علمانية علمانية لا سنية ولا شيعية

 مؤمن سلاّم مؤمن سلام

هكذا خرج يهتف الشعب العراقي بعد 14 عام من الاقتتال الطائفي وآلاف القتلى والجرحي ومئات المساجد والحسينيات المدمرة، ودولة محتلة من أمريكا وتركيا وإيران والسعودية، واقتصاد مدمر في دولة من المفترض أن تكون من أغنى الدول وأكثرها تقدماً، فهي تمتلك البترول والزراعة والصناعة والقوة البشرية والآثار والحضارة. أخيرا أدرك العراقيون أصل المشكلة وليس أعراضها.

لقد أدركوا أخيرا أن الدمار الاقتصادي والتبعية السياسية والإرهاب كلها أعراض لمرض الطائفية، بل لم يكتفوا بذلك لقد ذهبوا يبحثون عن أصل مرض الطائفية حتى وجدوه، إنها الأصولية أو الحكم الديني أو خلط الدين بالسياسة، التي ولدت الطائفية وبالتالي ولدت الخراب والدمار والاحتلال. فخرج أحفاد حمورابي يهتفون ضد الطائفية بل ومطالبين بالعلاج الناجح لها وهو فصل الدين عن السياسة أو ببساطة العلمانية.

رغم سعادتي أن الشعب العراقي قد وجد الطريق أخيرا، إلا أن هذا يطرح العديد من الأسئلة لعل أولها لماذا نحن سكان الشرق الأوسط لا نتعلم من دروس التاريخ؟

فما توصل له العراقيون بعد 14 سنة من الدم قد توصل له الأوروبيون في معاهدة وستفاليا عام 1648 أي منذ أكثر من 350 عام وبعد حرب طائفية دامت 30 عام لينتهوا لنفس النتيجة فصل الدين عن السياسة، إلا أن العراقيين لم يتعلموا وأصروا على المرور بنفس التجربة مصدقين ما ردده الإسلام السياسي بجناحيه السني والشيعي أن العلمانية كفر وإلحاد وأن العلمانيين هم أعداء الإسلام وعملاء الغرب، فسار الشعب وراء رجال الدين في حروبهم السياسية حتى كانت النتيجة ما نراه الآن، إما استمرار القتل والدمار إلى مالا نهاية أو تقسيم العراق بين الطوائف أو العلمانية. ويبدو أن شعب العراق صاحب الحضارة قد اختار الوحدة الوطنية ووقف القتل والخراب لذلك خرج يطالب بالعلمانية.

العلمانية التي تجعل الدولة محايدة بين كل الأديان والطوائف، دولة لا فضل فيها لمسلم على مسيحي أو مسيحي على مسلم ولا لسني على شيعي ولا لشيعي على سني، دولة يكون الارتقاء والتقدم فيها للأكفأ وليس لأهل الدين أو الطائفة الواحدة، دولة تكون السيادة فيها للقانون وليس لرجل الدين، دولة المواطنة لا الرعية، دولة كل المواطنين من أي أصل وأى دين. عرف العراقيون الحل أخيرا وبدأوا السير نحوه.

السؤال لنا في مصر الآن، بعد أن رفضنا الاستفادة من التجربة الأوروبية وادعينا أن السياق الأوروبي مختلف عن السياق المصري وأن الإسلام يختلف عن المسيحية وأن المسجد يختلف عن الكنيسة، هل سنستفيد من التجربة العراقية ونتحرك مجتمع وسلطة في اتجاه العلمانية، أم سنصر على أن يكون لنا تجربتنا الخاصة فتسيل دماء المصريين ونقتل بعضنا بعض على الهوية الدينية وندمر بلدنا ونحرق أرضنا حتى نخرج بعد سنوات من الدماء نهتف أيضا:

علمانية، علمانية، لا مسيحية ولا إسلامية، الدين في الجامع والكاتدرائية.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Secular Essays مقالات علمانية, مؤمن سلاّم and tagged , , , , . Bookmark the permalink.