولعلنا لا نذهب بعيدا إذا ما قلنا أن مرض الشللية في الوسط الثقافي المصري قد اخترعه نجيب محفوظ، ثم سار على خطاه فيما بعد شلته.. من أنصاف المواهب.. التي كانت تحيطه دائما؛ ولذلك نرى أن أبناء هذه الشلة من أنصاف المواهب هي التي تسيدت المشهد الثقافي المصري فيما بعد، بل باتوا من أهم الأسماء الموجودة حتى اليوم بالرغم من تواضع موهبتهم، ولكن لأنهم أبناء محفوظ، أو كانوا ممن يحيطونه دائما؛ فلقد صاروا هم الأهم من خلال شبكة الإعلام التي ضخمت منهم، ومن خلال ما كتبوه من حكاياتهم التي لا تنتهي، والتي مازالوا يلوكونها حتى اليوم، ويجترونها بشكل يكاد لا ينتهي مع شيخهم وقديسهم.

 لعله في ذلك كان من الذكاء الذي يُحسد عليه؛ لأنه من خلال جمع هذا العدد الضخم من الكتاب من حوله، قد جعل من نفسه الأهم، والأبرز الذي لا يمكن مقارنته بغيره، بل ضمن من خلالهم أن يكون هناك المئات ممن يدافعون عنه في أي موقف من المواقف بينما يقف هو موقف المشاهد، الصامت الذي لا يدفع عن نفسه شيئا؛ لأن هناك من سيتحدثون باسمه، ويستطيعون حرق من يوجه إليه أي كلمة تمسه.

  نعود مرة أخرى لنقول أن نجيب محفوظ لا يمكن إنكار أهميته في الثقافة المصرية، بل نؤكد أنه أثراها كثيرا، ولكن ليس معنى ذلك أن نجعل منه إلها وننسى وجهه الآخر الذي يسكت عنه الجميع.

نُشر في جريدة القاهرة عدد 16 ديسمبر 2014م بعنوان “هل نال نجيب محفوظ أكثر مما يستحق؟

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in محمود الغيطاني and tagged , , , , , . Bookmark the permalink.