!ج 7 / من الذرّة إلى الإنسان

قراءة في كتاب سحر الواقع The Magic of Reality رعد الحافظ

عالم البايولوجي البريطاني / د. ريتشارد داوكنز

رعد الحافظ

مقدمة:

أثبتت الحفريّات والبحث العِلمي المُتعلّق بها،أنّ الإنسان العاقل الحديث (الهومو ساپينس) نشأ في أفريقيا قبل حوالي 200 ألف عام!

بعد ذلك غادرت أعداد من البشر إلى آسيا و أورپا .ثمّ من هناك إنتشروا الى باقي أرجاء الكوكب (الأمريكيتين وإستراليا وماشابه)!

هناك رقمين في هذا المجال / بعض العلماء يقول أنّه بعد نشوء الإنسان الحديث في إفريقيا ب 70 ألف عام بدأت الهجرات الى خارج أفريقيا.

بينما البعض الآخر  يقول أنّ الإنتقال حدثَ بعد 140 ألف عام!

لا يهم أيّاً من الرقمين هو الأصحّ .الإستنتاج المهم من ذلك أنّ الإنسان بطبيعته يهوى الإنتقال أوالهجرة،وغالباً بحثاً عن الأنفع والأصلح له!

ذلك الإنتقال سيتبعه بالتأكيد،تغيير (وتطوّر) في طبائع وصفات البشر بدءً من الأكل والنوم،ومروراً بالشكل والمظهر،وإنتهاءً بالثقافة والأديان التي سيعتنقها وما شابه!

لاغرابةَ عندي أن يصبح البشر الذين إستقروا في أوربا (مثلاً),مختلفين في طبائعهم ومزاجهم وأشكالهم وثقافاتهم .وربّما أكثر عملاً وإنتاجيّة من البشر الذين بقوا في أفريقيا .فالظروف ليست واحدة،وأوّلها الجو!

الآن أكمل معكم الجزء السابع في قراءة هذا الكتاب العِلمي .وفيه تلخيص فصل كامل هو الرابع،ويشمل سرد و تذكير بمعلوماتنا العِلميّة العامة من الذرّة الى الإنسان الكامل.

أعتذر مقدّما من القاريء الكريم عن طول هذا المقال العِلمي .لكنّ ذلك كان أقصى إختصار ممكن،ضروري لربط الموضوع وتسلسلهِ!

***

ص 79 / الفصل الرابع ـ ممّ تتكوّن الأشياء؟

لو أخذتَ قطعة لحم  طازجة وبدأتَ بتقطيعها بسكين حاد الى جزئين .

ثمّ أعدتَ الكَرّة مراراً حتى تصل مرحلة لايمكنك أن تقطع الجزء الصغير الأخير / ما أصغر جُزء تُصنَعْ منه الأشياء؟

يتضّح أن جميع الحضارات القديمة في (الصين،الهند،اليونان) توّصلت الى نفس الفكرة تقريباً،بأنّ أيّ شيء يتكوّن من أربعة عناصر هي:

الهواء،الماء،النار،التراب!

لكن أحد اليونانيين القدماء هو (سقراط) إقتربَ الى حدٍ ما من الحقيقة!

فكّر سقراط بالجزء الصغير جداً الناتج عن عملية التقطيع بحيث يتعذّر معه الإستمرار بالتقطيع وحاول تسميتهِ ودراسته!

كلمة تقطيع باليونانيّة هي  tomos،عند وضع حرف a أمام كلمة يونانيّة فإنّ ذلك يؤّدي الى نفيها .

لذلك فإنّ كلمة a-tomic   تعني شيئاً صغيراً للغاية لايُمكن تصغيرهِ أكثر!

من هنا جاءت كلمة ذرّة  atom  .

فذرّة الذهب هي أصغر جزء من الذهب ولو أمكنَ تقطيعها الى جزء أصغر فسوف تفقد خواصها كذهب .وهكذا هو الامر مع الحديد أو أيّ عنصر آخر!

***

ص 82 / أنواع الذرّات!

نحنُ نعرف حالياً أنّ هناك نحو 100 نوع مُختلف من الذرّات .

منها 90 نوع موجودة أصلاً في الطبيعة،أمّا الأنواع الأخرى فقد خلّقها العُلماء في المعمل،إنّما بكميّات ضئيلة!

المواد المتكوّنة من نوع واحد من الذرّات تُسمى العناصر .

(هذه التسميّة تختلف تماماً عن إستخدامها مع:الهواء,الماء,التراب,النار)!

من أمثلة العناصر: الهيدروجين،الاوكسجين،النتروجين،الحديد، النحاس،الذهب،الزئبق،الكربون … الخ

بعض العناصر مثال (الموليبدنيوم) تتميّز بالندرة على كوكب الأرض .

وربّما هذا هو السبب في عدم سماعنا كثيراً عن هذا العنصر الأخير،رغم كونه شائع الوجود في مواضع أخرى في الكون!

***

ص 83 / العناصر والمُركبّات!

المعادن من شاكلة الحديد الرصاص النحاس الذهب الزنك القصدير الزئبق

كلّها عناصر .كذلك الحال مع الغازات كالأوكسجين,الهيدروجين,النيون..

مع ذلك فإنّ معظم المواد التي نراها حولنا هي ليست عناصر بل مُركبّات!

المُركّب هو ما نحصل عليه عندما تنضّم ذرّتان مختلفتان (أوأكثر)،مع بعضهم بطريقة مُعيّنة!

الصيغة الكيميائية مثلاً للماء هي H2O ،بمعنى ذرتين هيدروجين وذرّة أوكسجين واحدة!

أيّ مجموعة من الذرّات تنضّم معاً لتكوين مُركّب .. تُسمى “جُزيء”!

بعض الجزيئات بسيط للغاية كجزيء الماء,الذي يتكوّن من 3 ذرّات فقط

إنّما ثمّة جزيئات أخرى (خاصةً مثل التي في أجسامنا) بها مئات الذرّات

جميعها مُنضمّة معاً بنسق خاص جداً!

في الواقع فإنّ طريقة إنضمام الذرّات لبعضها،فضلاً عن نوعها وعددها

هو ما يجعل من جُزيء معيّن (مركبّاً بالتحديد)،وليس غيرهِ!

يمكننا أيضاً أن نستخدم كلمة (جزيء) لنصف مانحصل عليه عندما تنضّم ذرّتان او أكثر (من نفس النوع)،لبعضها بعضاً .

مثلاً الأوكسجين الذي نتنفسه يتكوّن من ذرتي أوكسجين مُلتحمتين O2

وأحياناً تنضم 3 ذرّات معاً من الأوكسجين لتُشكّل نوع آخر من الجُزيئات يُسمى الأوزون يعني O3 .

بالطبع تغيّر عدد الذرّات في الجزيء يُنتج في الواقع شيئاً مُختلفاً،رغم أنّ جميع الذرّات هي من نوع واحد, يعني  O2 يختلف عن  O3 !

بدليل يستحيل التنفس بدون الأوكسجين  O2 ،بينما الأوزون  O3 ضار بالتنفس .لكنّنا نستفيد من الاوزون (بطبقة منه) في الغلاف الجوي العلوي للكرة الأرضية التي تحمينا من أشعة الشمس الاكثر دماراً .

بحيث أحد أسباب حذر (الأستراليين خاصةً) من حمامات الشمس هو وجود ثقب في طبقة الاوزون في أقصى الجنوب!

***

ص 84 / البلورات،الذرّات في موكب إستعراضي!

بلّورةُ الماس عبارة عن جزيء ضخم ليس لها حجماً ثابتاً .تتكوّن من ملايين الذرّات من عنصر الكربون الملتحمة معاً،كلّها مُصطفة بطريقة خاصة جداً .بينها فراغات منتظمة للغاية داخل البلّورة,ربّما تشبه الجنود في موكب عسكري ماعدا أنّها تصطف في ثلاثة أبعاد مثل سربٍ للأسماك

لكن عدد الأسماك في هذه الحالة (أو عدد ذرّات الكربون في أصغر بلورة ماس) هو عدد رهيب جداً،أكبر من كلّ الأسماك،مضافاً إليها جميع الناس في العالَم!

هذه البلورات لاتتكوّن من ذرّات صلبة (فقط) من الكربون (مُلتحمة معاً) .

في الواقع تتكوّن معظم المواد الصلبة من فراغ خالٍ,وهذا يقتضي التفسير.

***

بناء البلّورات!

تنبني البلورات بنفس طريقة الجنود (في إستعراض عسكري)!

حيث تنتظم الذرات في مواضع وفق نموذج مُحدّد يعطي البلّورة بكاملها الشكل الذي تكون عليه .ذلك مانقصده بالبلورة!

يستطيع بعض الجنود (الإصطفاف في موكب) بأكثر من طريقة،بما يُسفِر عن بلّورات بالغة الإختلاف .فإذا إصطّفت ذرات الكربون بنسقٍ معيّن ستصنع بلّورات الماس الصلبة الشهيرة!

إنّما لو تبنّت تشكيلاً آخر لتمخضّت عن بلورات الجرافيت،تلك بالغة الليونة التي تُستخدم في تزييت المُعدّات!

نحنُ نُفكّر في البلّورات على أنّها أشياء شفّافة جميلة .حتى أنّنا نصف الماء النقي بأنّهُ (صافٍ كالبلّور)!

لكن البلّورات في الواقع هي مصدر تصنيع معظم المواد الصلبة .ومعظم تلك المواد تكون غير شفافة!

فكتلة الحديد تتكوّن من قدرٍ هائل من البلّورات الدقيقة المُلتحمة معاً،

تتركب كلّ بلّورة منها من ملايين ذرّات الحديد مرصوصة في (موكب).

شأنها في ذلك شأن ذرّات الكربون في بلّورة الماس .كذلك الرصاص،

الألمنيوم,الذهب,النحاس,وأيضاً الصخور كالغرانيت أو الحجر الرملي!

***

ص 85 / حقائق علميّة بسيطة!

الرمال مواد متبلورة أيضاً .في الواقع الكثير من حبّات الرمل هي مجرّد قطع صغيرة من الصخر إستوت في مكانها بفعل المياه والرياح!

نفس الأمر ينطبق على الطين بإضافة الماء أو سوائلَ أخرى .

غالباً تلتحم حُبيبات الرمل والطين معاً لتكوّن صخوراً رسوبيّة .

الرمال في الحجر الرملي تتكوّن غالباً من الكوارتز والفلسبار،وهما بلورتان شائعتان في القشرة الأرضية .

بينما الحجر الجيري (مثل الطباشير) يتكوّن من كربونات الكالسيوم .

وهذا يأتي من الهياكل العظمية الكلسيّة المدفونة في الأرض والأصداف البحرية بما فيها أصداف الكائنات الدقيقة وحيدة الخليّة المُسماة forams

فإذا رأيتَ شاطئاً شديدَ البياض،فهذا يعني أنّ رمالهِ غالباً هي كربونات الكالسيوم التي وصلت من نفس مصدر الأصداف!

أحياناً تكون البلّورات مصنوعة بكاملها من نفس ذرّات العنصر الواحد .

مثل الماس،الذهب،النحاس،الحديد .

لكن ثمّة أنواع أخرى من البلّورات تتكوّن من نوعين مختلفين من الذرّات

كملح الطعام (كلوريد الصوديوم) الذي يتكوّن من ذرّات صوديوم وكلور.

وهي هنا لا تُسمى ذرّات بل أيونات (كونها تحمل شحنة موجبة او سالبة)!

كلّ أيون صوديوم تحيط به ستة أيونات كلور في أوضاع مُتعامدة على بعضها (من الامام والخلف واليمين واليسار والأعلى والأسفل) .

كذلك كلّ أيون كلور محاط بأيونات الصوديوم بنفس الطريقة!

هذا الترتيب البلوري بأكمله يتكوّن من مربعات .لذا لو نظرنا الى الملح عبر عدسات قوية سنجد شكل المكعب (الذي هو مُربّع ثلاثي الأبعاد)!

هناك بلورات عديدة أخرى (عدا ملح الطعام) تحوي أكثر من نوع من الذرّات (مصطفّة في المركّب) كثير منها في الصخور والرمال والتربة!

***

ص 86 / طريقة حركة الجُزيئات ـ (الصلب، السائل، الغاز)!

البلّورات مواد صلبة .لكن ليس كلّ شيء في الطبييعة صلب .فهناك أيضاً السوائل والغازات!

في أيّ غاز لا تلتصق الجُزيئات معاً كما يحدث في البلّورة،إنّما تتحرّك بحُريّة في الفراغات المُتاحة لها،مُتنقّلةً في خطوط مستقيمة مثلَ كُرات البلياردو (لكن في 3 أبعاد وليس بُعدين كما يحدث على طاولة مستوية)!

هي تتحرّك حتى تصطدم بشيءٍ ما وليكن جزيء آخر،أو جدران الإناء الذي يحويها .عندها ترتد عائدةً مرّة أخرى مثل كُرات البلياردو!

يمكن للغازات أن تنضغط كثيراً،لتبيّن أنّ هناك ثمّة فراغات كبيرة بين الجزيئات والذرّات .وهذا يمكن ملاحظته عند وضع إصبعكَ على طرف منفاخ هواء الدراجات .هذه المرونة التي شعرتَ بها تُسمى الضغط!

***

ص 87 / الضغط!

الضغط هو تأثير كلّ ملايين جُزيئات الهواء (الذي هو خليط من النتروجين والأوكسجين وقليل من الغازات الاخرى)،الموجودة في المضخّة التي تقاوم عملية الدفع!

مع زيادة الضغط يزداد معدّل تدافع جزيئات الغاز .يحدث ذلك لو وضعنا نفس عدد الجزيئات في حجم أصغر،أو رفعنا درجة الحرارة!

يتشابه السائل مع الغاز في أنّ جزيئاته تتحرّك من موضع لآخر “تتدفق”

وهذا هو سبب تسمية الغازات والسوائل بـ (الموائع) .

لكن جزيئات السوائل تبقى عموماً أقرب لبعضها ممّا في الغازات!

بحيث لو أخذنا إنائين متساويين بالحجم,فوضعنا في الأوّل كميّة من غاز وضعنا في الثاني كميّة مماثلة من سائل .سنجد أنّ جزيئات الغاز تنتشر تدريجيّاً لتملأ جميع الإناء،بينما السائل سيحتفظ بحجمٍ ثابت (تقريباً)!

وتعبير (تقريباً) نقوله لأجل الدقّة العِلمية لأنّ الجزيئات لابُد وأن تتحرك! حتى في المواد الصلبة تقوم الجزيئات بنوع من الإهتزاز الطبيعي (يزداد مع إرتفاع درجة الحرارة) .لكنّها بالطبع لاتتحرّك بدرجة كافية من موضعها في (موكب البلّورة)،بما يؤثّر على شكلها .

***

ص 88 / تغييّر حالة المادة!

أحياناً يكون السائل لزج مثل الدبس أو العسل .مثل تلك السوائل تنساب ببطء حسب لزوجتها .وأحياناً لشدّة بطيء الإنسياب تبدو كمواد صلبة!

الصلب،السائل،الغاز/ هي الأسماء التي نطلقها على الأطوار الثلاثة الشائعة من المادة! وكثير من المواد لها القُدرة على إتخاذ الأطوار الثلاثة عند درجات حرارة مختلفة، أبسط مثال هو الماء في حالاته الثلاث!

على كوكب الارض يُصنّف (الميثان) ضمن الغازات .وغالباً يُسمى غاز المستنقعات،كونه يخرج بشكل فقاعات من المستنقعات .وعندما يشتعل نراه مثل شبح غامض (وهج مستنقعي)!

لكن على كوكب زُحَل (هائل الحجم وشديد البرودة) نجد بُحيرات من الميثان السائل على القمر (تيتان) التابع لزُحَل!

وإذا إنخفضت الحرارة أكثر من ذلك على أيّ كوكب فقد تتكوّن صخور من الميثان المُتجمّد!

ونحنُ نُفكّر بالزئبق على أنّهُ سائل،لكن ذلك فقط في درجة الحرارة العادية على كوكب الإرض .فهو فلّز صلب لو وُضع في القطب الشمالي مثلاً!

والحديد صلب في درجة الحرارة العادية،لكنّه سيصبح سائل لو سخنّاه الى درجات حرارة عالية .وتلك في الواقع حالته حول المركز العميق للكرة الارضية،حيث يوجد بحر من سائل الحديد مختلط بالنيكل السائل!

وفي حدود معلوماتي ربّما توجد كواكب بالغة السخونة فيها مُحيطات من الحديد السائل على سطحها،وربّما تعوم فيها مخلوقات غريبة (تشبه وصف جهنّم الحمراء في بعض الديانات)،رغم كوني أشكّ في ذلك!

ومن خلال المعايير التي لدينا فنقطة تجمّد الحديد أكثر سخونة،بينما نقطة تجمّد الزئبق أشّد برودة (لذلك نستخدمه في مقياس الحرارة) .

مع ذلك يصبح كلاهما غازاً،عند تسخينه الى درجة حرارة مناسبة!

***

ص 89 / داخل الذرّة!

سبق القول أنّ الذرّة هي أصغر جزء من المادة،لايمكن تقسيمها أكثر!

فذرة الرصاص مثلاً هي أصغر ما يستحق تسميته رصاص .ولو قمنا بتقسيم تلك الذرة فلن نحصل على رصاص،بل سيكون شيء آخر مختلف لأسباب سنعرفها حالاً .

أهمّ من ذلك أنّ عملية تقسيم الذرّة إجراء بالغ الصعوبة،تنطلق من خلاله كميّة من الطاقة مُنذرة بالخطر .وهذا هو سبب تطيّر بعض الناس لمجرّد سماعهم تعبير (تقسيم الذرّة) إذ يعتبرونه نذيراً للشرّ .ولقد جرى أوّل تقسيم للذرة عام 1919 على يد العالِم النيوزلندي (إرنست رذرفورد)

على الرغم من كوننا لا نستطيع رؤية الذرّة (حتى بواسطة ميكروسكوب قوي)،وعلى الرغم من عدم قدرتنا على تقسيمها دون تحويلها لشيء آخر لكن هذا لايعني أنّنا لا نستطيع إكتشاف ماهيّة داخلها!

وكما أوضحنا في الفصل الاوّل،فإنّ العُلماء عندما لايستطيعون رؤية  شيء مباشرةً،فإنّهم يفترضون نموذج عمّا ينبغي أن يكون عليه!

ثمّ يقومون بإختبار ذلك النموذج .

فالنموذج العِلمي هو وسيلة للتفكير حول الكيفيّة التي ينبغي أن تكون عليها الأشياء!

يمكن للنموذج أن يبدو مماثلاً لخيال مُحلّق،لكنّه ليس مجرّد خيال فحسب!

والعُلماء لايتوّقفون عند حدّ إفتراض النموذج،بل يواصلون إختبارهِ قائلين (لو كان هذا النموذج صحيحاً فمن المفترض أن نرى كذا وكذا على أرض الواقع) .والنموذج الناجح هو الذي تتطابق جميع نتائجه مع التنبؤات!

***  نظرية التطور

ص 90 / المنهج العِلمي!

أحياناً لا تأتي نتائج إختبارات (النموذج) مطابقة للتنبؤّات .فيعود العُلماء لتعديل النموذج،أو ربّما يفكرون بنموذج آخر جديد ويقومون بإختباره!

النموذج الجديد سيكون بداية جديدة وهذا ما نسميه بـ ((المنهج العِلمي))!

بالطبع طريقة المنهج العِلمي تمتلك فرصاً أكثر بكثير في الوصول الى مُبتغاها (في تحديد ماهيّة الأشياء)،مقارنةً بمعظم الأساطير الخياليّة المُخترعة لتفسير ما لم يفهمهُ الناس عبر طريق الأديان!

أحد النماذِج الأولى للذرّة هو المُسمى (كعكة الزبيب) currant bun

الذي إفترضهُ في نهاية القرن الـ19 الفيزيائي الإنكليزي الكبير/ جي جي تومسون (لا أنتوي تقديم وصف له كون نموذج رذرفورد الأكثر نجاحاً قد حلّ محلهُ)!

إرنست رذرفورد هو نفسه الذي قام بتقسيم الذرّة،وجاءَ أصلاً من نيوزلندة الى إنكلترا ليصبح طالباً لدى تومسون،الذي سبقه الى منصب بروفيسور الفيزياء في كامبرج .

***

ص 91 / نموذج بلّورة الألماس!

نموذج رذرفورد (الذي طوّره فيما بعد تلميذه الفيزيائي الدانماركي الشهير نيلز بوهر)،يُعالج الذرّة بإعتبارها نظاماً شمسيّاً ضئيلاً مُنمناً!

ففي قلب الذرّة هناك النواة التي تحوي الجزء الأكبر من مادة الذرّة!

كما توجد جسيمات دقيقة تُسمّى الإلكترونات،تنطلق بسرعة فائقة حول النواة في مدار (رغم أنّ تعبير “مدار” سيكون خادعاً لو فكّرت فيه مثل كويكب يدور حول الشمس،لأنّ الإلكترون ليس شيئاً صغيراً مُستديراً يوجد في مكان مُحدّد)!

من الأمور المُدهِشة في نموذج (رذرفورد ـ بوهر) أنّ المسافة بين كلّ نواة والتالية لها كبيرة جداً،مقارنةً بحجم النواة نفسها!

حتى في كتلة صلبة من مادة متماسكة مثل (ألماس)،فالفراغات هائلة بين النويّات .وهذه هي النقطة التي وعدتُ بالعودةِ أليها!

قلنا انّ بلّورة الماس هي جُزيء هائل الحجم مكوّن من ذرّات الكربون مثل جنودٍ في (موكب) أوعرضٍ عسكري،لكنّهُ موكب ثلاثي الأبعاد!

حسناً،الآن سنطوّر نموذجنا (لبلّورة الماس) بإعطائه مقياساً .أي إحساس بكيفيّة إرتباط المسافات والحجوم ببعضها .

لنفترض أنّنا نُمثّل نواة كلّ ذرّة كربون (ليس بجندي) إنّما بكرة قدم لديها إلكترونات في مدار حولها .حسب هذا المقياس ستكون الكرات المتجاورة (نويّات الألماس) على أبعاد تفوق الـ 15 كم إحداها عن الأخرى!

في مسافة الـ 15 كم هذه (بين النويّات)،ستتواجد الإلكترونات في مدار مُحيط بالنويّات!

وحسب هذا المقياس أيضاً سيكون كلّ إلكترون أصغر من أصغر بعوضة معروفة،مقارنةً بكرة القدم (التي تمثّل النواة) .بالتالي نستطيع أن نرى (ويا للغرابة!) أنّهُ حتى الألماس الصلب الإسطوري،هو فضاء فارغ تقريباً بالكامل!

***

ص 92 / تطبيق النموذج السابق على البشر وباقي الأحياء!

يتحقّق نفس الأمر الذي شرحناه (في الألماس)،في جميع الصخور مهما كانت قوتها وصلابتها .ويتحقّق في الحديد والرصاص كما يتحقق في أكثر الأخشاب صلابةً .وأكثر من ذلك أنّهُ يتحقّق تماماً معكَ ومعي!

قلنا أنّ المادة الصلبة مكوّنة من ذرّات (مربوطة) معاً .لكن تعبير مربوطة هو شيء غريب هنا يحتاج توضيح،لأنّ الذرّات نفسها هي فضاء خالٍ على الأغلب والمسافات بين النويّات سحيقة للغاية!

لو إفترضنا أنّ أيّ صخرة عبارة عن فضاء خالٍ تقريباً،والمادة الفعليّة بها هي نقاط متناثرة مثل كرات قدم تفصلها عدّة كيلومترات عن جاراتها،

فكيف لها أن تكون بهذه الصلابة والقوّة؟ ولماذا لاتنهار كمنزل من ورق الكارتون عندما تجلس عليه؟ لماذا لانستطيع أن نُدرِك حقيقتها؟

فإذا كان كلّ من الجدار وأنا مجرّد فضاء خالٍ تقريباً،فلماذا لا أستطيع المرور من خلال الجدار مباشرةً؟ لماذا تكون الجدران والصخور بهذه الصلابة،ولماذا لا نستطيع دمج فراغنا مع فراغاتها؟

ينبغي هنا التأكيد على أنّ مانحسّهُ ونراه على أنّه مادة صلبة،هو في الواقع شيء أكثر من مجرّد ذرّات ونويّات!

هنا يتحدّث العُلماء عن “القوى” و “الروابط” و “المجالات” التي تُمارِس تأثيرها بطرقٍ مختلفة،سواءً لتظّل النويّات (كرات القدم) متباعدة عن بعضها بعضاً،أو لتستمر مكوّنات كلّ نواة باقيّة معاً!

تلك القوى والروابط والمجالات هي التي تعطي الشعور بصلابة الأشياء!

 في الواقع عندما نصل الى أعماق الأشياء الصغيرة كالذرّات والنويّات،

يبدأ التمييز بين “المادة” و”الفضاء الخالي” في فقدِ معناه!

فليس من الصواب واقعيّاً القول أنّ النواة شيء مادي مثل كرة القدم،وأنّ هناك فضاءً خالياً حتى تصل الى النواة التالية!

نحنُ نُعرّف المادة الصلبة على أنّها “ما لا نستطيع المرور من خلالها”

فأنتَ لاتستطيع المرور من خلال جدار بسبب تلك القوى الغامضة التي تربط النويّات بجاراتها في وضعٍ ثابت،ذلك هو معنى الصلابة!

***

ص 93 / السوائل!

للسوائل معنى مُشابه نوعاً ما،فيما عدا أنّ تلك المجالات والقوى الغامضة التي تربط بين الذرّات تكون أقلّ شدّة .حتى أنّها تنزلق فوق بعضها بعضاً بحيث أنتَ تسطيع السير خلال الماء،لكن بالطبع ليس بنفس السرعة التي تسير فيها خلال الهواء!

فالهواء يتكوّن من خليط من الغازات،وذرّات أيّ غاز منها تتحرّك بحرية بدرجة تفوق قوّة إرتباط تلك الذرات ببعضها بعضاً!

لكن سيصبح السير خلال الغاز (أو الهواء في هذه الحالة) صعباً لو كانت جميع ذرّاته تتحرك بإتجاه واحد مُعاكس لحركتنا .وهذا هو معنى الرياح!

وسيكون السير مستحيلاً مقابل عاصفة صناعيّة تنطلق من محرّك نفّاث!

صحيح أنّنا لانستطيع المرور داخل مادة صلبة،لكن بعض الجُسيمات الصغيرة جداً (كالفوتونات) يمكنها أن تنفذ من بعض المواد الصلبة الشفّافة

وحتى بعض الصخور (الكوارتز مثلاً) تُمرّر جزء من الفوتونات .لكن أغلب الصخور ليست شفافة وليس بمقدور الفوتونات المرور من خلالها!

وبدلاً من تمرير الفوتونات (وإعتماداً على لون الصخر) فإمّا أنّ الصخر يمتّص الفوتونات (وهذا هو الأغلب)،أو تنعكس على سطحهِ!

هناك مواد صلبة مُعيّنة تعكس مسار جميع الفوتونات الساقطة عليها في خطوط مستقيمة،لها طبيعة خاصة جداً هي التي نٌسميها (المرايا)!

بينما المواد الصلبة التي تمتص جزء من الفوتونات وتعكس الباقي بطريقة مشتتة،نُسميها المواد المُعتمة!هذه سيكون لها لون مُعيّن يعتمد على نوعيّة الفوتونات التي تمتصها والأنواع التي تعكسها!

***

ملاحظة من كاتب السطور:

في الصفحات اللاحقة يتحدّث مؤلف الكتاب بالتفصيل المُمّل عن أصغر شيء في المادة وهو الذرّة .ثمّ يدخل داخل الذرة ليتحدّث عن النواة التي تحتوي بدورها على جسيمات أصغر تُسمى البروتونات (موجبة الشحنة) والنيوترونات (متعادلة)،كلاهما بنفس الحجم وصغيرة الى أبعد درجة!

ثم ينتقل للحديث عن الإلكترونات التي تدور في مدارات حول النواة ولها شحنة كهربائية سالبة (عكس شحنة البروتونات)!

ثمّ يتحدّث عن كتلة الذرّة وهي شيء شبيه بالوزن لكن ليس هو بالضبط!

وأنّ كتلة أيّ جسم تعتمد غالباً على ما لديه من بروتونات ونيوترونات!

ثمّ يتكلّم عن (العدد الذرّي)،الذي يمثل عدد البروتونات (أو الإلكترونات) التي يمتلكها أيّ عنصر .بحيث يمكننا معرفة العنصر ليس من خلال إسمه فقط،إنّما من خلال ذكر عدده الذرّي أيضاً!

يعطي أمثلة عن العناصر في جدولها الدوري المُرتّبة حسب  العدد الذرّي.

ويصل الى الكربون رقم 6،والرصاص رقم 82 في الجدول الدوري!

ثمّ يعود للحديث عن تجزئة العنصر الى أصغر شيء ممكن الذي هو الذرّة وكيف لو قسّمنا ذرّة الرصاص مثلاً التي تحوي 82 بروتون،الى جزئين فسوف يتوقف عن كونه رصاصاً،لأنّ خواصه وصفاته ستختلف!

أخيراً يصل الى الحديث عن الكربون نفسه لعلاقتهِ بتكوين العضويّات!

***

ص 96 / النظائر!

الكثير من العناصر لها نُسَخ مُتعدّدة تُسمّى النظائر!

هذه لها نفس العدد من البروتونات،إنّما عدد مختلف من (النيوترونات)!

كمثال على ذلك:هناك 3 نظائر للكربون هي: كربون 12 / كربون 13 / كربون 14 .وهذه الاعداد تشير الى كتلة الذرّة،التي هي مجموع كتلتي البروتونات والنيوترونات!

في كلّ واحدة من ذرّات (النظائر) أعلاه،ستة بروتونات .

لكن في الأوّلى 6 نيوترون،وفي الثانية 7،بينما في الثالثة  8 نيوترونات.

بعض النظائر (مثلاً الكربون 14) له نشاط إشعاعي،مايعني أنّها تتحوّل الى عناصر أخرى بمُعدّل يمكن التنبّؤ به،رغم عدم إمكانية التنبّؤ بلحظة حدوثه .ويَستخدم العُلماء  تلك الخاصيّة في حساب أعمار الحفريّات!

ويُستخدم (الكربون 14) بالذات في تحديد أعمار الحفريّات الأحدث عُمراً كما في حالة السُفن الخشبة القديمة!

حسناً:هل إنتهى الآن موضوع تجزئة الأشياء الى أصغر مايُمكن بالحديث عن الجسيمات الثلاثة:الإلكترونات,البروتونات,النيوترونات؟ ج: أبداً!

فهناك داخل البروتونات والنيوترونات أشياء أصغر إسمها (الكواركات)!

وسوف لن أتناولها بالشرحِ والتوضيح .ليس لإعتقادي بأنّكَ لن تفهمها .إنّما لكوني أنا شخصيّاً لم أفهمها .وعلى الإنسان الإعتراف بما لايفهمه!

لكن هذا لايعني أنّنا لن نفهمها مستقبلاً أيضاً . فالعلماء يعملون عليها بكلّ الأمل في تحقيق النجاح،حسب الطريقة العِلميّة في صبرها اللامحدود!

***

ص 97 / الكربون ثقّالة الحياة (والإنسان)!

[أظنّ الثّقالة هي ما يُثقّل به الشيء ليستقر مكانهِ،ثقّالة الورق مثلاً]!

تتسّم جميع العناصر بخصوصيتها في مساراتها المُختلفة .

لكن هناك عنصر واحد فقط هو (الكربون) شديد الخصوصيّة،سننهي هذا الفصل بالحديث عنه بإختصار!

تختّص كيمياء الكربون بإسم يُميّزها عن باقي العناصر جميعاً،هو الكيمياء العضوية!

بينما جميع العناصر الاُخرى تندرج تحت إسم الكيمياء غير العضوية!

والسؤال بالتالي هو: ما هذا الشيء الخاص جداً لدى الكربون؟

ذرّات الكربون ترتبط بذرّات الكربون الأخرى لتُشكّل سلاسل!

فالمُركّب الكيميائي المعروف بإسم (الأوكتان) وهو من مكوّنات البترول

هو أقرب الى سلسلة قصيرة من ثماني ذرّات كربون مرتبطة معها ذرّات هيدروجين (حولها في الجوانب)!

الأمر المُدهش بخصوص الكربون هو أنّهُ يمكنه عمل سلاسل بأيّ طول نتخيّله .بعضها يصل الى آلاف من ذرات الكربون!

أحياناً تتخّذ تلك السلاسل شكلاً حلَقيّاً,كما في جزيئات النفتالين مثلاً!

***

ص 98 / Tinkertoy   و ذرّات الكربون!

كيمياء الكربون أقرب الى طاقم تركيب لُعَب الأطفال المُسمى تينكرتوي!

في المعمل نجحَ العلماء في جعل ذرّات الكربون تتصل إحداها مع الأخرى

ليس فقط في حلقات مُفرَدة،لكن على صورة جُزيئات رائعة الشكل بطريقة Tinkertoy المُسمّاة (كُرات الباكي) و (أنابيب الباكي)!

كلمة باكي هي لقب المهندس المعماري الأمريكي الكبير (بكيمنسترفولر)

مخترع القُبّة الجيودوسيّة!

كرات وأنابيب الباكي التي كوّنها العُلماء هي جُزيئات مُصنّعة معمليّا!

لكن يتبيّن بواسطتها بالطريقة الشبيهه بتركيب لُعَب الأطفال,في إمكانيّة إتصال ذرّات الكربون معاً في تراكيب مُماثلة للثُقالات،التي تتيح إمكانية تزايد حجمها الى ما لا نهاية!

تُقدّم لنا (كيمياء الكربون العضوية) عدداً يقرب من اللانهاية من الجزيئات المُحتملة،جميعها بأشكال مُختلفة!

الأهمّ من ذلك أنّ ثمّة آلاف مختلفة منها توجد في الكائنات الحيّة!!!

يوجد أحد الجُزيئات الكبيرة جداً المُسمّى (ميوجلوبين) على سبيل المثال بملايين النُسَخ في جميعِ عضلاتنا!

ليست كل الذرّات الداخلة في تركيب الميوجلوبين تقتصر على الكربون!

لكن ذرّات الكربون هي التي تتصل معاً في هذهِ التراكيب المُبهِرة شبيهة الثقّالة على شكل تينكرتوي وهذا ما يجعل الحياة قابلة للإحتمال في الواقع!

وعندما تُفكّر أنّ الميوجلوبين هو مُجرّد مثال واحد من بين آلاف الجُزيئات المُعقّدة بنفس القَدَر في الخلايا الحيّة،ربّما تستطيع أن تتخيّل بناء أيّ شيء آخر بالغ الجَمال تهواه لو كُنتَ تملك عدداً كبيراً كافياً من التنكرتوي!

إنّ كيمياء الكربون توّفر مدىً هائل من الأشكال المُحتملة اللازمة لإبتداع أيّ شيء يتسّم بالتعقيد ككائنٍ حيّ!!!

 ***

ص 99 / ماهذا ألا توجد أساطير؟

إتسمَ هذا الفصل بغرابتهِ كونه لم يبدأ بقائمة من الأساطير .والسبب يعود لإستحالة وجود أساطير متعلّقة بهذا الموضوع!

حيث بخلاف الشمس أو القوس قُزَح أو الزلازل،لم يكن العالَم الخلّاب لواقع الجُسيمات الدقيقة قد لوحِظَ من الناس البدائيين!

هذا لايدعو للدهشة والحيرة،لأنّهم ببساطة كان يستحيل عليهم أن يفكروا بالجُسيمات الدقيقة أصلاً،وبناءً عليه فلم يتركوا أساطير حولها!

في الواقع الى أن تمّ إختراع الميكرسكوب في القرن السادس عشر،بعدها إكتشف الناس أنّ البُرَك والبحيرات،التربة والغُبار،وحتى أجسامنا،تحتشد بكائنات حيّة دقيقة جداً الى حدّ يحول دون رؤيتها،وأنّها معقّدة التركيب!

وعلى طريقتها فتلك الكائنات الدقيقة،تتسّم بالجَمال (أو قد تكون مُرعِبة) حسب طريقة تفكيرك  أنتَ فيها!

عثّةُ الغبار بعيدة الصِلة عن العناكب،لكنّها بالغةُ الصغر الى حدٍّ يتعذّر معهُ رؤيتها .وفي المنازل توجد آلاف منها تزحف بين السُجّاد والأسرَّة ومن المحتمل كثيراً أنّها تتخلل جسمك .ولو كان الناس في الماضي قد تعرّفوا عليها فلكَ أن تتخيّل نوعيّة الأساطير والخُرافات التي كانوا سيخلوفنها لتفسيرها!

إذاً قبل إختراع المكرسكوب لم يكن (للعثّة) وجود حتى في الأحلام!

وبالتالي لم توجد أساطير حولها!

***

ص 100 / العالَم مصنوع من أشياء دقيقة جداً!

رغمَ الحجم الصغير لعثّةِ الغُبار فهي تحوي على 100 تريليون ذرّة!

صحيح أنّهُ يتعذّر علينا أن نرى عُثّةِ الغبار نظراً لضآلة حجمها،إنّما الخلايا المكوّنة لها صغيرة الحجم أيضاً .والبكتريا التي تحيا بداخلها (وبداخلنا) بأعداد هائلة،أصغر حجماً من ذلك!

مع ذلك فالذرّات أصغر حتى من هذه البكتريا بمدى كبير!

هكذا العالَم بأكملهِ مصنوع من أشياءَ دقيقة،أشياء بالغة الصغر حتى أنّه يستحيل رؤيتها بالعين المُجرّدة!

 ***

فيما يخّص هذه الاشياء الدقيقة الصغيرة جداً،حتى الآن لا وجود لأساطير أو لما يُقال بأنّها كُتب مُقدّسة (يعتقدُ بعض الناس أنّها وصلتنا من أله كُليّ القدرة والمعرفة) .ولم تذكر تلك الكُتب شيئاً عنها على الإطلاق!

في الواقع عندما تنظر الى تلك الكُتب وما تحويه من أساطير وحكايات

ستجد أنّها لاتحوي على أيّةِ معارف من تلك التي إستنتجها العِلم بصبر!

فهي لم تقل لنا شيئاً عن حجم الكون ومقدار عمره!

لم تخبرنا بطريقة عِلاج السرطان!

لم تشرح لنا سبب الجاذبيّة،أو آلة الإحتراق الداخلي،أوالكهربائية،أو التخدير ومئات الأشياء العِلميّة الحديثة!

في الواقع من غيرِ المُثير للإستغراب أنّ القصص في الكتب المُقدّسة لاتحوي أيّ معلومات إضافيّة عن العالَم،أكثر ممّا كان يعلمه الناس البدائيون الذين كان لهم قصب السبق في روايتها!

فإذا كانت تلك الكتب المقدّسة قد كُتِبَت أو اُمليَت أو أوحيّ بها من الآلهة ذوي المعارف الكُليّة،أليس غريباً أن لايخبرونا شيئاً ولو بسيطاً عن تلك الأشياء المُهمة والمفيدة؟

(إنتهى الجزء السابع من تلخيص هذا الكتاب العِلمي الشامل)!

***

الخلاصة:

ربّما هذا أكثر جزء أتعبني في التلخيص،فكلّ جملة علمية لها قيمتها وفائدتها،كي لا تنقطع الفكرة،من الذرّة الى هذا العالَم الواسع!

لكن لاحظوا صبر العِلم وتدّرجه الذي يُنبّئنا بصدقهِ الشديد!

فلو أخذتُ الآن فقط (عناوين الصفحات) في هذا المقال سأتمكن من ترتيبها كما يلي:

ممّ تتكوّن الأشياء / أنواع الذرّات / العناصر والمُركبّات / البلّورات والذرّات في موكب إستعراضي / حقائق عِلميّة بسيطة / طريقة حركة الجُزيئات ـ (صلب،سائل،غاز) / الضغط / تغيير حالة المادة / داخل الذرّة / المنهج العِلمي / نموذج بلّورة الألماس / تطبيق النموذج السابق على البشر وباقي الأحياء / السوائل / النظائر / الكربون ثَقّالة الحياة (الإنسان) / تنكرتوي وذرّات الكربون / ماهذا ألا توجد أساطير؟ / العالَم مصنوع من أشياء دقيقة جداً!

هل تلاحظون معي تدرّج هذا الموضوع من الصفر (الذرّة)، إلينا نحنُ البشر .ثمّ عودة الدورة من جديد؟

هكذا هو طريق العِلم والبحث العِلمي،تشكيكي تجريبي واقعي،يبتعد عن الخرافات .إنّهُ طريق طويل لا يناله الضَجَر والكَلل والمَلل والتوّقف!

كلّ حركة وسكنة في حياتنا،حتى قبل تكوّن الجنين في بطن أمّه الى مرحلة الشيخوخة والموت،يدرسها العلماء بعناية فائقة!

مؤخراً قرأتُ عن دراسة (حول ضحك الأطفال الرُضّع بصوتٍ عالٍ) يقوم بها (كاسبار أديمان) وهو باحث في كلية بيركبيك للدراسات المسائية بجامعة لندن .وهو يرى أن إجراء دراسات حول الضحكات التي يطلقها الرُضّع سيمكنّنا من التعرّف وبدقة على كيفية فهمهم وإدراكهم للعالم .

فعندهُ: (( دراسة الضحك جَدٌ لا هزلَ فيه ولا مِزاح ))!

من جهة أخرى أنا أعرف بأنّ هناك مُحدّدات ومُثبّطات وعوائق أمام كلّ عالم أو مُفكّر أو حتى كاتب عادي ليقول فكرته بطريقة مُباشرة .فالغالبية (خصوصاً في بلادنا البائسة) تخشى سيف العمالة والتخوين والتكفير .

هذا ينطبق على الكثير من شؤون الحياة .ولتوضيح فكرتي أقول حتى في كرة القدم (أنا أضرب بها الامثلة كونها شبيهه بالحياة نفسها،وقد إستخدمها بالصدفة مؤلف الكتاب في بعض أمثلته أعلاه)،نجد لاعب فذّ مثل كريستيانو رونالدو لايمكنهُ تقديم 100% من قدراته في اللعب .

فهو غالباً يستخدم مايقرب من 50% من تلك القدرات لإتقاء الخصوم في محاولتهم لإصابتهِ عمداً وإخراجهِ من اللعب!

مع أنّ الإصابة في كرة القدم هي من صميم اللعبة وشيء طبيعي ومتوّقع لكنّنا كناس طبيعيين لانستطييع التعاطف مع لاعب ينال من خصمهِ بطريقة لا أخلاقيّة،بعيدة عن الروح الرياضيّة .

ساُردّد دوماً:طريق العِلم (عكس طريق الأديان)،كلّ يوم هو في شأن ويا لهُ من شأن!

***

رابط موضوع الخلاصة:

لماذا يضحك الأطفال الرُضّع بصوتٍ عالٍ؟

http://www.bbc.com/arabic/scienceandtech/2015/08/150803_vert_fut_why_do_babies_laugh

 تحياتي لكم

رعد الحافظ

13 أغسطس 2015

This entry was posted in Biblioteca مكتبة المحروسة, رعد الحافظ and tagged , , , . Bookmark the permalink.