الرئيس المؤمن والمعارض الملحد

د. خالد منتصر  خالد منتصر

أرسل لى صديق مقطعاً من خطاب السادات قبل حملة الاعتقالات السبتمبرية التى قام بها، وكانت سبباً فى تراكم الغضب من كافة التيارات السياسية عليه وعلى نظامه، إلى أن انتهى الأمر باغتياله على يد المتأسلمين الذين رباهم وسمَّنهم وعلفهم، وكان يظنهم قابلين للتدجين، فإذا بهم ينقلبون نمراً كان ضحيته الأولى السادات نفسه، كانت العبارة الصادمة فى المقطع هى عندما قال: «بتوع حزب التجمع الملحدين قال إيه بيحتفلوا بالمولد النبوى والهجرة.. إلخ»!!

هكذا تسللت إلى قاموسنا السياسى مفردات التكفير السياسى، كانت موجودة قبل السادات، ولكنها فى عهده ترسخت وتضخمت وتبروزت وتحددت واستُخدمت فى التلاسن السياسى والكيد الحزبى، هو الرئيس المؤمن محمد أنور السادات وليس أنور السادات كما كان ينادَى قبل أن يُنَصَّب رئيساً بعد وفاة عبدالناصر، الرئيس المؤمن كبير العيلة لابس الجلباب فى ميت أبوالكوم، المفرج عن الإخوان، المستخدم لهم فى ضرب اليسار والناصريين بنصائح عثمان وتابعه فى جامعة أسيوط. فى مقابل الرئيس المؤمن كان لابد من معارض ملحد، مَن يختلف معه حول التطبيع فهو ملحد، مَن يختلف معه حول الانفتاح فهو كافر، مَن يختلف معه حول الفساد فهو زنديق، وأذكر خطاباً شهيراً له كان يهاجم فيه هيكل وفؤاد سراج الدين، وكان من ضمن نقده لهيكل أنه شاهده فى «الأهرام» فاطراً فى نهار رمضان!!

ما علاقة الخلاف السياسى بالصوم والإفطار والحج؟! هنا دق ناقوس الخطر، وبدأت ثعابين مصطلحات التكفير السياسى تخرج من جحورها لتستقر فى الخطاب السياسى، يعنى «غزوة الصناديق» لم يكن المصطلح الأول فى إطار التلاسن السياسى بين السلفيين والإخوان من ناحية والليبراليين من ناحية أخرى، ولم يكن السلفيون هم الذين اخترعوا تلك النوعية من المصطلحات الوافدة الغريبة على جسد السياسة المصرية، حقوق التأليف والطبع محفوظة للسادات، وعندما منح نفسه الحق فى استخدام وصف الرئيس المؤمن والمعارض الملحد، كان قد منحه فى نفس الوقت للإسلامبولى والزمر وعبد السلام فرج، منحهم الحق فى تكفيره باستخدام نفس المصطلحات التى تنتمى إلى ألف سنة مضت، استخرجها السادات من الكتب الصفراء التى هى مراجعهم فى الأساس، ظن أنه عندما يلعب فى ملعبهم بمصطلحاتهم سيهزمهم، لم يكن يعرف أن ملعب التأسلم السياسى ليس مستطيلاً أخضر، ولكنه مستطيل أحمر من الدم، ملعب لا يعرف إلا اللاعب الواحد، لا يعرف الاحتياطى ولا الوقت الإضافى ولا مباريات العودة ولا نتيجة التعادل، إما أنا أو أنت، وكانت النتيجة هى اغتيال مَن نزل الملعب أولاً وظن أن صفارة الحكم والمدرجات تدعمه فإذا بها تهتف بنفس المصطلحات التى أطلقها، مؤمن وملحد، لا مسؤول ومعارض.

من يومها وماسورة تلك المصطلحات انفتحت علينا وأغرقتنا ولحست نافوخنا ودماغنا ودهست روحنا ووجداننا وسطَّحت عقلنا، بدأنا نسمع «الفئة الباغية»، «المجتمع الجاهلى»، «فسطاط الكفر»، «غزوة الصناديق»، «عودة الخلافة»، «النصرانى»، «الذمى»، «أحفاد القردة»، «الازدراء».. إلخ، للأسف أشعل جذوتها السادات ولم تنطفئ بعد.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Religious Fundamentalism الآًصولية الدينية, د. خالد منتصر and tagged , , , . Bookmark the permalink.