(مصر بين تربية الملوك وتربية الشقوق (1 – 2

علي عويس علي عويس

لست من دعاة الطبقية ولا تعيش بجوار المظالم قناعتي…

بل يتفشى إيماني بالبسطاء الذين أسعدوا الحياة أكثر بكثير من طوابير المتخمين بالنعمة التى فاضت منهم السيئات في كل منحى

 ولكن طبيعة الرصد التاريخي بين موقفين خطيرين في تاريخ مصر جعل لزاما علينا أن يكون العنوان هكذا بعدما قرر أن ينحاز لصالح الملك فاروق في مواجهة محمد مرسي وقد ركب كل منهما عرش مصر…!

الأول ورثه عن آبائة كابرا عن كابر وفقا لأنماط شرعيه ودستوريه تمنح حُكمه الشرعيه الكامله كما هو مستقر في الأعراف الدوليه …

والثاني قادم من الحواري المغلقه التى فتحها عبد الناصر ليصل القاهرة من دروب ريف محافظة الشرقيه المغرق في البساطه التى تدنيه في كثير من سلوكياته إلى ما يشبه طبيعة الفطرة الخام الخاليه من الخبرة والحنكه والقدرة على القياده…!

الأول رغم تنعمه بالثراء ونشأته وفقا لتقاليد أرستقراطيه عريقه في أسرة عمرها أكثر من 150 عام ترك العرش ونزل من فوق الأسطورة الكبرى حين كانت مصر وقتها جاها ومكانا نصف الدنيا حتى لا يراق دم مصري….!!

والثاني صعد بإرادة الجماهير الذين ذهبوا بأوراقهم إلى الصناديق وفقا لميثاق وعقد إلتزام بين الطرفين… وبعد عام كامل رأت الجماهير نكوص الرئيس عن وعودة وتخليه عن الوطن لصالح جماعته التى رأها وطنه الأصيل وراح يخدم بمصر لصالح الجماعة في المنطقه والعالم حينها إنتفض الشعب صاحب الإرادة وخرج بأقدامه إلى الميادين معلنا بحناجره وأياديه ومشاعرة رغبته بتخلى الرئيس عن قيادته….

رفض الرئيس المتطلع لحكم مصر 500 سنه عن النزول على رأي الجماهير وأسرعت جماعته إلى نصرته بحرب الشوارع…وسارع الجيش لحمايه الشعب ومقدرات الدولة قبل نشوب حرب أهلية…..

هذا المدخل لابد منه عند قراءة الموقفين ليتبين الفرق الهائل بين تربيه الملوك وإنتاج الشقوق…. والهوى الليبرالي وموازناته لصالح الوطن مقارنة بهوى يزعم أنه إسلامي وقد ذهب في حرق نفس الوطن مهرولا…

في عام 1952 بعد سلسلة من الأحداث المؤسفه تمخضت عن تحرك مسلح لمجموعه من الضباط الأحرار في الجيش المصري كانت قد تكونت حول فكرة إنقاذ البلاد من الفساد والإستغلال وتغيير الواقع المصري لصالح مستقبل الأجيال….

وبدون غطاء شعبي تحركت منفرده بتوجيه إنذار إلى الملك فاروق ملك مصر والسودان بضرورة التنازل عن العرش..

في هذا التوقيت الخطير من عمر مصر لا يمكن لنا أن ننسي موقف الملك فاروق المشرف حين آثر ترك المُلك ومغادرة وطنه حرصا علي دماء المصريين وقال مقولته الشهيرة – إن نقطة دم مصرية أثمن عندي من كل عروش الدنيا و الرحيل فوراً أهون على قلبي من سفك دماء مصرية حفاظاً على منصبي

حينها كان ملك مصر والسودان دستوريا هو القائد الأعلى للجيش…..وكان لديه ولاء تام من سلاح البحريه والحرس الملكي وبعض القطاعات المهمة داخل القوات المسلحة علاوة على الأمن الداخلي وإمتدادات شعبيه يستطيع أن يسخرها محبوة ومن يملكون مالا ليسعفوه…. ولكنه لم يفعل… بل لم يفكر فيها كي يفعل….!

ورأى أن دماء المصريين وحماية جيشهم من الفرقه والإنقسام أولى بالعنايه والرعاية والإهتمام من عرش ظلت قوائمه متشبثه بالأرض قرابه قرن ونصف من الزمان… الملك فاروق الأول

نزل الملك من على مُلك مصر والسودان… لنتسلم الوديعه من حدود الحبشه إلى الإسكندريه فتصير بعهد الصالحين إلى سودانين الشمالي منها يشكو شماله في حلايب وشلاتين وشمال شماله تتنازعه الفرقه بفعل ثوار الشريعة الذين حرقوا مصر باسم الشرعيه كما حرقوها سابقا في حريق القاهرة الذي دلت على فاعليه اليوم أياديهم المتوضئة الرحيمة…!!  

سارع الملك فاروق ملك مصر والسودان قبل وقوع النزاع إلى إصدار أمر ملكي رقم 65 لسنة 1952 جاء فيه

نحن فاروق الأول ملك مصر والسودان
لما كنا نتطلب الخير دائما لأمتنا ونبتغي سعادتها ورقيها
ولما كنا نرغب رغبة أكيدة في تجنيب البلاد المصاعب التي تواجهها في هذه الظروف الدقيقة
ونزولا على إرادة الشعب
قررنا النزول عن العرش

 وفي تمام الساعة السادسة وأحد وعشرون دقيقة مساء يوم 26 يوليو 1952 غادر قصر رأس التين بالإسكندرية مرتديًا لباس أمير البحر على ظهر اليخت الملكي المحروسة بقيادة جلال علوبة (وهو نفس اليخت الذي غادر به جده الخديوي إسماعيل عند عزله عن الحكم)..وأطلقت المدفعية إحدى وعشرين طلقة تحيَّةً له، وأنزلت سارية العلم الملكي

يقول اللواء محمد نجيب الرئيس الأول لجمهورية مصر العربية فى مذكراته :

جئت متاخراً لوداع الملك بسبب إزدحام الطريق وكانت المحروسة في عرض البحر، فأخذت لنشاً حربياً دار بنا دورة كاملة كما تقتضي التقاليد البحرية وصعدت للمحروسة وكان الملك ينتظرني، أديت له التحية فرد عليها ، ثم سادت لحظة صمت بددتُها قائلاً للملك :

لعلك تذكر أنني كنتُ الضابط الوحيد الذي قدم إستقالته من الجيش عقب حادث 4 فبراير 1942 إحتجاجاً ، فرد الملك : نعم أذكر ، وقلتُ له : حينئذٍ كنتُ مستعداً أن أُضحي برزقي وبرقبتي في سبيلك ، ولكن ها أنت ترى اليوم أنني نفسي أقف على رأس الجيش ضدك ، فرد فاروق: إن الجيش ليس مُلكي وإنما هو ملك مصر، ومصر وطني ، وإذا كان الجيش قد رأى أن في نزولي عن العرش ما يُحقق لمصر الخير، فإني أتمنى لها هذا.

وهكذا اختار الملك فاروق الرحيل عن مصر وعن شعب مصر حفاظا منه على مصر وعلى شعبها.

غادر الملك فاروق طواعية وبأختياره وبعد أن أدى له الضباط المجتمعين لوداعه التحيه العسكرية

غادر فاروق ملك مصر والسودان وأسرته مصر وليس معهم جميعا سوى القليل القليل من الملابس الصيفية التى كانت بحوزتهم أثناء الرحيل حيث أن أعضاء مجلس قيادة الثورة وقتها رفضوا طلبا للملك بأن يأخذ من قصره فى القاهرة بعض إحتياجاته واحتياجات أسرته.

رحل دون أن يأخذ معه الصناديق المليئه بالنقود كما زعموا وكما أثبت التاريخ كذب هذا الافتراء.

ليتضح جليا لكل مراقب الفرق المهول الشاسع بين موقف الملك الوطني حين تنحي عن العرش وموقف الرئيس الملتحي الذي دخل بالبلاد في تناحر شل قوتها وفتت تماسكها وسيكون له من الأثر المثير على مستقبلها عندما آثرت جماعته تمرير أجندات أجنبيه خانت بها من أجل الكرسي وطنها…

علينا أن نعيد قراءة كل شئ مجددا بعيون موضوعيه تحيد بنا عن بلع الضلالات العجيبه التى شوهت أحكامنا على كل شئ فتأخرت نهضتنا وأكلت الفرقه فتوتنا…. فمصر تستحق نخبة أفضل وشعب بوطنه أجمل وأرحم…..

This entry was posted in علي عويس and tagged , , . Bookmark the permalink.