(الحاكم بأمر الله الفاطمي… وافتراءات الدواعش (5 – 5

علي عويس  علي عويس

وجاء في كتاب الأستاذ فؤاد سليم أبو رسلان ” الحاكم بأمر الله” ص 63 عن الحياة الاقتصادية في عهد الحاكم بأمر الله قوله:

 ” شهدت مصر الفاطمية أزمات اقتصادية حادّة بسبب التفاوت الكبير الذي كان يحصل على منسوب مياه النيل، وتعرّضت مصر مرارا لمجاعات كثيرة في حياتها، مما أدّى إلى اختفاء الغلال الزراعية والمواد الغذائية من الأسواق، وفقدان الأمن وانتشار الفوضى. ومن الطبيعي في هذه الأحوال أن تشتد الأزمة في مؤسسات الدولة، إذ لم يكن زمام الأمور في يد قوية، وكانت القاهرة في زمن الحاكم بأمر الله، من أعظم الحواضر في العصر الوسيط وأكثرها ازدهارا وعمرانا. وقد تحدّث عن ازدهارها الرحالة الفارسي ناصر خسرو الذي زارها عام 437 هجري… وكان عدد سكانها يربو على نصف مليون نسمة وكان الحاكم شغوفا بتلك المدينة واشتهر بكثرة تجواله في أحيائها وكان يشرف على مجمل نشاطها وشؤونها وخاصة الناحية التموينية، لمحاربة الاحتكار والتلاعب بالأسعار ومعاقبة المستغلين السماسرة والتجار، ولحماية المجتمع من موجة غلاء مصطنعة، وصون النظم الاقتصادية من عبث المستغلين الذين لا وازع لهم ولا ضمير. هذا ولم ينجُ التجار الجشعين من العقوبات الصارمة. “

ويروى أنه وقع غلاء في زمن الحاكم في مصر، فاستغاث الناس به، فأرسل للتجار في اليوم التالي يدعوهم لأداء فريضة الصلاة في جامع راشدة. فكان إذا وجد في طريق عودته متجرا للحبوب خاليا، ضرب عنق صاحبه، فارتاع التجار من شدة بأس الحاكم وسطوته. وأخرجوا ما اختزنوه من الغلال حتى امتلأت بها الطرقات، ثم استدعاهم الحاكم إلى قصره، وقرر معهم ألاّ يدخروا في بيوتهم ما يفيض عن حاجة كل فرد منهم من المواد التموينية، وحدد أسعار المواد الغذائية. كان من نتيجة تلك التدابير الاقتصادية أن الحاكم حافظ على قوت الشعب ومنع التلاعب بأسعار المواد الغذائية، فعمّ الرخاء وانطفأ وجه التوتر والقلق عن احتكار المواد الغذائية.

إن هذه الإجراءات هي عينها الإجراءات التي تتخذها الحكومات الحديثة خلال الأزمات الاقتصادية، ولم يعالج الحاكم الناحية الاقتصادية بوسائل الرقابة الشديدة فحسب، بل اتبع سياسة نقدية ساعدت على استقرار السوق، ومنعت عملية التلاعب بالعملة والأسعار. وبلغ من سطوته على التجار، أنهم كانوا يتركون أبواب متاجرهم ودكاكينهم مفتوحة ليلا ونهارا، دون أن يفقدوا منها شيئا. وبلغ الحاكم بمنهجه الاقتصادي أعلى المستويات، عندما أقرّ مبدأ توزيع الأرض بمصر على الفلاحين الذين كانوا يعملون بها. ولقد ألغى الكثير من الرسوم، ربما لتخفيف الأعباء عن الصناعة والتجارة، مما يؤدي إلى زيادة نشاطهما وانخفاض أسعار السلع، وهذا دليل ساطع على أن الحاكم كان سابقا لأوانه، لأنه أخذ ببعض مظاهر الحرية الاقتصادية.

ويجمع الرواة أن الحاكم كان جوادا وافر البذل والإحسان طوال عهده، وأنه اصدر عام 1013م نظاما خاصا بالبر والعطايا تُوزع بموجبه الأموال على الفقراء……!

ومع كل ذلك لم ينجوا الحاكم بأمر الله الفاطمي من افتراءات دواعش المؤرخين ولا الدواعش المعاصرين حين يحاول البعض مكرا أن يربط خبالهم ببعض التصرفات التى أشاعها ظلما المغرضين عن الحاكم الذي أسس في مصر دارا للحكمة وعاشت معه مصر أزهى عصورها راحة ونعمه…

فكان الناس آمنين على ما في حوزتهم، و يحضرني في هذا ما ذكر القاضي والمؤرخ المقريزي، الذي ذكر في خططه عن الثري القبطي الأسيوطي أبي المليج، الملقب بمماتي، والذي كان يحوز على كميات ضخمة من القمح، كان يوزعها على فقراء المسلمين أبان انخفاض النيل في عصر المستنصر بالله، و كيف شكر المسلمون صنيعه، و ما ذكر الرحالة ناصر خسرو عن أحد مسيحيي مصر و الذي بلغت ثروته من الغلال حداً كان يكفي لإطعام أهل الفسطاط ست سنوات، و حتى عندما كان يغضب الخلفاء على أحد رعاياهم، أكان مسلم أو مسيحي أو يهودي، فإنهم كانوا يتعففون عن مصادرة ثروته، أو ثروة ورثته، و إن كان حجم جرمه يستلزم القتل

وهذا إن دل فيدل على ما توفر للطوائف الأخرى في المجتمع من مساواة أصلت قيم المواطنة فلا أساس لمعاملة وفقا لهوى ديني أو طائفي…

فمن من الخلفاء و السلاطين، من جلس على حصيرة أبان أي مجاعة مرت بشعبه، مثلما فعل الخليفة الفاطمي المستنصر بالله، أبان المجاعة التي عرفت بالشدة المستنصرية، والتي دامت سبع سنين عجاف ؟؟؟

إذا كان التاريخ في حاجة إلى عقول شريفة… فإن العقول أيضا في حاجة إلى تاريخ نظيف ينقل الحقائق لا المكائد ويكفي خلافة الفاطميين أنها زالت من قصر الحكم ولكنها بقيت في قلب الشعب المصري تعيش أعيادهم ومناسباتهم وأفراحهم وأتراحهم فلا زالت شعوب الخلافة تعيشها وحولها مساجدها التى بقيت تذكر في كل حي آثارها رغم مضى ألف عام على سقوطها لتخرج لنا اليوم من البحر مقابل قيساريه كنوزها أيضا والتي عثر عليها بعض الغواصين الإسرائيليين حينما وضعوا أيديهم في عمق البحر على قرابة 2000 عملة ذهبية بما يقدر بسته كيلو من الذهب الذي صك في عهد الخليفة الحاكم بأمر الله الفاطمي….!!

لقد أصر واقعنا أن يعود بنا إليه ويكشف عنه مظالم وتشويهات وتشوهات رانت على عهد من أرقى العهود التى مرت بمصر فعل فيه الحقد الطائفي ما فعل بغيره من الحقب

فمتى يكف من يلعب بواقعنا عن اللعب بتاريخنا أيضا..؟

Print Friendly
This entry was posted in Egyptian History مصرنا, علي عويس and tagged , , , . Bookmark the permalink.