الانقلاب السلفي: من الأزمة إلى التأزم

محمد صلاح سليم تقبيل يد شيوخ وقساوسة وملوك

لا يلزمنا جهد كبير، ولا قوة ملاحظة، لنر أن الفكر السلفي هو المهيمن على عقول المجتمع، بحكومته وشعبه، وأحزابه ومؤسساته، فإننا نجد “الغزو” السلفي قد أثر حتى في غير المنتسبين نظريا للتيار السلفي صراحة، ونلمس آثاره في المناهج التعليمية، حتى في المؤسسات التربوية غير الدينية، وذلك التأثير لم يجعل المجتمع يعادي فقط الفكر العلماني، بل تعدى ذلك – في أوقات غير قليلة – لمعاداة حتى باقي الأفكار أو الاتجاهات، والمدارس الدينية الأخرى خاصة “العقلية منها، ورفض – بل أحيانا تكفير – أي خطاب ديني “تنويري” وإصلاحي، وتلك الظاهرة لم تقتصر فقط على المسلمين، بل لا نجد اختلافا جوهريا بين موقف الكنيسة الأرثوذكسية القبطية من الفرق التي تسميها “هرطوقية” ومن العلمانيين – خصوصا الذين ينادون بحقوق الزواج المدني للأقباط – وموقف الأزهر مثلا من أي خطاب يخرج عن “الأصولية” الجامدة. والحقيقة أن ذلك يجعل من الصعب أن نرجع أسباب تلك الظاهرة -حصرا- للتمويل السعودي، والمد الوهابي، رغم الاعتراف بالدور المحوري الكبير لأموال النفط، كعامل مساعد في نشر الفكر السلفي في أرجاء العالم العربي وتصديره، لكن حقيقة المشكلة تمتد لأبعد وأعمق من ذلك، وترجع جذورها إلى قبل تأسيس المملكة السعودية بقرون، ولن نفهمها إلا بفهم وتفكيك العوامل التي صاحبت ظهور وأفول الفرق الإسلامية سلفية وفلسفية وكلامية وباطنية وغيرها، بالإضافة إلى نقد وتفكيك العقل الإسلامي نفسه، ورصد مراحل تطوره التاريخية، والحوادث السياسية  والاجتماعية التي أثرت فيه وتأثرت به.

وانطلاقا من تلك الرؤية، لابد لنا أن نعلم أنه لا سبيل لتحقيق أي خطوة نهضوية بحلول سطحية، أو خطابات سياسية، ولا حتى بحلول أمنية وتشريعية، إلا بإفساح المجال للمثقفين لنقد وتفكيك المنظومة العقلية المهيمنة برمتها، إسلامية ومسيحية، وتفكيك بنية ووظيفة العقل العربي كله، وإعادة النظر في المنظومة التربوية والتعليمية والثقافية والإعلامية، بمناهجها وموضوعاتها، وبرامجها ورؤيتها، ورسالتها وأهدافها. لكن هل حقا – وقبل أي دعوة لمحاولة حل الأزمة – يعترف المجتمع أو تقر الدولة بوجود أزمة حقيقية، ومشكلة متأصلة، مترامية الأطراف، معقدة العوامل، ومتعددة الأنماط؟ هل حقا نلمس تلك المشكلة؟ ونشخصها تمام التشخيص؟ ذلك لأن المنهج السليم في حل المشكلات لابد أن يبدأ بتحديد المشكلة، وذلك التحديد لا يكون إلا بالإحساس بوجود المشكلة، والاعتراف بها، ثم يأتي دور تفكيك المشكلة وأسبابها وعواملها، وجذورها ومظاهرها، ثم نشرع في باقي خطوات المنهج بوضع خطة دقيقة، بعد دراسة عميقة، والسؤال الآخر الذي يتبادر إلى الذهن: هل نملك الإرادة الحقيقية في المضي قدما لحل تلك المشكلة – إن اعترفنا بها- أم لا نملكها؟

الواقع أن الدولة والإعلام بل والمؤسسات الدينية الرسمية وغيرها لطالما استعملت عبارات عديدة مثل: تجديد الخطاب الديني” و”الفهم الوسطي للدين” و”محاربة الإرهاب” و”نبذ التطرف وأيضا كثيرا ما نسمع خطابات رنانة عن الوحدة الوطنية” و”الهلال والصليب و”النسيج الواحد” و يتغنى الإعلام بالسلام الذي يعم البلاد، والحب الذي يجمع الشعب مسلمين وأقباط، ورغم كل تلك الكلمات السطحية، التي إن دلت على أمر فهو تفاهة التعامل مع الواقع، وعدم تطوير الدولة ومؤسساتها آليات التعامل مع المشكلات منذ عقود، ففي نفس الوقت الذي نسمع فيه كلمات عن تجديد الخطاب الديني، ونرى احتفالات الوحدة الوطنية، نسمع خطيبا في مسجد يبث الكراهية، ويدعو على اليهود و”النصارى” بالمطلق هكذا، ونجد أحكاما بالسجن، وقضايا ترفع على من يحاول الاقتراب من “الثوابت” التي ترتضيها المؤسسة الدينية الرسمية، بصرف النظر عن رصانة ومنهجية تلك المحاولات من عدمها، ونجد ريح الطائفية المنتنة قد طالت حتى طالبات في بني مزار غضبن من تعيين مديرة مسيحية، فاعتصمن مطالبات بأن ترحل! ونجد ممارسات قمعية ونرصد إرهابا فكريا ضد كل مغرد خارج السرب، وتتفشى تلك الظواهر ليس فقط في مؤسسات الدولة الحكومية والدينية، بل في الإعلام وأهل الفن و”الثقافة” والمجتمع نفسه، كأن واقع الحال يقول: “الأرض بتتكلم سلفي”.. نعم من حيث أردنا أم لا، فمصر أصبحت غارقة في هوة السلفية، مصر بمساجدها وكنائسها وحكومتها وفنانيها وشعبها، يقدسون السلفية من حيث لا تدري أحيانا أنفسهم، فأي مخرج ننشده؟! وأي حل نبحث عنه؟! ونحن لا نريد الاعتراف بأصل المشكلة! وندفن الرأس في الرمال، إما عشقا للفكر السلفي وإيمانا به، وإما طمعا في رضا البترودولار، وإما تأصيلا للسلطوية السياسية التي لطالما أيدتها السلطة الدينية، وضمنت عدم الخروج عليها، وإما جهلا ورجعية!

لذا كان أول ما يجب علينا: أن نعترف بالمرض الذي نعاني منه، ثم نفتح الباب للمتخصصين الناقدين أن يشخصوه، ومن ثم لا يدخرون جهدا في علاجه، نعترف أن قد تم سلب عقولنا، ووقعنا أسرى السلفية، منذ زمن بعيد يسبق زمن البترودولار بقرون، ونرجع إلى تلك الجذور لنتأمل، ونضع تساؤلات بحثية نقدية: متى كانت المشكلة؟ ما الذي حدث للفكر الإسلامي العربي سلب منه طوره النهضوي؟ ماذا أصاب العقل العربي والإسلامي؟ ونشرع في عملية نقد واسعة لذلك العقل المسلوب، الذي في مرحلة ما في تاريخه مارس التفكير الناقد بنسب متفاوتة، لكنها بأي حال أفضل بكثير من ذلك الواقع الذي نعيشه، وذلك السبات العقلي الذي نلحظه!

فلا يمكن أن نأمل أي مستقبل للعلمانية في مصر -ولا العالم العربي- إلا بتفكيك تلك المنظومة ونقدها، ولا يمكن لأي محاولة سياسية علمانية أن تنجح، بمنأى عن الحراك الثقافي التنويري النقدي، أو بعيدا عن حركة إصلاح ديني حقيقية، فإننا نجد في الحياة السياسية ما لا يختلف عن الحياة المجتمعية من إشكاليات، فنجد الأحزاب التي هي بنص الدستور يجب أن تكون علمانية، لأن الدستور يحظر تأسيس أحزاب على أساس ديني، لا تريد –تلك الأحزاب- أن تنسب نفسها للعلمانية، بل وتستعمل كلمات مثل الديموقراطية في نطاق ضيق يشير إلى آليات الديموقراطية، وتتجاهل ثقافة الديموقراطية، وفلسفة الديموقراطية، بل نجد أحزابا وحركات يسارية تتحالف مع الإسلامويين السياسيين، وتشاركهم الهوى في مواطن عديدة، ونجد أحزابا ليبرالية، تداعب مشاعر الناس باستغلال الدين بصورة أو أخرى في السياسة، وذلك ليس يرجع فقط إلى محاولة تفادي العداء مع المجتمع، بل إن كثيرا من أعضاء تلك الحركات والأحزاب هم سلفيو الهوى، تأثرت عقولهم بالفكر السلفي بصورة أو أخرى، لا سيما بعد عودة الإسلاميين لممارسة السياسة في عهد الرئيس الراحل محمد أنور السادات، والانتشار في المساجد والمؤسسات بعد ذلك الوقت، وإن كانت المشكلة جذورها قبل ذلك بكثير.

فالدولة كما السابق تحارب العنف الديني بيد أمنية، وتغذي الأفكار والأيديولوجيات المسببة لذلك العنف باليد الأخرى، مثل المناهج التعليمية، وبعض القوانين القروسطية، وإعلام يغيب الوعي، وإدخال المؤسسات الدينية في السياسة، وقمع المفكرين، والتضييق على الحركات التنويرية، وعدم وضع خطة حقيقية، وبرنامج واضح، وآليات محددة، لما يسمى بتجديد الخطاب الديني، علما بأن الإصلاح الديني هو دور المثقفين المتخصصين في المجال، وما على الدولة إلا أن ترفع يدها عنهم، وتسهل لهم الأدوات.

وإلا بغير ذلك، بغير عملية نقد واسعة للعقل العربي والإسلامي تربط الماضي بالحاضر، وتهدف لمستقبل أفضل، يقوم بها المثقفون، بغير ذلك التفكيك، بغير ترسيخ ثقافة العلمانية، بغير أن يكون هدف التربية الأساسي هو التدريب على التفكير الناقد، بغير إعادة النظر في المناهج التعليمية وطرق التدريس، وبغير الإصلاح الديني، وبغير سن قوانين صارمة ضد نشر الكراهية والطائفية بعد قطع أشواط في التأصيل للمفاهيم الحداثية، فإن مستقبل العلمانية في مصر والعالم العربي هو الفشل والهزيمة.

Print Friendly
This entry was posted in Religious Fundamentalism الآًصولية الدينية, محمد صلاح سليم and tagged , , , , . Bookmark the permalink.