حياة سيد قطب الدرامية

طلعت رضوان  طلعت رضوان

تصلح حياة سيد قطب لعمل درامى من طراز رفيع، خاصة عند مقارنة حياته قبل ذهابه إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وبعد عودته إلى مصر. فى الفترة الأولى شاعرًا وناقدًا، وفى الفترة الثانية أصوليًا ضد المجتمع العصرى. وأعتقد أنّ كتاب أ. شريف يونس (سيد قطب والأصولية الإسلامية) الصادر عن مكتبة الأسرة عام 2014 من الكتب المُهمة والنادرة التى أرّختْ لسيرة سيد قطب، من إنسان بدأ حياته الفكرية بكتابة النقد الأدبى والشعر، إلى داعية إسلامى، خاصة عندما روّج لمقولة (الجاهلية الحديثة) فى كتابه (معالم فى الطرق) 

من المحاور المُهمة فى الكتاب الفترة التى قضاها قطب فى أميركا بين عامىْ 48، 50 وهى فترة غامضة والمعلومات عنها شحيحة، ومنها أنّ قطب لم يُسمح له بالكتابة فى الصحف الأميركية إلاّ بعد أنْ قال لمندوب إحدى الصحف ((إنّ بلادنا فى طريقها إلى الشيوعية بسبب أحولها الاجتماعية)) وأشار المؤلف إلى وجود عدة شهادات تؤكد على وجود علاقة سابقة بين قطب وضباط يوليو منها شهادة الأديب الكبير سليمان فياض، واستمر التعاون بينهما حتى فبراير53 واعترف قطب أنه شارك فى إنشاء هيئة التحرير. وقبل الافتراق فإنّ قطب كتب عدة مقالات لصالح الضباط ((وسخـّر قلمه بإسراف فى إضفاء طابع مثالى عليهم وبدأ بمقال (هدية للأحرار) الذين ((طهّروا الوادى وكرّموه)) ووصف ضباط يوليو بأنهم ((مُـثـُـل نادرة فى تاريخ البشرية كلها لم تقع إلاّ فى مطالع النبوات)) ومن هذا المنطلق أدان عمال مصانع كفر الدوار ونسب اعتصامهم إلى ((أخطبوط الإقطاعية والرأسمالية والاستعمار)) (وهو ما ردّده الناصريون بعد ذلك) وطالب (سيد قطب) العمال بالانتباه إلى الخطر الشيوعى الذى يُحارب حركة الضباط. كما أنّ قطب رفض النقابات العمالية المُستقلة. وأيّد الضباط فى موضوع تطهير الأحزاب. وشدّد على عدم العودة إلى دستور1923الذى (مات) من وجهة نظره، وطالب الضباط بإقامة (دكتاتورية عسكرية) ورغم ذلك انتهى (شهرالعسل) بين الضباط وقطب الذى لم يجد مبتغاه بعد أنْ كاد أنْ يُعيّن وزيرًا للمعارف، فلما عُرض عليه منصب وكيل الوزارة رفض وتأكــّـد أنّ الضباط ليس فى عزمهم تقاسم السلطة مع الإخوان، فبدأ الصراع بين الطرفيْن.

بعد عام 54 تم اعتقال قطب أكثر من مرة، وقضى فى السجن 15 سنة غير تعذيبه فى السجن الحربى. وفى مايو64 خرج بعفو صحى بعد وساطة الرئيس العراقى عبد السلام عارف. وفى أغسطس 65 تمّ القبض عليه وتعرّض للتعذيب من جديد كما تحمّـل أنْ تـُسجن أسرته كلها بسببه وأنْ يُـقتل من التعذيب أحد أفرادها. وبعد 13 يومًا من صدور الحكم بإعدامه تم التنفيذ يوم 29 أغسطس66. فى هذا المحور عرض المؤلف انتاج سيد قطب مثل تفسيره للقرآن فى عدة أجزاء وكتابه الشهير (معالم فى الطريق) وأنّ الكتاب الأخير كان المُـلهم للتنظيمات الإسلامية المُسلحة مثل التكفير والهجرة والجهاد الإسلامى إلخ. وكان التعقيب المُهم للمؤلف فى هذا الشأن : نـُشرتْ هذه الكتب جميعًا بعلم النظام الناصرى. ووفقــًا لشهادة الكاتب الناصرى عبدالله إمام فإنّ عبد الناصر وافق على طبع كتاب (معالم فى الطريق) عدة طبعات رغم اعتراض الرقابة. وهكذا كان كتاب سيد قطب هو (ميثاق) الجماعات الإسلامية، التى كفــّرتْ البشر، واستباح أعضاؤها القتل والتخريب من شتى التيارات الإسلامية المسلحة، مثل جماعة (شباب محمد) و(التكفير والهجرة) إلخ وهوما تناوله المؤلف فى الأجزاء الأخيرة من كتابه المهم، خاصة وقد ذكر مصادر معلوماته بكل دقة وأمانة. ولذلك فإنّ كتابه جدير بالقراءة لكل المؤمنين بمفهوم الوطن، وتبدو خطورة كتاب (معالم فى الطريق) من النزعة التكفيرية لكل مُعترض على منهج قطب فى مفهوم الولاء : هل هو للدين أم للوطن؟ حيث كتب ((انتهى أمر نعرة (الجنس) ولوثة الطين والأرض. والوطن هو (دار الإسلام) والأرض التى لا يُهيمن عليها الإسلام هى (دار الحرب) يُحاربها المسلم ولو كان فيها مولده وقرابته)) وإذا كان التكفيريون (من دواعش وأمثالهم) يعتمدون على كتابات قطب، فإنّ الجذر مُستمد من مدرسة الإخوان التكفيرية.  سيد قطب

سيد قطب ( 1906 – 1966 ) يُعتبر أحد مراجع جماعات العنف الإسلامية. فقد تأثر كثيرون من أعضاء هذه الجماعات بكتاباته، خاصة ما كتبه فى (معالم فى الطريق) وكتابه (فى ظلال القرآن) حيث ركــّز على فكرة (الحاكمية لله وأنّ المجتمعات المعاصرة لا تــُطبق هذه الحاكمية. والنتيجة كما يقول ((نحن اليوم فى جاهلية كالجاهلية التى عاصرها الإسلام. وأنّ المجتمع الجاهلى هو كل مجتمع غير مسلم، حتى المجتمعات التى تزعم أنها مسلمة. وأنّ مصدر السلطات هو الله، لا الشعب. ويرى ضرورة ( الجهاد ) المُسلح وأنّ الإسلام لابد أنْ يقوم على (( الجهاد بالسيف إلى جانب الجهاد بالبيان )) مع أهمية التركيز على الجهاد ضد المسلمين عن غير إسلام حقيقى، قبل الجهاد ضد غير المسلمين خارج ( الأمة الإسلامية ) 

وموقف سبد قطب من الانتماء الوطنى، ترديد لما قاله الأصوليون السابقون أمثال الأفغانى ورشيد رضا وحسن البنا، فكتب قطب أنّ (العقيدة الدينية) هى الجنسية التى تربط العربى بالرومى بالفارسى بالحبشى، فى أمة واحدة ربها الله.

هذا هو الوجه الشائع عن سيد قطب. أما الوجه الآخر (الأقل شيوعًا) فهو وجه الناقد الأدبى، حيث حصل على دبلوم الفنون والآداب عام 1923 من جامعة فؤاد وكتب سلسلة مقالات فى النقد الأدبى فى الصحف والمجلات المصرية قبل يوليو 52. وساهم فى تحرير باب (شهرية المسرح ) فى مجلة ( الكاتب المصرى ) التى رأس تحريرها طه حسين. وفى عدد يناير 46 كتب عن مسرحية ( العباسة ) تأليف عزيز أباظة ((لفت نظرى بدعة تقديس الماضى)) وكان يرد على الذين هاجموا عزيز أباظة واتهموه بأنه يشوّه الحضارة الإسلامية ويجرح الشخصيات التاريخية، فكتب قطب أنّ الأسطورة التى ذكرها المؤلف ليست من صنعه، فهو لم يبتدعها، إنما هى رواية وعاها التاريخ. فإذا جنح إلى استخدامها فى عمل فنى، وليس فى تحقيق تاريخى، فإنه يكون قد ردّد رواية قائمة ونقلها إلى المستوى الفنى. وشرح وجهة نظره قائلا (( الذين يستعظمون أنْ يخون جعفر عهده مع الرشيد. وأنْ يُـطيع الهوى مع العباسة. ويستعظمون على العباسة – بحجة أنها أميرة هاشمية – أنْ تضعف فتستسلم، هؤلاء إنما يقدّسون غير مقدس. فوق إغفالهم للنوازع البشرية الحية التى هى قوام الحياة وقوام الفن أيضًا. وأنا لا أذهب مذهب من يقدّسون الرشيد وينظرون إليه بعدسة الأساطيـــــــر المكبّرة )) 

وفى عدد يوليو 46 من مجلة ( الكاتب المصرى ) كتب قطب مقالا بعنوان ( النقد والفن ) تكلّم فى بدايته عن تجليات ( الحب ) مثل حب الحياة وحب الطبيعة وحب الأسرة وحب الوطن. واستشهد بما كتبه توماس هاردى فى ( خسوف القمر ) الذى كتب عن مأساة الإنسان على كوكب الأرض، حيث ((أمة تنحر أمة. ورؤوس تغلى بالهواجس. ونساء أجمل من طلعة السماء)) واقتبس جزءًا من قصيدة شاعر الهند العظيم (تاجور) الذى قال (( لقد أمسكتُ بيديها ووضعتهما على صدرى / وحاولتُ أن أملأ ذراعىّ من وداعتها. وأنْ أسلبها بسمتها العذبة بقبلاتى / آه! ولكن أيــــــن هى؟ وحاولتُ أنْ أمسك بالجمال، فأفلت منى، ليترك بين يدىّ الجسم وحده. وأعود حيران متعبًا. كيف ينبغى للجسد أنْ يلمس الزهرة التى لا يقدر على لمسها غير الروح؟)) وفى تعليقه على هذه القصيدة تكلــّم قطب عن (( الصوفية العميقة السمحة الشفيفة. صوفية الروح الوديعة )) ثم فرّق بين نوعيْن من الفن. الفن الذى يشايع غالبية الناس. وهو مريح للكاتب، إذْ يخلو من العمق. وفن آخر يستحق الخلود، لأنه يتناول المشترك فى النفس الإنسانية. وأنّ النقد مهمته أنْ يُـبيّن ((البهرج الزائف الرخيص، من المعدن الأصيل الثمين)) وكتب قطب مقالات نقدية عن الأديب نجيب محفوظ. 

و فى عدد فبراير 46 من مجلة ( الكاتب المصرى ) كتب قطب مقالا بعنوان (أغانى شيراز) وفيه ينقل ماكتبه حافظ الشيرازى عن الخمر، حيث قال (( لقد انقضى الصيام وأقبل العيد. وارتفعتْ القلوب بالابتهال والضراعة / واحمرّت الخمر فـــــــــــى حانوتها، فاطلب الكأس بما تملك من قدرة واستطاعة )) ثم يذكــّر قطب القارىء ببيت شوقى ((رمضان ولىّ هاتها يا ساقى / مشتاقة تسعى إلى مشتاق )) وفى بداية المقال ينص قطب على أنه عاش أيامًا جميلة مع (حافظ) رغم أنه لا يعرف اللغة الفارسية معتمدًا على ترجمة د. أمين إبراهيم الشواربى. وكتب قطب عن حافظ الشيرازى (( هو فى هذه الدنيا الجميلة مشغول بسبحاته، عن مواضعات المجتمع وزحمة الأطماع ومعترك الحياة. إنه مستهر فى عشقه الصوفى أو الغزلى. نشوان بخمره الإلهية أو النواسية. وليقل من شاء كيف شاء. فهو خير عند نفسه وعند الله من المرائين المنافقين ومن الوعّاظ الثقلاء )) 

هذا وجه سيد قطب قبل أنْ يسافر إلى أمريكا ويقضى بها حوالى عاميْن (1948- 50) فماذا حدث فى هذيْن العامين؟ ولماذا المعلومات عن فترة وجوده فى أمريكا شحيحة؟ وماذا فعلتْ المؤسسات الأمريكية برأسه، ليعود إلى مصر أصوليًا يقوّض دعائم المجتمع العصرى لحساب مجتمع مضى عليه 14 قرنـًا، وينقل خصائص وقيم مجتمع رعوى إلى مجتمع زراعى / نهرى؟ والسؤال يجر سؤالا : ماذا فعلتْ أمريكا وأوروبا برؤوس كبار المتعلمين من المصريين، الذين عادوا إلى مصر، ليهاجموا كل الآليات التى تسببت فى نهضة أوروبا، وأنّ البديل هو آليات البداوة، خاصة فى طبعتها الأخيرة : الوهابية. ولماذا لا يكون لدينا سيناريست (واحد فقط) يكتب عن شخصية سيد قطب وحياته وتحولاته ونهايته الدرامية؟ 

This entry was posted in Religious Fundamentalism الآًصولية الدينية, طلعت رضوان and tagged , , . Bookmark the permalink.