يا فضيحتي

جهاد التابعي      مرأة . قوة .علم .سيف العلم           

في مكان ما في العالم تعيش فتاة من نفس عمري تختار أفعالها بنفسها، ولا يحاسبها المجتمع على عدد أنفاسها.

هي الآن تتنزه في أحد الشوارع الهادئة مع حبيبها وتطبع فوق شفتيه قبلة صادقة دون أن تساومها الحياة على ثمن باهظ لهذا الصدق.

ربما يكون الثمن قضية فعل فاضح في الطريق العام.

ربما طلقة رصاص من متشدد يري أنه يطبق حدود الله.

ربما خيانة من حبيبها الذي قد يحتضنها بيد بينما يرفع اليد الأخرى بكاميرة هاتفه.

وربما يصل الثمن لفضيحة على شاشات التلفزيون من مذيعة مريضة بداء العظمة.

هذه الفتاه في الجانب الآخر من العالم لا تفكر في كل هذه المصائب إن تصرفت على طبيعتها، لأنها لا تخشي الفضيحة، وكيف تخشاها، وما تفعله مجرد تصرف شخصي لفتاة عادية، مجرد لحظة خاصة جدا.

لكن ما هي ” الفضيحة”؟ ولماذا يرتبط مفهومها بالجسد أكثر من أي شيء آخر؟ بأي منطق يستطيع المجتمع كله أن يتحكم في جسد خاص بصاحبه فقط؟

لا أخفي سعادتي من جرعة الوعي التي ظهرت مؤخرا لدي المجتمع، وفجرتها قضية فتاة المول، الوعي بأهمية المساحة والحرية الشخصية والخصوصية، والفصل بين الاختيارات الشخصية والحقوق، فأخيرا نبذ المجتمع تصرف المذيعة حينما سمحت لنفسها بالتدخل في خصوصيات فتاه وعرضها وخلطت بين تصرفاتها الشخصية وحقها في الحصول على أمان وحماية ضد التحرش والتعدي.

لكن نفس المجتمع خلط كثيرا من قبل بين الحياة الشخصية لكثير من الفنانين والسياسيين وبين حياتهم العملية وفنهم، نفس المجتمع جلد مئات النساء لأجل تصرفاتهم الشخصية، الكثيرون منا كانوا ” ريهام سعيد” أيضا من قبل.

كنا ريهام سعيد عندما حاسبنا فنانا لأنه تزوج فتاه تحبه وتصغره في السن، ولاحقناهم في أيام شهر العسل الأولي بالسخرية والسخافات.

كنا ريهام سعيد عندما حاسبنا راقصة استعراضية على زواجها السري أو حتى علاقتها الخاصة، بينما لا يحق لنا أصلا سؤالها، فهي لم تدعي الفضيلة وليست داعية دينية حتى لنقول إنها كانت تناقض أقوالها.

كنا ريهام سعيد حينما حاسبنا لاعب كرة على فستان زوجته واتهمناه في رجولته بسبب اختيارات زوجته الشخصية.

كنا ريهام سعيد حينما تبادلنا نشر فيديو لفتيات يرقصن على أنغام هندية وعايرنهن بوزنهن.

كنا ريهام سعيد حينما سخرنا من مدربة رقص شابة تحيي حفل خيري واتهمناها بسوء الخلق فقط لأن فتاه من الحضور سمحت لنفسها أن تسرب فيديو لها وتقتحم مساحتها الشخصية، ولأننا جعلنا من أنفسنا رقباء على تصرفاتها لمجرد أنها كانت تؤدي دور فتاة محافظة في طفولتها في مسلسل تلفزيوني.

كنا ريهام سعيد حينما جلدنا ممثلة على فيديو خاص لها نشره رجل خائن كانت تحبه وهي تقيم معه علاقة خاصة.

كنا ريهام سعيد حينما جلدنا فنانة شابة تحاول تحقيق طموحها في السينما العالمية فقط لأن لديها صديق تحبه وتعلن ذلك بصدق وتشارك جمهورها صور لحظاتهم الجميلة.

كنا ريهام سعيد لوقت طويل، حينما كنا نتبع نظرية ” العجل وقع هاتوا لسكينه”.

كنا ريهام سعيد عندما منحنا أنفسنا الحق في محاسبة أشخاص على تصرفاتهم الخاصة بين أربعة ” حيطان”، تصرفاتهم التي لن تؤذي أحد، ولن تؤثر علي حياة أحد سواهم.

ربطنا الفضيحة بالجسد فقط، بينما الفضيحة الحقيقية هي أن ترشي وتسرق وتقصر في عملك، وتستبيح أجساد النساء في الشوارع دون رغبتهن، وتزور، وتدعي الفضيلة.

الفضيحة هي ألا تتسق مع ذاتك، وقواعدك التي تضعها أنت لنفسك.

آه. نسيت أن أخبرك عزيزي القارئ أن تلك الفتاة في بداية المقال، ليست في دولة متقدمة، وليست في الجانب البعيد من العالم، إنها بمنتهي البساطة أنا.

فأنا وحدي من لي الحق بإدارة حياتي ووضع قواعدي، أنا امرأة عاهدت نفسها أن ترتشف الحياة لآخر قطرة، وألا تعيش في قوالب من الثلج خوفا من ” بعبع” الفضيحة.

أنا امرأة تمتلك جسدها ولا تحتقره ولا تخاف منه.

أنا امرأة تأكل وجبتها المفضلة بنهم ولا يهمها إن تكونت كرة كبيرة خلف خدها أو تلوثت شفتيها بالصلصة.

امرأة تغني فورا ودون تفكير في أي وقت وأي مكان حينما تستمع لأغنيتها الشعبية المفضلة.

امرأة ترقص بلا قواعد وتدمج ” تنطيط الأطفال” بالزومبا والصالصا والتانجو والبلدي ولا يهمني إن كان هناك كاميرا في المكان.

امرأة تحتضن من تحبهم بكل أضلعها في لحظات الحب والخوف والوداع، دون أن تهتم إن كان من حولها محافظين أو من تحبهم خائنين أو منافقين، فقد أخذت جرعتي من الحب والسعادة رغم كل شيء ولن أكون أنا الخاسرة.

أنا باختصار امرأة لا تخشي الفضيحة.

بوابة الفجر

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Isis' Daughters بنات إيزيس and tagged , , , , , . Bookmark the permalink.