الفن النضيف

 داليا وصفى  داليا   

كتير بنعجب بصور من الناحية الفنية وتمازج الألوان والإضاءة الرائعة اللي قدر الفنان يضيفها للوحاته بضربات فرشاته الحساسة اللي بتلقط مشاهد بالنسبة لنا عابرة، لكن بالنسبة للفنان الوقت بيثبت فيها لحد ما يطلع لنا اللحظة العابرة دي كأنها الف حكاية وحكاية جوه لقطة واحدة تخليك تتخيل بدايات ونهايات وحوارات لا نهائية حصلت قبل وبعد وأثناء رسم اللوحة.

وساعات اللقطة دي بتكون مجرد خيال.. خيال مر بدماغنا كلنا للحظات ونسيناه أو تناسيناه لأنشغالنا أو إرهاقنا.. أو لضعفنا أدام الخيال.. أو خوفنا من الخيال.. أو خوفنا من الواقع اللي بيوصلنا له الخيال..

الخيال مش دايماً بيكون وردي ومزهزه وبعيد عن الواقع أو هربان منه.. الخيال ساعات بيكون تنبؤ بالواقع القادم مهما كان مرير ومؤلم، ساعتها الخيال بيساعدنا إننا منتفاجئش، بيساعدنا أننا منتفائلش زيادة عن اللزوم علشان منحبطش زيادة عن اللزوم ومنتكسرش لحتت صغيرة أوي منعرفش نجمعها ونلزقها لما تخبطنا الحياه بواقعها الغريب.

الغريب بأه لما نبص لصورة فيها واقع مش غريب.. لكنه واقع على نفوسنا وكاتم أنفاسنا ومخلينا مغمضين علشان منواجهش الألم والعجز وقلة الحيلة، فدا بيخلينا نهرب من الصورة، ونغمض عنينا عنها، ونحط ايدنا على عيون الناس علشان هما كمان ميشوفوهاش، بنخاف أحسن يتأثر، بنخاف أحسن حد يحس، بنخاف أحسن حد يطالب بالتغيير، بنخاف أحسن حد يلاقي مبرر للضعيف والمحروم فيسامحه على ضعفه ويطالب بحق الإنسان في الضعف أدام الضعف والحرمان.

ممكن كلامي مش مفهوم.. لكن لما نبص للصورة دي حتلاقوا كلامي بيتفسر.

دي صورة رسمها فنان.. حقيقي فنان.. لأنه إنسان.. كل اللي مش إنسان شاف صدرها اللي باين وشاف السيجارة في إيدها..

وكل اللي جواه ذرة إنسان شاف النظرة اللي فعينيها وشاف الغضب والقهر واللوم والحزن والضعف كمان.. شاف ضمتها لقبضة ايدها وهي بتتحاول تتمالك نفسها قبل ما تصرخ وتنهار.. قبل ما تشاور على الجناه اللي كانوا السبب.. قبل ما تصرخ وتقول أن سكوتنا كلنا هو السبب..

اللوحة بتتكلم عن إنسان تحت ضغط الظروف وتوحش الدنيا واللي عايشين فيها أضطر يبيع جسمه، لأنه ميملكش غيره..

اللوحة للفنان وليد عبيد

اللوحة للفنان وليد عبيد

وكمان القانون عاقبه.. سحبه عريان ولفه بملاية وحط فإيده كلابشات تقيد حركة إيده جنب قلبه وعقله المتقيدين من زمان، متقيدين بكلام الناس ونظراتهم، متقيدين بالخوف من الجوع والخوف من العجز والمرض، متقيدين بالخوف من الزمن اللي مخبي أسوأ وأسوأ كل يوم عن اللي قبله.

إزاي الفنان ممكن يعبر عن الألم اللي حس بيه كإنسان لألم إنسان تاني بيتعذب أدامه؟ إزاي أي إنسان يقدر أساساً وهو بيعبر عن ألمه أو فرحه أو حزنه أو قرفه أو أي مشاعر تانيه ماشيه جواه زي تيار كهربا أنه يحط قواعد وشروط وقوالب وخطوط ميتخطاهاش؟ أزاي أقول لواحد بيصرخ من الألم وطي صوتك؟ إزاي أقول لواحدة أغمى عليها من الألم غطي رجلك قبل ما تفقدي وعيك؟ إزاي أقول لواحدة فقدت حبيبها أو جوزها أو طفل ليها متشقيش هدومك؟

أقولك إزاي تقدر تقولهم الكلام دا؟ أقولك إزاي تقدر تقولهم ميصحش وعيب؟

لما تكون أنت صنم.. واقف زي الحجر وبجم مش بتحس بالإنسان ولا آلام الإنسان، مش بتشوف غير نظرات وكلام الناس الفارغ وبتنسى ان في حشو من نفس وروح جوا الجسد، وأن الموضوع مش عبارة عن جسد، الموضوع عمره ما كان حتة لحمة..

لما تكون إنسان مش حتشوف الصدر العريان والسيجارة في إيد المتهمة، لما تكون إنسان حتشوف النظرة اللي في عينيها وضمتها لقبضة إيدها وحتعرف أن مش ممكن أبداً تتهم الفنان أنه عريان من الاخلاق والأدب اللي أنت بتنادي بيهم.. أنت اللي شفت صدر عريان وسيجارة بتتشرب في إيدين متكلبشة لأنها مجرمة باعت جسمها.. أنت اللي مشفتش الألم والفكرة والهموم والقضايا المتشعبة في بلد جسم ستاته بيتكشف في العلن أكتر من الخفا بالعيون واللمسات والهمسات والكلمات والضغطات في التكاتك والمشاريع والميكروباصات بالغصب وبالإجبار بإيدين شبابه اللي طار عقلهم من تجهيل وتزوير للأفكار والأديان والتواريخ..

متقوليش الفن النضيف والفن العاري.. مفيش حاجة أسمها فن عاري يقابله فن نضيف، الفن هو الفن.. لكن ممكن تقولي الفن الهادف اللي يتحس ويوصلي أي أحساس ولو حتى مجرد إحساس بالابتسامة على فيلم كوميدي، هو دا الفن النضيف.

لوحات أخرى للفنان وليد عبيد

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in داليا وصفي and tagged , , , , . Bookmark the permalink.