الخلافة حقائق وأساطير

مؤمن سلاّم  مؤمن سلام

تعتبر الخلافة الهدف الاستراتيجي لكل جماعات الإسلام السياسي من أقصى اليمين الداعشي وحتى أقصى اليسار الإسلامي أو ما يطلق عليه “المستنير” مرورا بجماعة الإخوان المسلمين والدعوة السلفية. بل حتى الإسلام الرسمي مثل الأزهر كان ولا يزال يدافع عن فكرة الخلافة ويعتبرها من الدين. وفي سعى هذه الجماعات للترويج لفكرة إحياء الخلافة الإسلامية بين جموع المسلمين لاكتساب شرعية العمل السياسي، بعيدا عن المجال الخيري والدعوي ومن أجل حشد هذه الجماهير خلفها للاستيلاء على السلطة وعدم تداولها مرة أخرى، روج الإسلام السياسي لمجموعة من الأساطير حول الخلافة الإسلامية. على رأس هذه الأساطير:

1- الخلافة فرض ديني

أكبر وأخطر هذه الأساطير هو القول أن الخلافة واجب ديني، وان غياب الخلافة هو المنكر الأكبر الذي يجب على كل المسلمين العمل على تغييره.

والحقيقة لم يكن الجدل حول الخلافة أو الإمامة بين الفقهاء، والتى يمكن قراءته في كتب مثل الأحكام السلطانية للماوردي ومقدمة بن خلدون وغياث الأمم للجويني، جدلا فقهيا شرعيا تستخدم فيه النصوص الدينية للتدليل على صحة هذا الرأي أو ذاك، ولكن كان جدلا سياسي- اجتماعي حول ضرورة أو عدم ضرورة السلطة للاجتماع البشري، أو بمصطلحاتنا الحديثة كان جدالا بين أصحاب نظرية العقد الاجتماعي الذين يعتبرون قيام السلطة السياسية أمر لازم وضروري لكل تجمع بشري حتى يضبط الأمن ويحقق العدل، وبين اللاسلطويين أو الأناركيين وعلى رأسهم عبد الرحمن بن كيسان الذي كان يرى أنه لا توجد ضرورة لإقامة سلطة في المجتمع إذا كان هذا المجتمع يتمتع بالأمن وأفراده من التحضر بمكان بحيث يحفظون الأمن ويقيمون العدل.

ومن يطلع على كتب السياسة الشرعية سيجد أيضا أن من قالوا بأن إقامة السلطة السياسية التي أسموها خليفة أو إمام واجبة بالشرع وليس بالعقل قد استدلوا على رأيهم هذا بأدلة عقلية وليس شرعية، في تناقض تعودنا عليه ممن يخلطون الدين بالسياسة، وأيضا ليطرح سؤال حول غياب أي من الأحاديث المنسوبة للرسول التي يرددها الإسلام السياسي اليوم عن هذه الأدلة، فلم لم تكن هذه الأحاديث موجودة في عصر الماوردي وابن خلدون وأبو يعلى الفراء والجويني؟ فمتى ظهرت هذه الأحاديث؟ وهل ظهرت في إطار الصراع السياسي في هذه الأزمان الغابرة حيث يستقوى كل فريق سياسي على أعداء السياسيين بهذه الأحاديث؟

أما اجتماع السقيفة بعد وفاة الرسول فقد كان أمرا طبيعيا، فقد مات رئيس الدولة فكان من الطبيعي أن يجتمع كبار القوم لاختيار رئيس جديد، ولم يناقش المجتمعون أي مسائل دينية في سقيفة بنى ساعده فقد كان نقاشا سياسيا حول الأحقية في السلطة، بل من اللافت أن المجتمعون لم يستخدموا ألفاظ “خليفة” أو “إمام” ولكن كان الألفاظ المستخدمة هي “أمير” و “وزير”، أي الألفاظ السياسية الشائعة في ذلك الوقت.

2- من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية

أحد أهم الأحاديث التي يرددها الإسلام السياسي للتدليل على فرضية الخلافة وضرورة إقامتها هو حديث ( من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية) مسلم 4/549 . وهنا من حقنا أن نتساءل إذا كانت البيعة لخليفة فرض دينى كما يدعون ومن لم يقم بها مات ميتة جاهلية أى على الكفر، فلماذا لم تبايع السيدة فاطمة الزهراء، بنت رسول الله، أبو بكر الصديق بالخلافة حتى ماتت، ولماذا لم يبايع سعد بن عبادة الأنصاري أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب من بعده؟ وماذا عن الصحابة الذين لم يبايعوا علي بن أبي طالب بل قاتلوه؟

فوفقا لهذه الأحاديث التى يروج لها دعاة الإسلام السياسي، كل هؤلاء الصحابة ماتوا ميتة جاهلية. وهو ما يناقض الحديث الأخر الذي يروج له الإسلاميين “خير القرون قرني ثم الذي يليه ثم الذي يليه” فكيف يكون خير القرون قرن جاهلي؟ هذه أحاديث دسها على الرسول الحكام أو الخلفاء سمهم ما شئت من أجل تدعيم موقفهم أمام الشعوب المقهورة ومن أجل القضاء على أي معارضة لاستبدادهم وفسادهم، فكيف يجبرنا الرسول على مبايعة حاكم ظالم فاسد؟

3- المسلمون يجب أن يكونوا دولة واحدة لها رئيس واحد

الأسطورة الثالثة التي يروج لها الإسلام السياسي هي أن المسلمين يجب أن يكونوا دولة واحدة من طنجة إلى جاكرتا ومن غانا إلى فرغانه، وفي ظل حكومة واحدة يتولها خليفة واحدة.

أي قارئ للتاريخ سيعرف أن هذا محض خيال، فالمسلمون لم يعرفوا الدولة الواحدة منذ مقتل عثمان بن عفان إلا لفترات قليلة عبر الزمن. ولم يقتصر الأمر على الاستقلال الفعلي مع استمرار التبعية الشكلية للخلافة بل لقد كان هناك دول مستقلة تماما عن بعضها ولا تخضع للخليفة لا فعلا وشكلا. 

فبعد مقتل عثمان أصبح هناك حاكمين للمسلمين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، حتى تنازل الحسن بن علي لمعاوية فيما عرف بعام الجماعة. كذلك كان هناك الخليفة عبد الله بن الزبير بن العوام والذي استمرت خلافته 9 سنوات من 64 هـ وحتى 73 هـ في نفس الوقت مع خلافة مروان بن الحكم ثم عبد الملك بن مروان، حتى قضى الحجاج بن يوسف على خلافة بن الزبير وقتلة وصلبه في مكة المكرمة.

ومع سقوط الدولة الأموية في دمشق أصبح هناك دولتين إسلاميتين، العباسية في المشرق وعاصمتها بغداد، والأموية في الأندلس وعاصمتها قرطبة. ثم في عهد الخليفة العباسي موسى الهادي ظهرت دولة مستقلة ثالثة في المغرب هي دولة الأدارسة حتى ظهرت الدولة الفاطمية فاستولت عليها أراضيها وانطلقت حتى استولت على مصر وأقامت عاصمتها في القاهرة، ليصبح هناك 3 عواصم إسلامية مستقلة في بغداد والقاهرة وقرطبة. أما في عصر الدولة العثمانية فقد وصل الانقسام أقصاه وأصبح هناك العديد من الدول الإسلامية في الهند وإيران وشمال أفريقيا، هذا بخلاف الدول التي كانت تتبع الدولة العثمانية اسما فقط.

4- الخلاقة انتهت عام 1924 على يد أتاتورك

من أساطير الإسلام السياسي أيضا، أن الخلافة سقطت في عام 1924 على يد مصطفى كمال أتاتورك.

والحقيقة أن نظام الخلافة قد انتهى قبل هذا التاريخ بزمن طويل، ولكن قد نختلف في تحديد هذا التاريخ، وفقا لمنهجنا في التقييم.

فهناك من يرى أن الخلافة انتهت عام 680 م مع تولى معاوية ابن أبي سفيان للحكم والقضاء على الخلافة القائمة على اختيار أهل الحل والعقد وتحولها إلى النظام الملكي الوراثي. وهناك من يرى أن الخلافة انتهت بانتهاء عصر الواثق وتولي المتوكل للحكم في عام 847 م وهو ما يمسى العصر العباسي الثاني، عصر استقلال كل الدول عن بغداد استقلال فعلي مع بقاء التبعية الاسمية، حيث لم يعد للخليفة أي سلطة خارج بغداد وفي بعض الأحيان اقتصرت سلطة على القصر الذي يقيم فيه، بل ربما وجد أيضا من يتحكم فيه داخل القصر من الوزراء أو الجواري أو الغلمان.

أما الرأي الأدق من وجهة نظري فهو أن الخلافة انتهت شكلا ومضمونا عام 1543 م مع وفاة أخر خليفة عباسي المتوكل على الله. فمع سقوط بغداد على يد هولاكو عام 1258 هـ، وانتقال الخلافة إلى مصر ثم استيلاء السلطان سليم الأول على مصر ونقلة الخليفة من القاهرة إلى استنبول، ولكن بسبب مجونه واستهتاره سجنه حتى عفا عنه سليمان القانوني وأرسله لمصر مرة أخرى حيث توفى عام 1543 ولم يتحدث أحد من المؤرخين فيما أعلم عن تنازل المتوكل عن الخلافة لسليم أو سليمان.

لذلك استخدام العثمانيين للقب السلطان وخادم الحرمين الشريفين وهو لقب مملوكي، ولم يستخدموا لقب الخليفة إلا عندما بدأت الدولة في الضعف. فهناك من يقول أن أول ذكر للقب الخليفة ظهر في معاهدة وقعها السلطان أحمد الثالث عام 1727 مع نادر شاة الفشاري حاكم فارس، وقيل في معاهدة كجك قينارجة مع روسيا عام 1774 في عهد السلطان سليم الثالث التى جعلت مسلمي بلاد القرم تحت السيادة الروحية للدولة العثمانية. ولكن من المؤكد أن أكثر من استخدم لقب خليفة هو السلطان عبد الحميد بسبب شعوره بضعف وانهيار دولته، في محاولة منه للتشبث بأي شكل من أشكال الشرعية الدينية للحفاظ على ملكة ولكن كان الوقت قد تأخر.

يجادل البعض أن بعض المؤرخين قد ذكروا تنازل الخليفة المتوكل عن الخلافة للعثمانيين، وحتى في حالة صحة هذا الكلام فيظل سلاطين الدولة العثمانية ملوك لا خلفاء. حيث يفتقدون أحد شروط الخلافة وهو القرشية، وهو الشرط الذي اجمع عليه فقهاء المسلمين واحتج به المهاجرين على الأنصار في سقيفة بني ساعده. وبذلك حتى لو صح أن المتوكل على الله قد تنازل للسلطان سليم أو السلطان سليمان القانوني فيظل تنازل غير شرعي ولا يمنح أل عثمان منصب الخلافة وفقا للفقه الإسلامي ولفكر جماعات الإسلام السياسي. وبذلك يكون تاريخ انتهاء نظام الخلافة هو عام 1543 م وليس 1924.

5- دولة الخلافة كانت دول الحرية والعدل والشورى والرفاه

أخطر أساطير الإسلام السياسي حول دولة الخلافة هو القول بأنها كانت دولة تقوم على الشورى والحرية والعدل والمساواة وأن الشعوب الخاضعة لها كانت تعيش في رخاء ونعيم، حيث اختفى الفقر والعوز.

الحقيقة أن كل قارئ للتاريخ من مصادرة الأصلية سيعرف كذب هذا الادعاء، وأن هذا الكلام لا يمت للعلم أو البحث بأي علاقة، بل يأتي في إطار الدعاية السياسية القائمة على اجتزاء قطع صغيرة من التاريخ ووضعها بجوار بعضها لإعطاء صورة وردية عن دولة الخلافة ونظام الحكم الديني الإسلامي. ولأن المقام هنا لا يحتمل سرد هذا التاريخ الأسود فسنكتفي ببعض الإشارات وأطراف الخيوط ليتتبعها من أراد التأكد والاستزادة.

فمن الناحية السياسية فقد ولدت دولة الخلافة لتكون دولة أرستقراطية يتولى الحكم فيها أعضاء قبيلة معينة هي قريش، ويختار الحاكم فيها مجموعة صغيرة من الناس تسمى أهل الحل والعقد، وقد اختلف الفقهاء في عدد أهل الحل والعقد الذين تنعقد بهم الخلافة فقال البعض أغلبية أهل الحل والعقد، وقال البعض تنعقد باثنين مثل عقد النكاح، وقال آخرون تنعقد بواحد، إلا أن الجمهور أنها تنعقد بـ 5 من أهل الحل والعقد مستشهدين بان من بايع أبو بكر في السقيفة كانوا 5 من الصحابة، وأن عمر جعل الشورى في 6 واحد خليفة و 5 يبايعونه. فلم يكن من المستغرب إذاً أن يتحول هذا النظام من أرستقراطية قرشية إلى أرستقراطية أموية بعباسية فعثمانية. وأن تتحول البيعة الاختيارية إلى بيعة بالسيف، إما الطاعة وإما الموت.

أما من الناحية الاقتصادية فيكفينا أن نذكر أن أول ثورة على عثمان بن عفان كان ثورة أبو ذر الغفاري، بسبب الترف الذي يعيش فيه ولاة المسلمين بينما العامة في فقر وجوع، فكانت النتيجة نفيه إلى الربذة حتى مات. أما عن تاريخ المجاعات وثورات الجياع في الوقت التي كان يعيش فيها الحكام مترفين منعمين فحدث ولا حرج وفي كتب التاريخ من التفاصيل ما يغنينا عن ذكرها.

6- الخلافة ستعود لسيادة العالم مرة أخرى

يختم الإسلام السياسي أساطيره حول الخلافة بالحديث عن عودة الخلافة لتسود الدنيا وتحكم العالم وتقضي على أعداء الإسلام.

والحقيقة التي يعلمها الجميع أن فكرة ضم مسلمي العالم في دولة واحدة تحت راية الخلافة هي من الأوهام الكبرى التي يتاجر بها الإسلاميين، فكيف سيجتمع المسلمون أصحاب القوميات واللغات والأفكار والثقافات المختلفة في دولة واحدة يحكمها خليفة واحد، بينما لا تستطيع جماعات الإسلام السياسي ذات الفكر المتشابهة والأهداف الاستراتيجية الواحدة والثقافات القريبة أن تتوحد في تنظيم واحد؟

فالمتابع لتاريخ الجماعات الإسلامية في مصر والعالم يعرف حجم الاختلاف بين هذه الجماعات وفشلها في التوحد أو التنسيق فيما بينها. بل أن تاريخ هذه الجماعات مليئ بحوادث الصدام المسلح بين أعضاء هذه الجماعات لأسباب سياسية مغلفة بغطاء ديني حيث يدعي كل فصيل منهم انه الممثل الشرعي والحقيقي للإسلام الحق. فهذه الجماعات تقتل بعضها البعض في أفغانستان والعراق وسوريا والصومال وليبيا وفي بعض الأحيان في مصر. بل أن تنظيم واحد مثل التنظيم الدولي للإخوان المسلمين كثيرا ما حدثت داخله صدامات وانشقاقات وانفصال بعض الدول عنه لأسباب سياسية، ولعل أبرز هذه الأحداث هو ما حدث بعد غزو العراق للكويت وفشل التنظيم الدولي في تبني موقف واحد من الغزو، وحدوث انشقاقات وانقسامات بسبب ذلك.

أما فيما يتعلق بقضاء الخلافة القادمة على أعداء الإسلام، فيكفي أن نقرأ كتاب “رؤية استراتيجية” لبريجنسكي مستشار الأمن القومي الأمريكي في عهد الرئيس كارتر. الذي يتحدث فيه عن “الغرب الكبير” من أجل استغلال تاريخ تركيا الإمبراطوري في الشرق الأوسط للسيطرة عليه ولتكون حاجز بين مشاكل هذه المنطقة الملتهبة والغرب. وذلك في إطار استراتيجية أمريكية لمواجهة القوى الآسيوية الصاعدة. فإحياء الخلافة هو مشروع أمريكي من اجل السيطرة على منطقة الشرق الأوسط عن طريق الوكيل التركي، رجب طيب اردوجان.

الخاتمة

هذا استعراض سريع للأساطير التي يروجها الإسلام السياسي حول دولة الخلافة من أجل السيطرة السياسية على دولنا لحساب القوى الخارجية المتصارعة. على أمل أن يأتي يوم يعرف فيها الناس الحقيقة وان هذه جماعات سياسية لا دينية، وأنه لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة. وعلى أمل أيضا أن يعلن الأزهر تراجعه عن تبني فكرة الخلافة وتبنيه لكتاب الإسلام وأصول الحكم للشيخ علي عبد الرازق.

فمحاربة الإرهاب تقتضي القضاء على الفكر المولد للإرهاب، وأحد أهم أركان هذا الفكر الإرهابي هو فكرة الخلافة، التي يلتف حولها كل الإسلاميين ويجندون الشباب والانتحاريين من أجل إزالة المنكر الأكبر وإعادة الخلافة ومجد الخلافة وحكم العالم من جديد.

المراجع:

1- مقدمة بن خلدون

2- الأحكام السلطانية – المواردي الشافعي

3- غياث الأمم والتياث الظلم – الإمام الجويني

4- واقعة السلطان الغوري مع السلطان سليم – ابن زنبل الرمال – تقديم وتحقيق عبد العزيز جمال الدين

Print Friendly
This entry was posted in Islamic Studies إسلاميات, مؤمن سلاّم and tagged , , , . Bookmark the permalink.