أغلال التاريخ والجغرافيا

عبد الجواد سيد عبد الجواد  عبد الجواد

 كل جغرافيا تنتج ثقافتها الخاصة، ولاتلبث تلك الثقافة أن تصبح تاريخاً يصعب التخلص منه، حتى لو تغيرت الظروف الجغرافية التى نشأت فيها تلك الثقافة أصلاً، ففى العصور القديمة كانت الشعوب التى تعيش فى المناخات الباردة، كالشعوب الأوربية مثلاً، تصنع آلهة للخمر وتقيم لها الإحتفالات السنوية، وهو أمر لم يكن معروفاً لدى الشعوب التى تعيش فى مناخات حارة، حيث لم تكن الخمر حاجة ضرورية، وفى البيئات الزراعية القديمة، كان خروج المرأة إلى الحقول وسفورها أمراً طبيعياً، لإنه كان ضرورياً لمساعدة الزوج فى عمله، بينما لم يكن ذلك ضرورياً فى البيئات الصحراوية والجبلية، التى يعتمد فيها مصدر الحياة الأساسى على الغارة وشن الحرب، وحيث كانت المرأة نقطة ضعف يجب إخفائها لإنها كانت الطرف الذى يتسبب سبيه فى إهانة شرف القبيلة.

وفى نفس السياق الجغرافى، فعندما أراد شعب إسرائيل – مثلاً- أن يكون له إله يحميه، فقد كان من الطبيعى أن يخترع إلهاً حربياً عدوانياً ليحميه من ظلم الإمبراطوريات الشرق أوسطية الكبيرة التى عاش تحت نيرها، وعندما أراد العرب أن ينتقلوا من الوثنية إلى التوحيد على دين جدهم إبراهيم، فقد كان من الطبيعى أن يختاروا ديانة أخيهم موسى الحربية، وليس ديانة أخيهم عيسى السلمية، والتى توافق بيئتهم الصحراوية ونزعتهم القتالية العدوانية، وبشكل أكثر تعبيراً، فعندما أرادت الشعوب الأوربية تصور المسيح، بعدما إعتنقت المسيحية، تصورته فى شكل رجل أوربى أشقر، رغم أنه من المعروف أنه رجل إسرائيلى من الشرق الأوسط، وكان من الطبيعى أن يحمل ملامح شرق أوسطية وليس ملامح أوربية. وهكذا تصنع الجغرافيا التاريخ، وهكذا يتراكم هذا التاريخ فى العقل الجمعى لجماعة بشرية معينة عبر مئات أو ربما آلاف السنين مكوناً ثقافة حديدية ثابته، حتى تتغير تلك الظروف الجغرافية التى نشأت فيها تلك الثقافة، ويصبح ذلك التاريخ غير ملائم للجغرافيا الجديدة، كالإنتقال من حياة القرية إلى حياة المدينة مثلا، وتبدأ تلك الجماعة البشرية فى معاناة التوفيق بين التاريخ والجغرافيا، إما بالإنفصال عن ذلك التاريخ وبدء تاريخ جديد، أو محاولة بعث وإعادة الجغرافيا لتتوافق مع ذلك التاريخ ومكنون عقلها الجمعى!!!

إن معاناة التوفيق تلك يمكن رصدها فى تجربتين إنسانيتين أساسيتين، تجربة الشعوب الأوربية من عصر النهضة حتى عصر الأنوار، أى من القرن الثالث عشر حتى القرن الثامن عشر، حيث إستطاعت، وبفضل التقدم العلمى والفكرى الذى حققته، الإنفصال عن تاريخها المسيحى وبدأ تاريخ جديد بقيم وثقافة إنسانية أعلى، وتجربة الإسلام السياسى، والذى وبسبب حالة التخلف العلمى والفكرى الذى مازال يعيش فيها، فقد قام بفعل العكس، أى محاولة إخضاع التاريخ للجغرافيا وبعث الحالة الجغرافية البدائية الأولى التى توافق تاريخه ومكنون عقله الجمعى – مثلاً-  كإرتداء الحجاب والنقاب والملابس البيضاء القصيرة، إستخدام المسواك، إطلاق اللحى، السكن فى خيام، كما كان يفعل مقاتلو القاعدة فى أفغانستان، وغيرها من مظاهر إجتماعية بدائية إرتبطت ببيئة جغرافية قديمة، غير قادر على إدراك حكمة التطور الإنسانى، بأن الجغرافيا لايمكن أن تعود،وأن التاريخ هو الذى يتقدم!!!

عبد الجواد سيد عبد الجواد

جاكرتا 15/8/2015م

[email protected]om

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Philosophy & Religions فلسفة واديان, عبد الجواد سيد عبد الجواد and tagged , , . Bookmark the permalink.