تعويم النص

مايكل عطا اللهمصحف قرآن
لا نستطيع تبرئة المفسر القديم للقرآن من لوثة الأيديولوجيا: فالتفسير أراد أن يفرض معنى محدداً للنص حتى لو خالف هذا المعنى معطيات النص القرآني.
والحال أننا لا نسلّم بمقولة أنّ المفسر يفسر كما فهم هو القرآن بل كما خطط أن يفهم ويفهّم. فالمفسر يعي أنه يخالف روح النص ويعي أكثر أنه يبني على حساب النص أيديولوجيا أخرى تتخّذ من القرآن ذريعة لتمرير معنى ثابت كما لتمرير أحكام تدّعي الانبثاق عن روح القرآن (ذلك أنّ أصول الفقه ليست في المحصلة سوى أيديولوجيا تفسيرية تفسّر النص بوصفه مصدر أحكام).


وأحد وجوه المخالفة يكمن في “أنّ التحديدات الزمنية, والمكانية, والوقائعية-الأحداثية, وأسماء الأشخاص, كلها تحاشاها الخطاب القرآني بشكل منتظم وعلى طول الخط”. من هنا لاحظ محمد أركون -ومنه اقتبسنا العبارة الأخيرة أنّ المفسرين قد حوّلوا القرآن إلى خطاب عادي” أي إلى خطاب شعبوي مهووس بالتفاصيل الصغيرة وأسماء الأمكنة والأشخاص كما مهووس بإحالة الآيات إلى وقائع وفرضها بوصفها حقائق تاريخية.
كذا فإنّ القرآن الذي توجّه -ضمن ما توجّه- إلى “أولي النهى” قد أصبح على يد المفسرين خطاباً موجَّهاً إلى العامة بمن فيهم منعدمي النهى. ذلك أنّ النزعة القصصية الشعبية في التفسير قد قضت على نخبوية القرآن. من هنا فإنّ الثورة اللوثرية المطلوب إنجازها في الثقافة العربية الإسلامية -والتي نادى بها طرابيشي- ليست في الواقع إلا ثورة لوثرية معكوسة: فعلى حين أنّ لوثر سعى
إلى جعل النص الإنجيلي في متناول العامة (=تعويم النص) بعدما كان حِكراً على رجال الدين والإكليروس والمحيطين بهم, فإنّ أولى معالم الثورة اللاهوتية في الإسلام يجب أن تتّخذ صورة إعادة القرآن إلى نخبويته وتحريره من الشعبوية التي فرضها المفسرون أي تحريره من التعويم.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Islamic Studies إسلاميات and tagged , , , . Bookmark the permalink.