نور لا ينطفئ

 د. خالد منتصر خالد منتصر

رحل أكثر ممثلى جيله ثقافة واطلاعاً، رحل نور الشريف، كان أكثر ما يميزه بالفعل هو ثقافته الموسوعية وقراءته فى جميع المجالات مما ساعده على أداء الأدوار المركبة التى كانت تحتوى على أبعاد أخرى أعمق من مجرد التشخيص الظاهرى الاحترافى، بوصلة إحساسه الدرامى كانت فى منتهى الدقة، ودفة اختياراته السينمائية والمسرحية والتليفزيونية كانت مضبوطة دائماً على اتجاه ونبض وهم الناس، كانت لديه قدرة مدهشة على التقاط المواهب وإزالة غبار التجاهل والنسيان واللامبالاة ووضعها فى فاترينة النجومية.

كان جواهرجى النجوم بحق، حتى فى التعاون مع المخرجين كان لديه حدس وجسارة على المغامرة حتى بفلوس إنتاجه مع هؤلاء الشباب، ويكفى عاطف الطيب ومحمد خان كمثالين واضحين بارزين على هذا الحدس وتلك الجسارة، يكفى أن يقتنع فيتحمس فيخوض المغامرة، بصمة نور الشريف على أدواره كانت دوماً تمنح الدور شعار صُنع حصرياً فى مصنع نور الشريف، سواق الأتوبيس الذى صرخ فى وجه الانفتاح، ملحد الإخوة الأعداء القاسى العدمى، مثقف الطبقة الوسطى فى زمن ما قبل الثورة الحائر كمال عبد الجواد استنساخ نجيب محفوظ الروائى، المهروس المطحون فى زمن ما بعد الثورة تحت عجلات الديكتاتورية التى حولته إلى مسخ وشبه إنسان فى الكرنك، ابن رشد الحالم بالتغيير المغرد خارج السرب الذى التهمت أفكاره النار وصنعت النور، يوسف شاهين الحالم بالعالمية المتوتر المحبط من خصام الجوائز العالمية لأفلامه الأولى، الطبيب الرومانسى الحالم العاشق الذى يتحطم شقه على صخرة الموت عندما ينهش حبيبته وحش السرطان اللعين فى حبيبى دائماً، تاجر المخدرات فى العار الذى يحافظ بصرامة على مهمة أبيه وكأنه فى مهمة مقدسة، الصائغ الحالم بالإنجاب والذرية ولو على جثة شخص بسيط سقف طموحه ليلة بهجة مع زوجته فى جرى الوحوش، ناجى العلى رسام الكاريكاتير العائش فى جمر الخطر والواقف على نصل السكين الساخر الباكى الذى اتهم نور الشريف بسبب تجسيده لهذا الدور بالخيانة والعمالة، وتفرغت مؤسسة صحفية قومية كبيرة لمهاجمته واغتياله معنوياً لمدة شهور، شخصيات وشخصيات تحتاج إلى مجلدات ومجلدات وليس مجرد عمود صحفى.

المهم فى نور الشريف أنه كان محدد الهدف وواضح الرؤية منذ بداياته، منذ مسلسل القاهرة والناس مع محمد فاضل وفيلم قصر الشوق مع حسن الإمام، برغم أنه كان على رأس المتفوقين فى معهد الفنون المسرحية وكان ينتظره لقب الدكتور نور إلا أنه أصر على ممارسة ما يحبه لا المفروض عليه، وبرغم أن تلك التجارب الأولى خاصة قصر الشوق هوجمت ولم تظهر مارد التمثيل الحقيقى الكامن بداخله وكانت بعض هذه المشاهد باهتة، إلا أنه كان يعرف أنه حين تحين لحظة الاختيار، أو بالأصح حين يملك قرار الاختيار كنجم، ستتغير الصورة، وحدث وصح فعلاً توقعه، نور الشريف اليتيم الذى اختار الفن أباً وأماً وعائلة وشاطئاً ورحماً هو نجم لمع فى سماء الإبداع المصرى ولن ينطفئ، وهذا هو سحر الفنان الحقيقى.

Print Friendly
This entry was posted in Horus' Sons ابناء حورس, د. خالد منتصر and tagged , , . Bookmark the permalink.