جمال عبد الناصر: الابن الروحي لحسن البنا

جمال والأخوان: لعبة اسمها الدين والسلطان.  ارنست وليم

 أرنست وليم

في حديث مسجل لجمال حماد – كاتب بيان الثورة الأول الذي قرأه السادات والمعتبر المؤرخ الأول للثورة التي كان أحد أعمدتها – قال : أن عبد الناصر وخالد محي الدين وعبد المنعم عبد الرؤوف وكمال الدين حسين لم يكونوا أخوانا فقط بل هم جزء من التنظيم السري للأخوان المسلمين الذين حلفوا على القرآن والمصحف على الطاعة للإمام في المنشط والمكره، أمام عبد الرحمن السندي.. وكان حلفهم قائم على الطاعة العمياء لفعل أي عمل يوكل إليهم – قتل تفجير حرق تخريب- دون سؤال أو اعتراض على منهج الإخوان والإسلام السياسي عموما القائم على أن المؤمن في يد إمامة كالميت في يد مغسله.. ومن مات ولم تكن في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية…

هذه المعلومة المبدئية رغم خطورتها، يجري التغاضي عنها كثيرا ممن يكتبون لغرض لا للتاريخ والحقيقة وممن يتربحون على صنع الأصنام من العجوة تباع بسعر الذهب.. ولم ينكر شخص ممن قاموا بالثورة، وكتبوا عنها أو كتبوا سيرتهم وذكرياتهم، أن هؤلاء الأربع لم يكونوا فقط أخوان مثل معظم الضباط المغامرين –الأحرار- بل أنهم من الجناح السري للتصفيات وأعمال القتل للإخوان المسلمين والمعروف بالجهاز السري.. ( أنظر مذكرات خالد محي الدين ص 44 و45 من كتاب “الآن أتكلم” – حيث يتحدث عن الضباط الأحرار ولقاءاتهم المباشرة مع حسن البنا كجزء من الأعضاء المقربين للمرشد ومن هذه الاسماء المشهورة بالإضافة للأربعة السابق ذكرهم كان عبد اللطيف البغدادي، مجدي حسين، سعد توفيق، حسين حمودة، أحمد مظهر –الممثل-…. [وغيرهم])

 وهو ما أكده أيضا حسين حمودة واحدا من النواة التي شُكل منها الضباط الأحرار – كجناح أخواني عسكري – مؤكدا شهادة الآخرين مثل اللواء جمال حماد / مؤرخ الثورة وكذلك خالد محي الدين في كتابه “الآن اتكلم” وأيضا كمال الدين حسين في كتابه ” الصامتون يتكلمون”، وأحمد حمروش في كتابه “شروط ثورة يوليو” يضاف إليهم أحمد رائف المتوفى عام 1911م الذي أبتكر شعار “الإسلام هو الحل”.. وغيرهم..حتى نكاد نقول بثقة ويقينية لا ينكرها إلا الغافل المتعمد التغافل : أنه لا يوجد أحد ممن شارك في الثورة وكتب مذكراته لم يتحدث عن جمال عبد الناصر كعضو أخواني مقرب من حسن البنا.. وزادت غيرته وحماسته في الدعوة حتى أصبح مع ثلاثة من الضباط الأحرار أعضاء في التنظيم الخاص عام 1943، تحت قيادة عبد الرحمن السندي.. 

وبالعودة للمراجع السابقة وغيرها.. نتلمس طريق جمال عبد الناصر، العضو الإخواني النشيط والمتحمس بل والمغامر – فنلقي الضوء على فترة من تاريخ مصر وتاريخ الرجل – ليست الأكثر اشراقا ولكنها الحقيقة وللأسف – والتي يجري التعتيم عليها لأنها لا تصب في صالح أحد، فلا هي مما يمجد تاريخ الإخوان ولا الناصريين ولا القوميين ولا الجيش وينضم إليهم الآن الذين يخطئون معنى الوطنية.. وكأن الجميع يتواطأ على التعتيم عليها اعلاميا.. وكل شيء سهل لشعب ما عاد يقرأ.. وإن قرأ فلغرض وغاية غير إلتماس الموضوعية ومعرفة الحقيقة.. لعن الله القراءات الغائية.. لعن الله القراءات الأيدلوجية التشنجية الايدلوجية التي يغلب فيها الشعور العقل، والوهم يقهر النظر.

عبد الناصر الإخواني ينتقل، لثقة المرشد نفسه فيه، ليصير واحد من التنظيم الخاص عام 1943 أي بعد ثلاث سنوات من انشائه على يد عبد الرحمان السندي، للقيام بالعمليات القذرة من تصفيات أعداء الإخوان – رغم الشعارات الكاذبة التي أدعوها، ومازالوا يروجون لها، أن الجهاز الخاص قام لتصفية أعضاء الوطن/الأمة من انجليز وصهاينة، فلم نعرف لهم قتيل منهم، أي من أعداء الوطن، بل قتلاهم من الوطنيين الذين لا يشك أحدهم في وطنيتهم مثل النقراشي،المناضل المصري الوطني – والخازندار، القاضي المصري الشريف – وأحمد ماهر، رئيس وزراء مصر من 1944-1945م والتي قبض على فاعلها –واحد من البلهاء الإخوان – اسمه محمود العيسوي، وبعد القبض على المرشد حسن البنا، واحمد السكري، وعبد الحكيم عابدين تم الإفراج على المرشد وصحبة بعد إنكار علاقتهم بالعيسوي وبعد شهادة القاتل أنه ليس من الإخوان بل من الحزب الوطني. 

حتى نفاجأ بعدها بأن العيسوي هذا من الإخوان بشهادة الشيخ أحمد حسن الباقوري – من أكبر المشايخ الذين انضموا إلى الإخوان، فهو منهم وشهادته شهادة العارف بأسرارهم.. في مذكراته الشخصية والتي حملت اسم “بقايا ذكريات” حيث يقول: “وأما النظام الخاص فلم يكن المنتسبون إليه معروفين إلا في دائرة ضيقة ولآحاد معروفين، وقد كان لهؤلاء اجتماعاتهم الخاصة بهم، وربما كانوا يعملون في جهات مختلفة يجهل بعضها بعضا جهلاً شديداً [….] فما أعلنت حكومة الدكتور أحمد ماهر باشا الحرب على دول المحور لكى تتمكن مصر – بهذا الاعلان – من أن تمثل في مؤتمر الصلح إذا انتصرت الديمقراطية على النازية والفاشية. رأى النظام الخاص أن هذه فرصة سنحت للانتقام من رئيس الحكومة، ووجه محمود العيسوى إلى الاعتداء على المرحوم أحمد ماهر باشا، فاعتدى عليه في البرلمان بطلقات سلبته حياته التى وهبها لمصر منذ عرف الوطنية رحمه الله رحمة واسع” – أنظر المركز العربي للبحوث والدراسات – الملفات السرية للإخوان الجزء 11 الصادر في 29 ديسمبر 2013 

 ماعدا هذه التصفيات للوطنيين كانت تفجيرات وحرائق تُحدث فوضى وتأخذ الجميع من الأشقياء والفقراء على حد سواء كالبلاء والطعون وكل لعنة تحل على الآمنين.. وتزداد بشاعتها وفحشها وقدرتها التدميرية عندما يكون الأمر متعلقا بعداء ديني عنصري ضد اليهود أو أي شخص يقف في وجه طموحهم للوصول إلى السلطة على قفى الدعوة للدين ومكارم الأخلاق..

ولم يكن جمال عبد الناصر ببعيدا عن كل جرائمهم ومنذ البداية، فهو جزء من التنظيم السري منذ بدأ في أعماله القذرة ضد مصر والمصريين، ضد الوطن والآمنين، ضد الإنسانية وأبسط قواعد الخلق والدين.. وبقي العضو المقرب والمدلل، موضع الثقة، حتى بعد اغتيال البنا في 12 فبراير 1949م..

وبالتوازي مع نشاط عبد الناصر في التنظيم السري المعروف “بالجهاز الخاص” للإخوان، كان جزء من التنظيم السري الإخواني داخل الجيش – حيث اسس الصاغ محمود لبيب، وكيل حسن البنا للشؤون العسكرية، هذا التنظيم الذي سيعرف فيما بعد بالضباط الأحرار.. مع التخفي وراء هذا الاسم – أي الضباط الأحرار – حتى لا يكون في حالة الإخفاق أو الملاحقة عبئا على الجماعة. 

وكان الصاغ محمود لبيب كثير الحيطة، لخطورة المهمة، الحد الذي لم يكن فيه غيره بعد المرشد على اتصال أو معرفة بأسماء كامل الضباط المنتمين للتنظيم من الأخوان داخل الجيش – يعترف جمال عبد الناصر نفسه في مجلة المصور تحت عنوان “قصة ثورة الجيش من المهد إلى المجد” عن الصاغ الذي اسماه م. ل. دون ذكر الاسم صراحة، فقال: “كان يجمعنا وينظمنا المرحوم الصاغ (م. ل.) 

ولما كان الصاغ محمود لبيب على فراش الموت عام 1951 م قام باستدعاء أقرب العناصر الموثوق فيها وصاحبة الولاء الذي لا تشوبه شائبة داخل التنظيم، وهما عبد المنعم عبد الرؤوف وجمال عبد الناصر، ولم يحضر عبد المنعم عبد الرؤوف لطارئ.. فكان جمال عبد الناصر.

في هذا القاء التاريخي الدرامي بين الرجل الأول والمؤسس لتنظيم الضباط الأحرار ورجل الأخوان المقرب جمال عبد الناصر، تم تسليم هذا الأخير مفاتيح التنظيم وأسراره كاملة: قوائم الاسماء، وموقع كل واحد من فرق الجيش، ورتبته وسلاحه وبياناته الشخصية، وخططهم الحالية والمستقبلية…… إلخ، فاستلم العضو الإخوني رقم أثنين، جمال عبد الناصر، التنظيم ومقاليد السلطة وصار هو حلقة الوصل الوحيدة بين التنظيم الذي هو على رأسه الآن داخل الجيش وجماعة الإخوان المسلمين.

وعندما تم تحديد يوم 21 للقيام بالثورة.. تم تأجيلها لأنه لم يأخذ بركة وموافقة المرشد حسن الهضيبي الذي كان وقتها بالإسكندرية.. ولأجل عيون وطاعة المرشد تم تأجيل الثورة حتى عودة المبعوثين يحملون موافقة وبركة المرشد في 23 يوليو. 

أنها إذا ثورة إخوانية – تحت الاسم الحركي للضباط الأحرار، بقيادة الإخواني جمال عبد الناصر.. ومتخفية وراء اسماء وشعارات ومؤسسات تم اختراقها مثل نادي الضباط من باب المراوغة.. وباستخدام رجل ألعوبة تم “استعباطه” مستغلين اسمه ومكانته وشعبيته، وهو اللواء محمد نجيب – الشيخ المضحوك عليه- الذي اُستخدم لغرض وتمت الإطاحة به يوم أدى دوره المرسوم له كما قدروه عليه.

تنويه:

يتحفظ البعض على هذا المقال بالقول: لم يكن كل الضباط الأحرار من الإخوان.. فليسوا هم إلا مجموعة من الضباط الوطنيين الذين ارادوا تطهير البلاد من الإنجليز والملك وأعوانه من بشوات وإقطاعيين وفاسدين ومرتشين.. ولينصفوا المواطن والفقير ورفع الظلم عن كاهله……… إلخ 

نقول: النواة الأولى كانت من الإخوان فقط – وبقيت الغالبية الكاسحة من الضباط الأحرار حتى قيام الانقلاب العسكري المدعو ثورة من الإخوان… ولكن عبد الناصر تعلم من استاذه المرشد أن الغاية تبرر الوسيلة، ولا بأس من الاستعانة بالشياطين الزرق للوصول للهدف وبعدها تبدأ التصفية والتطهر من رجس الآثمين.

وقد كانت هناك بالفعل خلاف يشهد عليه اللواء جمال حماد وغيره، أن بعض الضباط من الصف الأول تململوا من دخول عناصر ذات ميول شيوعية، وآخرين ممن عرف عنهم الانحلال والتهكم من الدين في صفوف الضباط وقالوا: أن عبد الناصر يدخل علينا الحشاشين فيفسد دعوتنا.. ولكنهم ووفق المنطق والمنهج الإخواني لم يكن صعب إقناعهم بأن ذلك حلال شرعا للحصول على الجوهرة الثمينة وهي الجلوس على عرش مصر – وقفا العباد- 

كيف اختلف جمال عبد الناصر مع الإخوان؟؟.. وهل هو خلاف حول العقيدة والمنهج أم هو صراع على السلطة والمغنم؟؟.. موضوع المقال القادم بأذن الله.

 عبد الناصر قبر حسن البنا

الصورة : غلاف مجلة “التحرير” سنة 1954 م، أي بعد ثورة 23 يوليو بعامين، ويبدو فيها عبد الرحمن البنا شقيق الشهيد حسن البنا واقفا بين المقدم جمال عبد الناصر و الرائد جمال سالم..

وحيث اشهد الجميع على قولة : : “أشهد الله على تنفيذ مبادئه والجهاد في سبيلها”.

Print Friendly
This entry was posted in Egyptian History مصرنا, ارنست وليم and tagged , , . Bookmark the permalink.