الفرق بين لغة العلم ولغة العواطف الدينية

 طلعت رضوان   طلعت رضوان

يرى العروبيون أعداء الحضارة المصرية أنّ اللغة العربية هى أول وأقدم لغة فى العالم، ولأنهم يستخدمون الأسلوب العاطفى غير العلمى، فإنهم يُزايدون ويعتبرونها ((لغة الجنة)) وأنّ (آدم) تحدث بها إلى آخر كلامهم الذى لا علاقة له بلغة العلم وخاصة علم اللغويات. 

بينما أجمع علماء المصريات واللغويات على أنّ جدودنا المصريين القدماء هم أول من توصلوا لفن الكتابة بصورته الأولية، برسم رموز الطبيعة مثل الطيور والأزهار كوسيلة للتعبير عن اتصال البشر ببعضهم البعض، فكتب برستد ((.. وزيادة على ما بلغه المصريون القدماء من مبادىء المدنية والرقى، فإنهم نجحوا فى اختراع الكتابة والقراءة. ودلتْ الأبحاث أنهم استعملوا الكتابة منذ نحو خمسة آلاف سنة. وأنّ الخط الهيروغليفى الذى أستعمل فى الوجه البحرى لإجراءات الحكومة والخزانة، لم يُخترع فجأة وقت اعتلاء الملك مينا العرش بل كان مستعملا قبل ذلك بمدة طويلة. ودليلنا على هذا أنّ الخط الهيراتيكى كان مستعملا فى مبدأ الأسرة الأولى، وهو اختزال للخط الهيروغليفى. فلابد إذن أنْ يكون الأخير مستعملا قبل الأسر بزمن طويل)) وذكر دليل آخر هو أنّ جدودنا دأبوا على إحصاء عدد السكان وتدوين كل ما يخص الشئون الحياتية والإدارية والأعمال التجارية والمالية وأضاف ((ولا يُخفى أنّ هذا النظام الإدارى استلزم تدوين كل كبيرة وصغيرة، فلا عجب إذا بلغ الخط الهيروغليفى وقتئذ درجة كبيرة من الدقة. ورغم أنه يحتوى على الحروف المُركبة فهو يحوى أيضًا حروفا هجائية بسيطة. والفضل فى كشف حروف الهجاء يرجع إلى قدماء المصريين الذين توصلوا إلى معرفتها منذ نحو ألفين وخمسمائة سنة قبل سائر الأمم. وثابروا على استعمال الحروف الهيروغليفية المُركبة على الرغم من وجود 24حرفا هجائيًا لذلك الخط ومرور 3500سنة على كشف هذه الحروف.ودوّن أبناء ذاك الوقت بعض المعلومات الطبية والدينية صار لها أثر عظيم فيما بعد. وسجّلوا أحداث تلك العصور فى آخر كل سنة إلى آخر أيام كل ملك. وتم العثور على تلك السجلات مدوّنة على حجر أثرى يُعرف بحجر(بالرمو) نسبة إلى دار بالرمو المحفوظ بها)) 

بعد الكتابة على الحجر انتقل جدودنا إلى مرحلة أخرى هى مرحلة الكتابة على أوراق البردى ووفق تعبير برستد فإنهم ((شقوا أوراق البردى قطعًا مستطيلة ثم لصقوها فكوّنوا بذلك الأدراج المعروفة. فاستعملوا البردى والمداد فى المكاتبات، فكان من أعظم أسباب انتشار الخط الهيروغليفى وسريانه إلى فينيقيا ثم إلى سائر العالم المتمدن فاستعيرتْ منه حروف هجائية. وبعدما كان القوم يُكاتب بعضهم بعضًا بالنقش على الألواح الطينية التى يتراوح وزن كل منها بين ثمانية وعشرة أرطال، ويستعملون الخط المسمارى، أصبحوا يستعملون ورق البردى لخفته وسهولة حفظه. كل هذه الميزات تـُظهر لنا السر فى كثرة توريد الأدراج البردية من مصر إلى فينيقيا فى القرن 12ق.م .. ولما استحال على الفينيقيين كتابة حسابهم بالخط المسمارى، أخذوا يستخدمون الخط المصرى تدريجيًا. وفى القرن 11ق.م كانت فينيقيا تستعمل حروف الهجاء المصرية فى مخطوطاتها بشكل حروف ساكنة، ومن ثم انتشرتْ هذه الحروف إلى اليونان ومنها إلى سائر ممالك أوروبا.. كما اتضح لنا أنّ الخط الذى أستعمل فى كريت قبل الخط اليونانى يحوى آثارًا من الخط المصرى، فثبتَ بذلك انتشار الخط المصرى إلى تلك الجهات)) 

وذكر العالم ت. ج. جيمس أنّ العلماء فى المتحف البريطانى والعلماء الإيطاليين حاولوا انتاج ورق بردى، فاكتشفوا أنّ مشكلة البردى الحالية هى (التبقع) وهو عيب لم يكن موجودًا فى مصر القديمة. أفلح الإيطاليون نسبيًا فى معالجة اللون فى البردى باستخدام تقنيات الغسيل ((وعلى أية حال قد لا تكون التقنيات الحديثة هى التى كانت مستخدمة قديمًا، فالمصريون كانت لهم خبراتهم ومعلوماتهم بما لم يتوفر لنا الآن)) ومن الأمور التى تجعل كل مصرى يشعر بالفخر أنّ كلمات paper الإنجليزية وpapier الفرنسية وpapyros الإغريقية مشتقة من papuro المصرية. مصر اثار تاريخ مرأة

اختلف العلماء حول أسبقية الفينيقية أم السومرية، إلاّ أنهم اتفقوا على أنّ هذه وتلك تضرب بأشكالها دون أسماء حروفها إلى الكتابة المصرية القديمة وبالتحديد الهيروغليفية وهو لفظ يونانى قديم يُفيد الكتابة الإلهية. ولا يزيد هذا اللفظ اليونانى عن التعبير المصرى نقلا حرفيًا وهو(ميدو نوتر) لذا كتب عالم اللغويات سيمون بوتر((كافة الأبجديات فى العالم تنحدر عن أصل واحد، فهذه الأبجديات جميعًا أشتقتْ من الكتابة الصورية المصرية)) وكتب جاردنر ((ظلّ التاريخ المدون فى حكم العدم حتى اكتشف المصريون قبل نهاية حقبة ما قبل الأسر مبدأ الكتابة الصورية)) وذكر المرحوم بيومى قنديل أنّ حرف a فى النسق الأبجدى اللاتينى الذى تـُكتب به لغات حية حديثة منحدر عن حرف الألف اليونانى القديم a عن نظيره الفينيقى a وهذه جميعًا عن الحرف الأول المناظر فى الهيروغليفية ويُمثله الصقر المصرى)) وكتبتْ عالمة المصريات أنـّا رويز أنّ كهنة المعابد فى مصر كانوا يُعرفون باسم (إيمى أونوت) وترجمتها عن الهيروغليفى (مراقبى الساعات) فربما تكون هى أصل كلمة minute وذكر سليم حسن الخطوات التى مرّت بالأبجدية المصرية ((كانت نتيجة هذه الخطوات أن تكوّنتْ أبجدية من 24حرفا ساكنا وهى التى انتهت فيما بعد إلى أرض كنعان وأخذتْ منها الحروف الأبجدية الأوروبية.. فكانت اللغة المصرية أشبه بذيوع اللغة الإنجليزية)) وهو ما اعترفتْ به العالمة نوبلكور التى ذكرت أنّ الفينيقيين قاموا بإعادة تنظيم الكتابة المصرية ((التى اقتبسها الإغريق ونقلوا أشكالها إلينا ثم ظهرتْ ثانية فى أبجديتنا الأوروبية)) وذكر الشاعر حسن طلب فى رسالته للدكتوراه عن أصل الفلسفة أنّ الحروف الهجائية انتقلتْ من مصر إلى الفينيقيين الأمر الذى أقرّ به معظم العلماء.

وهو ما أكده د. سمير يحيى الجمال ((اقتبس الفينيقيون عن المصريين حروفهم الهيروغليفية ونقلوها إلى الدول التى تاجروا معها ولا سيما اليونان الذين اتخذوا حروف كتابتهم بعد تغييرات بسيطة وأخذتها عنهم بعد ذلك بلاد أوروبا)) وكتب د. إسحاق عبيد ((إنّ الفينيقيين (أهل لبنان) نقلوا الحروف الهيروغليفية إلى بلاد اليونان فبلوروا منها الأبجدية. وبدون تزيد أنّ مصر محتْ أمية حوض البحر الأبيض المتوسط)) وجاء فى معجم الحضارة المصرية ((من الأمور الخارقة فى تاريخ اللغات أنْ تحيا اللغة لمدة تقرب من خمسة آلاف سنة، إذْ حقق المصريون هذه المعجزة اللغوية. وظهرت أوائل النصوص حوالى 3100ق.م)) وذكر مارتن برنال أنّ ما بين 20- 25% من الألفاظ اليونانية مشتق من ألفاظ مصرية)) ويغيب عن كثيرين أنّ اسم مصر من التراث العبرى بينما جدودنا اختاروا أكثر من اسم مثل (كيمى) ومنها جاءتْ الكيمياء و(تا- ميرى) أما اسم (قبط) فهو تحوير لكلمة ( هور- كا- بتاح) أى معبد روح الإله بتـّاح التى أصبحت Aigyptos فى اليونانية القديمة ومنها إلى Egypt فى الإنجليزية. 

Print Friendly
This entry was posted in Egyptian History مصرنا, طلعت رضوان and tagged , . Bookmark the permalink.