من تديين السياسة إلى تسييس الدين

د. علي مبروك   علي مبروك

يتباين مسار العلاقة بين الدين والسياسة فى الإسلام على النحو الذى يبدو معه أنه إذا كان هذا المسار ينتهى إلى السعى الدءوب الراهن- من جماعات الإسلام السياسي– إلى تسييس الدين، فإن ما يلفت الانتباه هو  ما يبدو من أن نقطة   البدء فى هذا المسار الطويل قد انطوت على السعي،  فى المقابل،   إلى تديين السياسة. إذ يبدو أن تاريخ السلطة ينكشف عن أن بنائها بحسب قاعدة التعالى من الأرض إلى السماء؛ وذلك من حيث يبدأ تاريخ   السلطة فى الإسلام على النحو الذى تبدو فيه شأناً إنسانياً ودنيوياً أرضياً   يخضع لرقابة المجتمع ومحاسبته (بحسب ما أظهرته عبارة أبى بكر:  إن أحسنت فأعينونى وإن أسأت فقوّمونى)، فإنها سرعان ما راحت تحيل نفسها إلى شأنٍ يتعالى على الناس، وينفلت– بالتالي– من أى رقابة   أو محاسبة (وبما ينعكس فى اعتبار عثمان لخلافته قميصاً ألبسه الله له).

وهكذا فإن الرغبة فى تحصين السلطة ضد رقابة الناس وقدرتهم على محاسبتها يبقى هو الأصل  فى السعى  إلى تديين السياسة واعتبارها شأناً علوياً مفارقاً. فحين خاطب أبو بكر مبايعيه: «إن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوِّمونى»، فإنه كان يكشف عن تصوره   للسلطة (الحاكمةكشأنٍ أرضى لابد أن يخضع لرقابة المجتمع (المحكوم)  ومحاسبته؛ وهو التصور الذى يمكن القول، مع التجاوز، أنه قد ساد على مدى حقبة الخلافة الراشدةولعل انفجار ما عُرِفَ– بعد ذلك– بالفتنة ليكشف عن «مجتمع» يرى لنفسه حقاً فى مراقبة ومحاسبة «سلطة» شاءت أن تنزع منه هذا الحق؛ حيث تسجل المصادر القديمة أن ثوران الفتنة قد ارتبط   برفض عثمان ابن عفان لما رآه تدخلاً من الناس فى سلطة ألبسه الله رداءها.  والمعلوم طبعاً أن   الناس قد رفضوا سعى عثمان للتعالى بسلطته إلى السماء   لكى تفلُّت من المحاسبة والرقابة، وأطاحوا بسلطته من غير هوادة أو رحمة.  لكنه يبقى أن ما فعله عثمان من اعتبار سلطته شأناً إلهياً قد أطلق ما   يمكن القول أنه السعى إلى تديين السياسة.

ولعله يلزم التأكيد على أن توازنات القوى داخل قريش كانت– وليس الله– هى الأصل فى اختصاص عثمان بالسلطة من بين أهل الشورى الستة الذين عيَّنهم عمر بعد طعنهومن هنا ما أورده الطبرى من أن اختيار عثمان للخلافة كان شأناًقرشياً؛ وذلك من حيث حسمته عصبية بنى أمية الغالبة داخل قريش لصالح أحد أبنائهاوإذا كان عثمان قد رفض اعتزال الخلافة مُحتجاً بما قال إنه حديث النبي: «يا عثمان إن الله مُقمصك قميصاً فلا تخلعه حتى تلقانى على الحوض»،   فإنه يبدوأن هذا الحديث كان معلوماً له وحده، لأنه لو كان معلوماً لغيره من   الصحابة الذين شهدوا تلك الفتنة لكانوا قد شاركوه الاحتجاج بهذا الحديث   فى مواجهة الخارجين عليه

ولسوء الحظ، فإن قاعدة التعالى من الأرض إلى السماء قد تحكمت فى مسار   التطور فيما يخص الأصول والتصورات، وحتى المؤسسات التى تحققت لها   الهيمنة فى عالم الإسلام.  وهكذا فإنه إذا كان القرآن مثلاً– وهو أصل الأصول– قد تنزَّل من السماء إلى   الأرض  كخطابٍ للناس لكى يتحاورون معه فى سعيهم إلى تغيير عالمهم نحو الأفضل، فإن الأنساق المهيمنة على المسلمين (وهى التى أنشأها الحنابلة والأشاعرة بالذاتسرعان ما راحت ترده إلى السماء عبر التعاطى معه كصفةٍ أزليةٍ لله؛ وبما ترتَّب على ذلك من تحويله إلى أيقونةٍ مقدسة يتبرَّك بها الناس، بدلأن يكون ساحةً مفتوحةً لتفكيرهم على نحو ما كان عليه عند الجيل الأول من المسلمين الذين كان الإمام عليّ بن أبى طالب ينطق بلسانهم، لا شك، حين   مضى إلى إن «القرآن لا ينطق بلسان، وإنما ينطق عنه الإنسان».  وبالطبع فإنه لا مجال لنطق الإنسان عن القرآن إلا بأن يكون موضوعاً لفهمه.

وإذا كان جعل القرآن ساحةً لأفهام الصحابة قد دفع بالبعض منهم (وبالتحديد الفاروق عمرإلى تعليق بعض الأحكام التى نصَّ عليها بعد ما فهموه من أن  الأحكام مُعللةٌ بالمصالح التى تؤديها للناس، وأنها تتوقف عن الاشتغال   مع غياب تلك المصالح، فإن التعالى به إلى فضاء التقديس عند اللاحقين   قد جعل أحدهم (والإشارة تحديداً إلى الداعية الحنبلى أبى أسحاق الحوينى)  يقترح على المسلمين حل مشكلاتهم الاقتصادية عبر إعادة تشغيل ما لا   يمكن أن يقبله العالم المعاصر من أحكام الأسرى والإماء، بذريعة أنها من   المنصوص عليه فى القرآن. إنه التباين بين لحظتين؛ كان القرآن  – فى أولاهماملكاً للبشر بما هو خطابٌ إليهم، بينما تحول– فى اللحظة الثانية–  إلى مفارقٍ مقدس لابد أن يُذعن الناس لأحكامه حتى تلك التى زالت العلل المُنتجة لها، وغابت السياقات التى فرضتها.

وبخصوص السنّة– التى هى الأصل الأكثر مركزية بعد القرآن– فإن التعالى بها إلى السماء قد بدأت مع الإمام الشافعى الذى ارتقى بها إلى مقام الوحى من الله فىنهاية الثانى القرن الثانى الهجري؛ وبما يعنيه ذلك من إن أجيال المسلمين الأوائل قد تعاملت معها بوصفها خطاباً للناس على نحو ما تعاملت مع القرآن.  وهنا يلزم التنويه بأن إصرار الصحابة على الاستفهام من النبى عما إذا ما   يصدر عنه منقولٍ  أو فعل هو من الوحى أو أنه من الرأي، إنما يكشف عن   إدراكهم أن ما يصدرعنه من الرأى هو من قبيل ما يمكن مناقشته أو حتى   الاختلاف معهويُشار هنا إلى ما جرى من مبادرة الصحابة إلى سؤال النبى   الكريم عما إذا كانت الخطة التى اقترحها للدفاع عن المدينة (أثناء غزوة الأحزاب)  هى من الوحى أم أنها من الرأي. وحين أجابهم النبى بأنها من الرأي،   وليس الوحي، فإنهم قد عرضوا عليه خطةً بديلة كان  قبوله لها تأكيداً منه   على أنه ليس كل ما يصدر عنه يكون من الوحي، بل إن فيه من الرأى   الذى يمكن الاختلاف معه.

ليس مطلوباً من المسلمين فى سعيهم إلى تجديد خطابهم الدينى إلا أن يستعيدوا كنوزهم التى تعالى بها المتسلطون إلى السماء.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Islamic Studies إسلاميات, Secular Essays مقالات علمانية, د. علي مبروك and tagged , , , , , . Bookmark the permalink.