الإسلام كما يراه المصريون

محمود الغيطاني            محمود الغيطاني                         

في كتابه “الإسلام المصري” للصحفي محمد الباز الصادر عن دار “كنوز” للنشر والتوزيع يحاول الكاتب تأمل الدين الإسلامي من خلال منظور المصريين إلى هذا الدين، حتى أنه يذهب بنا في النهاية من خلال العديد من الظواهر المختلفة على أرض الواقع إلى حقيقة مفادها أن الدين الإسلامي عند المصريين يكاد يكون دينا مختلفا عما هو عليه بالنسبة لجميع من يدينون به، بمعنى أن المصريين قد هضموا الدين الإسلامي من خلال منظورهم هم حتى أن الشافعي حينما أتى إلى مصر غيّر من فقهه جذريا، وثقافتهم هم، حتى بات دينا له خصوصية لا تخص سواهم فقط، وبالتالي سنراه مختلفا لدى جميع من يدينون به خارج مصر.

وهنا يقول الباز في كتابه: “هذه الروح التي بذر الرسول بذورها، وسهر عليها حتى نمت، خنقها المسلمون بأيديهم، عادوا مرة أخرى إلى جهالة أعتى من الظلام الذي أخرج الرسول آبائهم منه، حولوا آيات القرآن وأحاديثه إلى نصوص جامدة لا تتعايش مع العصر، بل تتصادم معه، لا تضمن السعادة لمن يعمل بها، بل ترهقهم، وتحولهم إلى عصاه، يعانون من عقدة الذنب التي يحاصرهم بها سدنة النصوص الذين أرسوا قواعد الكهانة في دين الله، رغم أنه لا رهبانية في الإسلام”؛ ولكي يُدلل على ما ذهب إليه يقول: “نهر الرسول أبا بكر الصديق- وهو أحب الناس إليه-؛ لأنه نهى جاريتين عن الغناء في بيت الرسول، وقال له: دعهما يا أبا بكر.. لكننا نُحرم الغناء، ونعتبره رجسا من عمل الشيطان، فاجتنبوه.. ومن يسمعه فإنه يتعرض لعذاب الله يوم القيامة بأن يُصب الرصاص المصهور في أذنيه.. وحاشا لله أن يحدث ذلك فما كان لإله رحيم أن يُؤاخذ عباده بلهوهم البريء“.

ولعل من أهم المواقف التي يذهب إليها المؤلف للتدليل على أن أقوال الرسول فهمناها نحن كما يحلو لنا، في حين أن الرسول لم يكن يعني من ورائها ما يذهب إليه المسلمين، هو الموقف الذي ذكره حينما نزل الرسول ضيفا في بيت أبي أيوب، فيقول أبو أيوب في هذا: “بعثنا إليه ليلة بعشائه وقد جعلنا له بصلا، أو ثوما؛ فرده الرسول، ولم أر ليده فيه أثرا؛ فجئته فزعا فقلت: يا رسول الله: رددت عشاءك ولم أر فيه موضع يدك فقال: إني وجدت فيه ريح هذه الشجرة، وأنا رجل أُناجي، فأما أنتم فكلوه”، وهنا يعلق المؤلف على هذه الواقعة بقوله: “كان الرسول يعرف مواضع قدميه، امتنع عن أكل الثوم والبصل؛ لأنه يناجي ربه، ويتلقى عنه الوحي، وليس معنى أنه لا يأكل الثوم والبصل أنه يمنع الناس عن أكلهما؛ فهو رسول له ما يميزه.

من أجمل المواقف التي يذكرها المؤلف في كتابه كيفية تعامل المصريين مع القرآن الكريم، وفهمهم له، ومحاولة تطويعهم لآياته، فيقول: “قد نقرأ القرآن، وقد نسمعه من الإذاعة، لكن عندما نبحث عنه في حياة المصريين العملية، سنجده في صالون الحلاقة على الحائط مُختصرا في “وجوه يومئذ ناعمة”، بل إن بعض الحلاقين يستخدم الآية الكريمة من “نحن نقص عليك أحسن القصص”، ويضع كلمتي “نحن نقُصُ” فقط على اعتبار أن قص الشعر ورد في القرآن، وعندما تترك صالونات الحلاقين وتدخل محلات عصير القصب ستجد القرآن تم اختصاره في “وسقاهم ربهم شرابا طهورا”، وتسير الأمور هكذا على طول الخط؛ فالقرآن عند بداية الاحتفالات أيا كان نوعها وهدفها “إنا فتحنا لك فتحا مبينا”، وعند أي حاكم عادلا أو ظالما “أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم”، وعند المرضى “ونُنزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة”، وعند أصحاب الصيدليات وعيادات الأطباء “وإذا مرضت فهو يشفين”، وعند الطلبة “وقل اعملوا فسيرى الله عملكم”، حتى لو كان عملهم هذا لا يرضي الله، ولا يرضي رسوله، وعند أصحاب محلات الدواجن “ولحم طير مما يشتهون”، وفي النهاية عندما تسأل الشباب لماذا يعاكسون الشباب يقولون لك “وأما بنعمة ربك فحدث“.

كتاب الإسلام المصري هو كتاب يحاول كيف تعامل المصريون مع دينهم، وكيف حاولوا توظيفه تماشيا مع ثقافتهم، سواء على المستوى الخاص، أو العام.

This entry was posted in محمود الغيطاني and tagged , , , , . Bookmark the permalink.