إبداع السيسى فى زمن الإرهاب

د.مراد وهبة مراد وهبة

الابداع عندى هو قدرة العقل على تكوين علاقات جديدة من أجل تغيير وضع قائم بوضع قادم. ومغزى هذا التعريف أن الابداع يستلزم عنصرينالجدة والتغيير، وهما مطلبان ضروريان فى حالة مواجهة وضع قائم مأزوم. ونشأة الحضارة شاهدة على ما أذهب إليه. فبعد مرور أربعة ملايين سنة على عصر الصيد حدثت كارثة أطلق عليها «أزمة طعام». وقد حدثت هذه الأزمة لأن الحيوانات ندرت وندرتها مردودة إلى سببين:

السبب الأول هو اصطيادها لذبحها وأكلها دون استئناسها. والسبب الثانى هو تغير المناخ وعلى الأخص فى المنطقة الواقعة بين جنوب أوروبا وشمال افريقيا إلى الحد الذى عجزت فيه الحيوانات عن التكيف فهاجرت وهاجر معها الانسان حتى استقرت عند وديان الأنهار فى مصر وبلاد ما بين النهرين والهند والصين. وحول هذه الوديان فطن الانسان إلى أن أزمة الطعام مردوده إلى طبيعة العلاقة بينه وبين البيئة الطبيعية، إذ كانت علاقة أفقية بمعنى تكيف الانسان مع هذه البيئة فأصبحت رأسية بمعنى تكييف الانسان لهذه البيئة من أجل اشباع حاجته المتزايدة. وكانت مصر فى مقدمة البلدان التى فطنت إلى هذه العلاقة الرأسية فماذا حدث؟ ابتدع المصرى التكنيك الزراعى الذى أدى إلى تغيير البيئة من بيئة غير زراعية إلى بيئة زراعية، وإذا بأزمة الطعام تتحول إلى «فائض طعام». ومن هنا قيل عن الزراعة إنها بداية الحضارة وإبداعها كان يعنى تحرر الانسان من إرهاب الطبيعة.

وفى القرن الحادى والعشرين يواجه الانسان أزمة جديدة يمكن أن يقال عنها إنها«أزمة حياة». ومصر الآن أيضاً فى المقدمة. هذه الأزمة تعنى قتل الانسان لأخيه الانسان دينياً حتى يبقى دين واحد على كوكب الأرض بلا منافس. وحركة الاخوان المسلمين هى المعبر الدقيق عن هذه الأزمة عندما استولت على السلطة فى عام 2012. وفى يونيو امتلأت شوارع مصر بثلاثين مليوناً من المصريين بمؤازرة من القوات المسلحة والشرطة، وطالبوا بطرد الاخوان من السلطة. وبعد ذلك انتُخب عبد الفتاح السيسى رئيساً لمصر، فكيف واجه أزمة الحياة التى تعنى فى لفظ واحد »الارهاب«؟

ابتدع مشروع قناة السويس الجديدة وأنجزه فى عام بمؤازرة جماهير 30 يونيو والقوات المسلحة والشرطة. وقيل إن لهذا المشروع فوائد عديدة منها ما هو اقتصادى وما هو سياسى، إلا أن الفائدة العظمى تكمن فى أن هزيمة الارهاب تتم بالابداع.

والسؤال اذنلماذا؟

إذا كان الابداع هو السبب فى انقاذ الانسان من ارهاب الطبيعة، وتأسيس الحضارة فهو فى مشروع قناة السويس الجديدة السبب فى إنقاذ الانسان من ارهاب الانسان. إلا أن هذا الانقاذ لن يكون محصوراً فى مصر وحدها، بل ينبغى أن يمتد إلى سكان كوكب الأرض بحكم أن ذلك الارهاب أصبح كوكبياً. ومن هنا مغزى حضور الملوك والرؤساء من سبعين دولة للمشاركة فى تأسيس حضارة جديدة كوكبية يمكن أن نقول عنها إنها حضارة بلا عدو. والعدو المقصود هنا هو المتوهم أنه مالك للحقيقة المطلقة، وبالتالى فإن الحضارة الجديدة ستكون خالية بالضرورة من هذا الوهم. إلا أن إزالة هذا الوهم لن تكون بالأمر الميسور إذ هى تستلزم ثورة عقل فى القرن الحادى والعشرين بعد حدوث نقد عقل فى القرن الثامن عشر والذى قام بها الفيلسوف الألمانى العظيم كانط عندما ارتأى أن للعقل خاصية متميزة هى أنه محكوم بمواجهة مسائل ليس فى الامكان تفاديها، إذ هى مسائل مفروضة عليه بحكم طبيعة تكوينه. فهو يشتهى قنص المطلق إلا أنه عاجز عن قنصه. وإذا توهم أنه قادر على قنصه فإن المطلق نفسه بمجرد قنصه يصبح نسبياً ويتوقف عن أن يكون مطلقاً. وحتى لا يقع العقل فى هذا الوهم فإن عليه أن يثور على ذاته، ولا يقف عند حد نقد ذاته كما فعل كانط.

والسؤال اذنماذا يعنى القول بأن على العقل الثورة على ذاته؟

وأجيب بسؤالماذا تعنى الثورة؟

إنها تعنى التغيير الجذرى

والسؤال اذنماذا يعنى التغيير الجذرى للعقل؟

يعنى الإقلاع عن اشتهاء قنص المطلق. إلا أن هذا الاقلاع لن يتحقق إلا بممارسة الابداع لأن الابداع حالة متواصلة من تكوين علاقات جديدة لا تقف عند مطلق، ومن ثم يمتنع توهم العقل أنه قادر على قنص الحقيقة المطلقة. ومن هنا يأتى تعريفنا للانسان بأنه حيوان مبدع قبل تعريفنا له بأنه حيوان اجتماعي. ومن هنا أيضاً كان اعجابى بالعنوان الرئيسى فى الصفحة الأولى من جريدة «الحياة» بتاريخ 7/8/2015 وهو على النحو الآتى:

«السيسى يعتبر القناة الجديدة انتصاراً على الارهاب». وتفصيله كالآتىقال الرئيس عبد الفتاح السيسى فى الاحتفال التاريخى لافتتاح قناة السويس الجديدة إن مصر لم تقدم للعالم هذا المشروع فقط إذ إن التاريخ سيذكر أن مصر جابهت أخطر فكر ارهابى لو تمكن من الأرض كلها لحرقها. ثم استطرد قائلاً: «إن الشعب لم ينفذ العمل فى القناة الجديدة فى ظروف طبيعية ولكن فى ظروف اقتصادية وأمنية صعبة. كانت العناصر المتطرفة من أهل الشر تحاول إيذاء مصر والمصريين وعرقلة مسيرتها وتقدمها. سنكافح الارهاب وسننتصر عليه». ثم اختتم كلمته بتحية وجهها إلى شعوب العالم المحبة للسلام، وللمبادئ الانسانية ولقيم التسامح والتعايش المشترك. وهذه التحية تعبير عن وضع قادم بديل عن وضع قائم مأزوم من صنع الارهاب. ولكن هذا الوضع القادم لن يتحقق إلا إذا كان كوكبياً. وهذا هو مغزى حضور زعماء ورؤساء دول وممثلين لأكثر من سبعين دولة. إن حضورهم لم يكن لمجرد التهنئة إنما للمشاركة فى صياغة مشروع كوكبى لمكافحة الإرهاب بدايته قناة السويس الجديدة.

This entry was posted in د. مراد وهبة and tagged , , , . Bookmark the permalink.