الحياد الجنسي للعلمانية

مؤمن سلاّم  مؤمن سلام

من أثار رفض العلمانية للاعتقاد بامتلاك الحقيقة المطلقة، والاعتقاد بنسبية الحقيقة، هو عدم انحياز العلمانية لأي معتقد أو فكرة أو سلوك أو أيديولوجيا. فالدولة العلمانية محايدة بين المعتقدات والأديان والطوائف والمذاهب ما يعنى رفض سيطرة رجال دين معين على الدولة أو إدارة الدولة وفقا لرؤية عقائدية معينة، فكل العقائد في الدولة العلمانية متساوية لأنه ببساطة لا يوجد معتقد يمتلك الحق المطلق.

فالحقيقة عند دين ما هي أسطورة عند دين أخر، وما تراه هذه الطائفة هو الدين الحق تراه طائفة أخرى من نفس الدين ضلال وخروج عن الدين وهرطقة، وما يعتقد مذهب ما داخل الطائفة أنه الموقف المعبر عن صحيح الدين يراه المذهب الأخر داخل نفس الطائفة أنه انحراف عن صحيح الدين يمثل تطرفا أو تسيبا من وجهة نظرها. ولهذا تقف الدولة العلمانية محايدة بين كل هذه المعتقدات والطوائف والمذاهب، لتظل الدولة ملكا لكل مواطنيها بغض النظر عن معتقد كل مواطن ومواطنة، ليخضع الجميع لقانون واحد يتوافق عليه أغلبية المواطنين دون انتهاك لحريات الأقليات السياسية. إلا أن حياد الدولة العلمانية لا يتوقف عند الحدود الدينية بل يمتد ليشمل كل مجالات الحياة العامة.

فعلى غير ما يدعي الأصوليين أن العلمانية هي دعوة للجنس الجماعي ولكي يمارس كل الرجال الجنس مع كل النساء، تقف العلمانية محايدة بين الميول الجنسية للإنسان. فالممارسات الجنسية للإنسان هي جزء من حرياته الشخصية وتوجهاته الفكرية إن لم تكن جزء من تكوينه البيولوجي والذي لم يحسمه العلم حتى الآن. فحتى الآن لم يحسم العلم ما إذا كانت الميول الجنسية للإنسان ناتجة عن عوامل بيولوجية أم عوامل نفسية أم هو مجرد اختيار للإنسان. ولذلك تظل هذه الميول خاضعة للنسبية، فلا يوجد ما يحسم الأمر ما هو الميل الجنسي الصحيح وغيرة من اختيارات جنسية هو الخطأ. لذلك فالقول بأن العلمانية دعوة للجنس الجماعي هو كلام إنسان إما جاهل لا يعرف معنى العلمانية أو مفترى يريد تشويه العلمانية للحفاظ على سلطاته الدينية التي تحقق له مكاسب مادية واجتماعية.

فالدولة العلمانية لا تنشغل بما يفعله المواطنين في غرف نومهم، فهي لا تهتم بمن يمارس الجنس مع من. لا تهتم إذا كان من يمارس الجنس اثنين أو أكثر، ولا تهتم إذا كان الاثنين متزوجين أم لا، ولا تهتم إذا كان رجلين أو امرأتين أو رجل وامرأة، أو كان الرجل يمارس الجنس مع الرجال والنساء، أو المرأة تمارس الجنس مع النساء والرجال، فكل هذه القضايا لا تشغل الدولة العلمانية في شيء، لذلك فهي لا تجرم سلوك جنسي ما ولا تشجع سلوك جنسي أخر. لأنه ببساطة كل من يمارس الجنس بطريقة ما يعتقد أنها الطريقة الطبيعية لممارسة الجنس والتي تحقق أكبر إشباع جنسي، تماما مثل من يعتقد أن معتقدة يحقق أكبر إشباع روحي، فكلاهما يحكم وفقا لتجربته وإيمانه الشخصي.

فكما أن الدولة العلمانية لا تنشغل بعقائد مواطنيها كذلك لا تنشغل بميولهم الجنسية، ما يشغل الدولة العلمانية هو رفاه المواطنين، فواجب الدولة هو توفير حياة كريمة للمواطنين وليس حياة جنسية قويمة لأنة لا يوجد نموذج واحد للحياة الجنسية القويمة، فالحياة الجنسية القويمة والأخلاقية تختلف باختلاف العقائد والثقافات، والعادات والتقاليد، والأزمنة والأمكنة، فهي أمر نسبي كنسبية العوامل المؤثرة فيها.

لذلك فالدولة العلمانية على عكس الدولة الدينية لا تفتش غرف نوم المواطنين.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Secular Essays مقالات علمانية, مؤمن سلاّم and tagged , , . Bookmark the permalink.