لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ .. الفرق بين المس واللمس

مستشار/ أحمد عبده ماهراحمد ماهر

يقول تعالى : {لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ }الواقعة79…..فقال الفقهاء أنه يمتنع على الناس لمس القرءان إلا بوضوء…وما ذلك إلا لأنهم لم يفهموا الفرق بين المس واللمس….ولعلهم لم يدركوا بأنهم يضعون العراقيل للتعامل مع القرءان.

ولقد ورد الكلمتان (المس واللمس) بالقرءان لذلك يحسن أن نستعرض كلاهما في بعض مواقعهما بالقرءان فإن ذلك مما ييسر استيعاب الفرق وذلك فيما يلي:ـ

*يقول تعالى في شأن المس:

  1. {إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ } آل عمران120.
  2. {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ } آل عمران140.
  3. {وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ } الأنعام17.
  4. {وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } يونس107.
  5. {وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ } الأنعام49.
  6. {قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ } هود48.
  7. {لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ } الحجر48.
  8. {وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } الزمر61.
  9. {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} البقرة275.
  10. {لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } الأنفال68.
  11. {وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } يونس12.

فالمتدبر للآيات يجد أن المس يكون دوما ضرر في غالبه، أو تَحَدُّثا عن ضرر، ويكون معنويا دوما وقد يكون ماديا، ويكون بالدنيا أو الآخرة أو كليهما.

*ويقول سبحانه في شأن اللّمس.مصحف قرآن

1ـ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً } النساء43.

2ـ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} المائدة6.

3ـ {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} الأنعام7.

4ـ {وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً } الجن8.

فالمتدبر يجد اللمس ماديا وهو بالدنيا فقط، وأيضا تجد تفاسيرنا وقد خلطت بين المس واللمس ولم تدلو بدلوها في الواقع المعنوي أو المادي للعذاب، ولا عما إذا كان الأمر ينصرف في تباين بين الدنيا والآخرة، مما يفقد القرءان حلاوته وحقيقة مراده ومقصده.

أما معنى {لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ }الواقعة79…..فهم الملائكة لأنهم هم المطهرون…..ويمكن أن ينصرف المعنى أيضا إلى الطهارة الداخلية لبعض البشر وينصرف معنى المس لفهم حقيقة العمق القرءاني….أي لا يصل لمعناه الحقيقي إلا المطهرون داخليا من البشر وهم الذين هداهم الله….وكلها كما ترى أمورا معنوية وليست مادية بما يعني أن من قالوا بالوضوء حين لمس المصحف لا يفقهون وإن كنتم تطلقون عليهم أنهم فقهاء.

ويقول تعالى [إنه لقرءان كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون].

فنجد العلماء وقد تصوروا أن الكتاب الذي بين أيدينا هو الكتاب المكنون وتصوروا بأنه على الناس أن تتوضأ لمس المصحف، وما ذلك إلا لفقدان التصور والتدقيق الفقهي واللغوي.

فمن الجدير بالبيان أن هناك فرق بين الكتاب والقرءان، كما يوجد فرق بين الكتاب الذي بين أيدينا والكتاب الذي هو عند الله والمدون به كل أعمال الخلائق ومدون به الرسالات بما فيها القرءان وهو ما يسمى بالكتاب المكنون.

أما الكتاب الذي بين أيدينا فهو الكتاب المسطور والمنشور، أليس بين يديك وأنت تقلب صفحاته فكيف يكون مكنونا.

وهناك فرق بين كلمة [المطهرون] وكلمة[ المتطهرين] فكلمة [المطهرون] تعني أن الطهارة ذاتية فيهم وهم الملائكة، أما كلمة [المتطهرين] فتعني البشرية حين تقوم بالغسل من الجنابة، وذلك من قوله تعالى [إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين]…وقد يكون لبعض البشر طهارة ذاتية داخلية تمكنهم من الوصول للعمق القرءاني فذلكم هو مس المطهرين.

والذين أمرونا بالوضوء حين مس المصحف لم يدركوا الفرق في المعنى بين الطهر والتطهر، ولا بين اللمس والمس.

وقوله تعالى : {….. وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ }البقرة222.

فكلمة [يطهرن ] أي يطهرن طهارة غير إرادية …أي طهارة من الله…..أما كلمة [يتطهرن] فهي الطهارة الإرادية التي تقوم بها المرأة بنفسها.

وعلى ذلك فإن قوله تعالى [لا يمسه إلا المطهرون] يعني المطهرون طهارة غير إرادية…أي من الله

أما الوضوء الذي أمرنا به الفقهاء فهو من شعائر الصلاة وهو ليس بتطهر ولا طهارة….هذا فضلا عن أن المؤمن لا ينجس لكن الكافر هو النجس لقوله تعالى [إنما المشركون نجس] فلا يجب الخلط بين الطهارة والوضوء.

ولا يجب الخلط بين المشرك النجس والمؤمن غير النجس على الدوام.

بما يعني أن إلزام الناس بالغسل أو الوضوء لمس المصحف أمر لا محل له من تعاليم الله…كما أن الحائض لها أن تملس المصحف وتقرأ فيه .

كما أن تعبير [لا يمسه إلا المطهرون] قد يعني بأنه لا يصل ولا يدرك معناه الحقيقي إلا أصحاب الأنفس الطاهرة..لأن المس غير اللمس…فالمس أمر معنوي…واللمس أمر مادي وكفانا خرافات فقهاء لم يدركوا أي فقه ومع ذلك احتل فقههم لصدارة عقولنا.

مستشار/أحمد عبده ماهر

محام بالنقض ومحكم دولي وباحث إسلامي

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in أحمد عبده ماهر and tagged , , , , , , , . Bookmark the permalink.