عن القضية السورية

راغب الركابي  راغب الركابي

عندما شاهد العالم  تدفق آلآلاف من  اللاجئين السوريين  إلى أوربا،  كان الكثير من هنا و هناك يسألون، إلى متى سوف تبقى معاناة الشعب السوري ؟  وإلى متى سيظل  الجسد السوري ينزف دماً  والبلد يُحطم  ؟، وكيف يمكننا مساعدة الشعب السوري  في  إيجاد حل لمشاكله المتعددة ؟، وفي سُلم الأولويات تكون الإجابة من وحي هذه التراتبية السياسية التي أولها :  كما  قالوا  هو  –  في تشكيل  إتئلاف من الحكومة والمعارضة  الوطنية يكون  قابلاً  للحياة،  و يمكنه التوصل إلى حل عبر الحوار والمفاوضات المباشرة وهذا  الكلام جاء وفقاً  لمقتضيات  جنيف 1  سنة 2012،  جنيف واحد قالت : على أطراف النزاع في سوريا   القيام بتشكيل حكومة إنتقالية  من االحكومة والمعارضة  لكن هذا القول لم يرق للبعض ممن أعترضوا على وجود بشار الأسد  وعلى الدور الذي يمكنه القيام به.

من أجل هذا ومن أجل مصالح أقليمية تعطل جنيف واحد ولم يعمل  مع  إن  أمريكا لم تُمانع بوجود دور ما للأسد في تلك المرحلة، ولذلك  كانت قد سحبت في ذلك الحين شرطها لرحيل الأسد كشرط مسبق للتفاوض، وإيضاً من جانب أخر  لم يكن الرئيس الأسد لم يكن في تلك الفترة مستعدا لمفاوضات حقيقية وجادة نظراً للوضع العام وما يحيط به، وكانت المعارضة آنئذاك  تعيش أحلاماً وردية رفعت معها سقف مطالبها  لتنحي الرئيس، وفي ذلك الوقت أيضاً  كانت القوى الإرهابية تزداد نفوذاً ونمواً مستفيدة من الشحن الطائفي والتسويق الإعلامي والجهد الإقليمي، إضافة إلى القناعة التي  بدت واضحة لدى الدول المعنية في إن المعارضة   الوطنية لا تشكل قوة فعلية على الأرض تستطيع معها فرض شروطها  ومطالبها، مما ساعد  في هيمنة  القوى الإرهابية  المسلحة  على الساحة،  مستفيدة من الدعم الذي حصلت عليه من بعض الدول  من أسلحة وأموال مما زاد في تعقيد الأزمة وصار مفهوم الحل الوسط أعني  – ممتنعاً، لهذا أوصدت هذه القوى مبادرة جنيف واحد من خلال زيادة نسبة المطالب وتصعيدها، وفي ذلك الوقت لم يكن هناك إتجاه واضح من قبل المجتمع الدولي لتشكيل تحالف في ضرب القوى الإرهابية والمتمردة، فتراخت قضية الحشد الدولي أو التحالف الدولي لما كان له من أثر سلبي في معالجة قضية ليبيا وقتل القذافي،  نعم كانت فكرة تشكيل تحالف دولي في هذا الشأن أقل تحدياً نظراً لما أحدثه التحالف ضد القذافي من نهايات غير مطمئنة  بالمرة، وفي ذلك الوقت كانت روسيا تمنع من خلال مجلس الأمن أية إجراءات عسكرية  كان يطالب به البعض لخنق سوريا وحصارها كما فعلوا بالعراق.

وبهذا حفظت موسكو دمشق من السقوط والإنهيار تلافياً لما كان سيحصل، وهذا الموقف من موسكو أثبت نجاعته ومنهجيته ونجاحه بإمتياز، وهذا الموقف الروسي أغضب حلفاء واشنطن السنة  وبدى وكأن هناك تناقضاً  بين واشنطن وموسكو حول مستقبل سوريا، إن ما يثير قلق صُناع السياسة هو في الضمانات الأمنية والإستراتيجية للمنطقة، والأمر المُثار هنا في تلك الزوبعة عن إمتلاك إيران  للقدرات النووية، مع إن الأمر بحسب الواقع لا يتعدى سوى الجوانب الفنية والسلمية،  وفي ذلك الشأن كانت تجرى مفاوضات عسيرة وشاقة، إذن لم يكن ممكناً القبول بجنيف واحد  من دون تهيئة الأرضية الطبيعية والموضوعية لذلك الأمر، هذا إذا أخذنا بنظر الإعتبار موقف الأقليات الدينية والعرقية في سوريا وخوفها من بطش الحركات الإرهابية المسلحة، والتي كانت تهدد كل يوم بذبح المسيحيين والشيعة والعلويين والدروز، كان الهاجس لدى الدولة موجوداً مع فقدان الضمانات  الراسخة،  ويقيناً لم يكن ممكناً توفير ضمانات من دون سلطة الرئيس الأسد فهو القادر على حفظ التوازن وعدم طغيان الأكثرية هذا ما ترآه جميع الأقليات في سوريا،  وهذه المعضلة جعلت من المتشددين التمسك بخيار القتال مع ما يكلف من دمار وقتل معتقدين إنهم بذلك يحققون مايريدون بايديهم، ونسوا إن الشعب والجيش السوري أتخذ خياراً بموقفه مع الحكومة الرسمية، وهذا عنصر مضاف زاد في حنقهم وكرههم للشعب والجيش السوري، أضف إلى ذلك الصراع الطائفي السياسي بين السعودية وإيران مما أربك فرص الحل لدرجة كبيرة،  ولا ننسى دور أردوغان وحلمه في التأسيس للسلطنة وأمبرطوريتها على حساب المتاجرة بالدم السوري ومعاناته، لذلك كان  التوصل إلى حل تفاوضي في سوريا غير ممكن وفرصه ليست كافية.

نعم كان رهان تركيا على الحرب في سوريا ظناً منها  أنها سوف تخسر كل شيء اذا خسروا الحرب، كانت اللعبة السياسية تجري على هذا الأساس ولما فشل حزب أردوغان في الإنتخابات الماضية، وأعتقد إن الغرب كان وراء فشله حضر لعمل هزة في وجدان المجتمعات الغربية من خلال السماح لمخابراته بدفع تلك الموجات من البشر نحو أوربا، كعوامل ضغط تسبق الإنتخابات القادمة لكي يتلهى الغرب بمعاناته الإقتصادية مع ورطة اللاجئين، وهي ورطة في الحقوق في الحاضر وما تشكله من عبء في المستقبل على طبيعة المنظمومة الثقافية والمجتمعية في أوربا، ولهذا أتفقوا على ان يكون دور روسيا أكثر فاعلية من الموقف السياسي ليكون داعماً ومساعداً في العمليات العسكرية، وهي الخطوة التي باركناها وأعتبرناها بمثابة  ضربة الجزاء –  التي وجهت لبعض اللاعبين في المنطقة،  ومن خلالها يمكن العودة أو توسيع دائرة العمل بمقتضيات جنيف واحد،  ومن هنا قدمت روسيا نفسها على انها الدولة الحريصة على بقاء سوريا دولة واحدة موحدة هذا طبعاً بمساعدة إيران والحكومة السورية،  وسوف لانستبق الاحداث لكننا نأمل ان لا نوفر لتركيا نفوذاً في شمال سوريا .

وثانيها :  هو تقسيم سوريا إلى دويلات منزوعة السلاح، كأن يكون للعلويين دولة في الساحل إلى دمشق  بمحاذات الحدود مع لبنان، ودولة للسنة في البادية والمناطق الشرقية، ودولة للأكراد وهذا الذي ترفضه تركيا من رأس، وتقسيم  الحدود الأدارية مما يفقد الجميع الشرعية والقوة.

وثالثها : سوريا المتحدة حيث ستتولى القوات المسلحة مسؤولية الأمن   وإدارة المناطق،  والسؤال هو ما هو الضمان الفعلي الذي من شأنه أن يحفظ هذه الدولة بالفعل ؟، إن التوصل إلى حل للقضية السورية يبدو الآن ممكناً في ظل الإنكسار والتشتت في قدرة القوى الراديكالية المتطرفة، وكذا في رغبة الدول في نهاية الحرب لما تسببه من اضرار ليس على المجتمع والأرض السورية، إنما على الصعيد الدولي وهذا ما نلاحظه من خلال الهجرات الكبيرة التي ستغير الديمغرافيا الوطنية في البلاد الأوربية على المستوى القريب، ولكي نكون واقعيين أكثر في حماية سوريا والعراق والمنطقة العربية  يجب ان يكون هناك شعور بالثقة بين أطراف فاعلة ومؤثرة، إن من الأهمية بمكان التشديد على فتح الحوار المعمق بين دول الأقليم المحيط بسوريا والعراق، فالصراع هناك محصلته الكلية صفر نتيجة للخسائر في الممتلكات والارواح .

 

راغب الركابي

 

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in International Affairs شؤون دولية, راغب الركابى and tagged , , , . Bookmark the permalink.