قناة السويس ورائحة التاريخ

عبد الجواد سيد عبد الجواد   عبد الجواد

للتاريخ رائحة، فحتى إن لم تقرأه، فإن رائحته تهب عليك وتهاجمك، من خلال صورة أو ذكرى أو أغنية، فعندما ترى الخواجة ينى يجلس مع عم كوهين وعم حسن، يلعبون الطاولة على أحد المقاهى فى أحد أفلام الأسود والأبيض القديمة، أو لافته على باب أحد المنازل تقول (شقة للإيجار) أو إسم كاتب كبير أو سيدة أنيقة، فلاشك أنك ستتذكر عصر أسرة محمد على، و ثورة 1919م ودستور 1923م، وحقبة الدولة القومية العلمانية، وعندما ترى السيسى يعبر القناة فى يخت ملكى وبدلة عسكرية، فلاشك أنك ستتذكر تلقائياً عبد الناصر وهو يؤممها فى عنجهية سنة 1956م، وأنور السادات وهو يعيد افتتاحها سنة 1975م بالبايب وبدلة البحرية، وحسنى مبارك وهو يعبرها فى ضربته الجوية الأولى والأخيرة سنة 1973م، وباقى الخزعبلات والإحتفالات والأمجاد الوهمية التى عاشتها مصر فى الحقبة القومية العسكرتية!!!

حقيقة ثانية سوف تحملها لك رائحة التاريخ المنبعثة من مياه القناة، وهى أن السيسى قد ألقى برهانه الأخير على إحياء الدولة القومية العسكرتية، بكل شكلياتها الإحتفالية ومضامينها المبالغ فيها أو حتى الوهمية، والتى سقطت مع إنتفاضة يناير سنة 2011م، وليس على الدولة القومية العلمانية التى أسقطها العسكر سنة 1952م، والتى طالبت جماهير 30 يونيو بإعادتها!!!

حقيقة ثالثة تترتب على الحقيقة الثانية، وهى أن السيسى لن يقوم بإنجاز الإستحقاق الثانى من ثورة يونيو، والمتمثل فى إلغاء الأحزاب الدينية، وتحديث التعليم، وإنشاء حزب سياسى يحمل الملامح الفكرية والسياسية لمشروع التأسيس الثانى للدولة المصرية الحديثة، وأنه سوف يلتف على ذلك بمحاولات إنجازات إقتصادية وأمنية، وذلك بهدف الإبقاء على مصر فى المنطقة الرمادية بين العصور القديمة والعصور الحديثة تحت حكم العسكر!!!

حقيقة رابعة وهى أن الفساد والتطرف الدينى،أهم ظاهرتين لحكم العسكر، سوف يستمران فى الوجود والنمو بشكل قد يؤدى إلى قيام ثورة عشوائية أخرى بعد غيابه عن المشهد!!!

حقيقة خامسة وهى أن مرض الشعب المصرى فى الإلتفاف حول الرجل أكثر من الإلتفاف حول الفكرة مازال مرض سارى المفعول!!!

حقيقة سادسة وأخيرة وهى أن المخاوف التى أبداها بعض المثقفين، حتى ممن أيدوا 30 يونيو، من شخص وفكر السيسى هى مخاوف حقيقية!!!

عبد الجواد سيد عبد الجواد

جاكرتا 7/8/2015م

[email protected]

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in عبد الجواد سيد عبد الجواد and tagged , . Bookmark the permalink.