عُقْدَةُ ” الانقلاب ” تذهب بأردوغان إلى الطبيب النفسي

د. بليغ حمدي إسماعيل
بليغ

ثمة ملامح وعلامات يمكن رصدها في المشهد التركي الراهن والذي يمكن توصيفه بعبارة موجزة بأن الطيب الذي لم يكن يوما طيبا خرج ولم يعد ، والطيب هو أردوغان الذي تشابه كثيرا وطويلا مع سلفه القديم مصطفى كمال أتاتورك في الجنوح مرة صوب العلمانية وفي البحث عن حلم الخلافة والزعامة المفقودة، ومرة أخرى في تدعيم بعض الفصائل والتيارات المتطرفة في دول الربيع العربي مثل مصر وتونس تحديدا احتضان جماعة الإخوان المسلمين هناك وفي نفس الوقت يظل حلم التمسح بعضوية الاتحاد الأوروبي قائما . هي بالفعل حالة التشتت الذهني تجاه إيجاد مكان ومكانة تربط بين دولة الخلافة البليدة والضعيفة والتي سقطت أمام التكتلات الدولية منذ الحرب العالمية الأولى ووصف تركيا بالرجل المريض . فتركيا أردوغان التي اعتادت تعديل النموذج الليبرالي وفق رهانات دول الجوار لا تزال تحتفظ بأقنعتها التاريخية التي استحالت بالطبع بالية ومترهلة ، وفكرة زحفها البطئ صوب الشرق تحديدا مصر المحروسة واستغلال حالات الامتقاع لدى أنصار الجماعة المحظورة هو نوع يعكس الحالة المرضية للرجل غير المتعافي والذي سقط في أول اختبار مع الدول الأوروبية.

وكم من مرة وصفت المسألة التركية بالأمة المنتحرة التي تعترف دوما بفكرة الأرض المحروقة حتى احترقت هي نفسها بالمظان والهلاوس التي روجت لها في الشرق الأوسط طيلة خمس سنوات منصرمة ، والمشهد التركي الراهن ربما لا يبدو غريبا على المستقرئ الماهر لإحداثيات الواقع السياسي الداخل والخارجي للنظام التركي الرسمي والذي أحدث فيه أردوغان نوعا من الارتباك والإرباك والنتيجة أن الطائرة لا تستطيع بعد أن تحلق فوق سماء ميدان تقسيم كما اعتادت وهو نفسه اليوم أردوغان لم يعد يمتلك تآزرا حركيا ليرفع الإشارة التاريخية لمؤيدي جماعة الإخوان المعروفة بشعار رابعة ، لأنه باختصار لا يعرفه المنتمون إلى تنظيم حسن البنا نظرا لغفلتهم بالسياق التاريخي لأحداث المنطقة أنه لا يكترث هذه اللحظة بمستقبل الرئيس المعزول شعبيا والذي طالب منذ يومين بتعهد الحكومة المصرية بعدم تنفيذ حكم الإعدام على المعزول مرسي وهو أمر يزيد تعميق الصورة لحالة الرجل الذهنية التي تأبى أن تتعافى .

وأجدد الذكرى بحالة أردوغان الذهنية التي ستذهب به حتما إلى العيادات الذهنية والنفسية ، فرغم عمليات التجميل التي أجريت للكيان التركي وتكرارها من أجل الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي والانصياع لأوامره ونواهيه إلا أن هناك عقدة نفسية عنوانها الإقصاء السياسي عقب إسقاط الخلافة العثمانية والتحول الذي أجراه أتاتورك الذي كان بالفعل النموذج المثال لأردوغان في الحالة المرضية البليدة لاستقراء الأمور، ولم يعد بتركيا إلى حالتها الأولى قبيل الإسقاط القسري. ولو فكر أردوغان وحاشيته قليلا قبيل سقوط نظامه وأهله وعشيرته سواء من الأتراك أو أعضاء الجماعة الهاربين من مصر أن الإقصاء الأوروبي هو في الأساس مفاده خطاب تركيا الثقافي الذي بات غائبا لسنوات بعيدة وجاء اليوم خطاب سياسي وليس ثقافيا يمثل الاقتحام وفرض الزعامات الواهنة بغير صفة شرعية لهذا الحضور الفقير زمنيا ومكانيا أيضا.

والحقيقة التي لا تقبل الشك أن ما حدث من انقلاب عسكري إيجابي قاده قائدا القوات البرية والجوية في تركيا ضد الطيب الذي لم يكن أبدا طيبا كان نتيجة طبيعية ومنطقية من جيش وشعب ـ اللهم سوى بعض الهاربين من جماعة الإخوان المسلمين هنالك ، أو بعض أنصار حزب العدالة والتنمية ـ قررا الإطاحة معا برجل بات يهدد تاريخ تركيا وحاضره ومستقبله في ظل هوس مستدام من رئيس غير مقتنع بسيادة الشعوب والأمم ، وأن الفكرة التاريخية البليدة التي تزعم بأن الغزو العثماني كانت تتويجا للانحطاط اللغوي وتراجع مكانة اللغة العربية والثقافة العربية ، وهما الأمران اللذان يمكن رصد التحولات بشأنها من خلال انتشار اللغة الفصيحة بشكل واسع وحجم الدراسات اللغوية الكبيرة والرصينة بجامعاتنا وعدد المطبوعات والمنتديات اللغوية بعالمنا العربي مما يجعل مرة أخرى فكرة العودة العثمانية مستحيلة بصورة مطلقة.لذا هذا الرجل لم يعترف بهذه الإحداثيات وظل تحت سطوة حالته الذهنية .

وربما المتحسرون على أردوغان الذي لم يحظ بأي من اللقبين المخلوع أو المعزول لم يدركوا بعض الممارسات السياسية التي أحدثها وعادت بويلات على شعبه وجيشه بالضرورة ؛ لأن الأخير هو الذي أطاح به هاربا لاجئا حتى لحظات الكتابة . رغم ثمة أخبار تتعلق بوصوله إلى مطار أنقرة كما يشيع بهذا أنصاره .

ورغم أن محاولة الانقلاب العسكري في تركيا قد فشل عقب ظهور أردوغان التلفازي بمطار إسطنبول متحدثا عن توعده لبعض قيادات الجيش وعملية تطهيره سريعا فإنه كما تشير كافة التحليلات السياسية السريعة قد وضع بلاده على شفا حفرة من حرب أهلية وشيكة ، فالي يأمر شعبه بالنزول ضد جيشه يكون قد أحدث انقساما خطيرا في قوته العسكرية من جانب ، وخلق حالة من الندية وتعارض المصالح والمطامح بين الجيش والشعب من جهة أخرى ، وهذه المحاولة كانت بالضرورة نتيجة بعض التجاوزات التي قام بها أردوغان بتركيا منها اعتقال الصحافيين ، والقضاة ، وكافة الفصائل المعارضة التي لا ترى في حزب العدالة والتنمية خيرا ، وهو للتذكرة حزب تم استنساخه من حزب الرفاة والذي ظهر في ظروف غير طبيعية سياسيا عقب انقلاب جرى في عام 2000 .

This entry was posted in د. بليغ حمدي إسماعيل and tagged , , , , , , . Bookmark the permalink.