الإباحية في أدب النساء العربيات

 نعيم إيليا         امرأة                 

    تروي كتب الأدب (1) أن الأميرة الأندلسية القرطبية ملهمة ابن زيدون؛ ولادةَ بنت المستكفي بالله، كانت على طيب عرقها، وفخامة منبتها، ذات فتنة صارخة، وأنوثة طاغية، وموهبة شعرية نادرة، قوية الإحساس بكيانها، شديدة الزهو بملكاتها، تمتّع بسلطة قد نفذ أمرها بعيداً في قلوب وعقول من أحاط بها من الأمراء والشعراء. وكانت تبدّى لأعين الرجال في (صالونها) الأدبي الأنيق دون حجاب يغطي جمالها الشهيِّ، أو خمار يحجب نور وجهها البهي، وهي كالفراشة بينهم، تختال بزينة وثوب من حرير قد طرّزت “على عاتقيه” بيتين من شعر لها على وزن الوافر الرشيق باتا على كل شفة ولسان حتى يومنا هذا:

    أنا واللهِ أصـــلحُ للمعــــــــــالي وأمشي مشيتي وأتيهُ تيها

    وأُمْكنُ عاشقي من صحنِ خدِّي وأعطي قبلتي مَنْ يشتهيها (2)

    وكانت جريئة في القول والسلوك، تجهر بمكنوناتها ولذاتها، وتصور مغامراتها الليلية مع عشيقها ابن زيدون بأسلوب يحاكي أساليب الرجال:

    ترقَّبْ إذا جُنَّ الظلامُ زيارتي فإنِّي رأيتُ الليلَ أكتمَ للسرِّ

    وبي منكَ ما لو كان بالشمسِ لم تلُحْ وبالبدرِ لم يطلُعْ وبالنجمِ لم يسرِ

    فلذلك عدَّها الدارسون حالة استثنائية مفاجئة في الثقافة العربية لم تشهدها هذه الثقافة قط إلا بعد ذلك بقرون؛ في بداية الألفية الثالثة أو قبلها بأعوام. بل بينهم من أنكر وجودها قاطبة وزعم أنها حكاية من نسج خيال الرواة؛ لما فيها من تجاوز عن الصورة النمطية للمرأة المسلمة. وهي تمثل حالة من العصيان تمردت فيها الأنثى على سلطة القيم الذكورية التي لا تبيح لها أن تنطلق منطلقاً حراً في فضاء البوح الصريح عن اختلاجات الجسد برغائبه وأشواقه.

    بيد أنهم لم يهملوها، ولم يشيحوا عن العناية بشعرها على قلته، ولم يملوا البحث عن العوامل الاجتماعية والنفسية التي كان لها فضل في بناء شخصيتها، وتكوين ملامحها الفنية المتفردة؛ إذ أضحت ولادة في ذاكرة الأجيال رمزاً لحرية تذوقت نعماها امرأةٌ عربية قبل قرون.

    وما كان لظاهرة ولادة الاستثنائية هذه، أن تقفز فوق الزمن؛ فتصبح مدرسة تخرِّج أديبات يحتذينها – وإن يذكر مؤرخو الأدب أسماء نساء جارينها كمحظيتها مهجة القرطبية – فللزمن أحكامه وشروطه الصارمة. كان ينبغي الانتظار قروناً طويلة كي تشهد الثقافة العربية ولادة جيل جديد من النساء سيتمكّنَّ بفضل منطق التطور، وتبدل الأحوال، والتأثر بآداب الأمم الغربية ونهضتها، من أن يملأن صفحة متقدمة – لولا ظاهرة ولاَّدة لقيل فارغة – من صفحات الأدب العربي، اصطُلح على تسميتها (بالإباحية) التي تعني التعبير عن العلاقة الجنسية بلفظ صريح اطرح الكناية، وبتفصيل وتدقيق لا يحابيان ذوق المتحفظين، ولا يحتاطان لأنفسهما من غضبة الكهوفيين (3).

    ففي قصيدة سوسن السوداني (أعشقك كما أنتَ) على سبيل المثال، من التصريح ما لو وقف عليه ناقد أو قارئ كهوفي، لحكم على القصيدة دون تردد بأنها خليعة العذار، قد ألقت عنها رداء الوزن والكبت، وتزيّت بدوال من ضراوة الشبق وشهوة الوصال، ما أبيح منها وما لم يبح (4) :

    بربرياً

    تضرم نيرانك حولي

    تغزوني

    تغدق بوجع العشق

    وتمطر شامخا

    فوق صحرائي

    سأكون غمدا لسيفك

    وفرسا تصهل نشوة

    أريد الحياة

    أرتعش

    مبتهجة أنا

    وسط غابات الرجال

    أتحرر من قيودي واضطراباتي

    وأنتقي ما أريد

    سألهو بغاباتكم

    وأقتلع زهوركم

    وأمتطي صهواتكم

    سأكون فارستكم هذه المرة

    تحت ضوء القمر

    سأعريكم

    ضرام، غزو، مطر، صحراء، غمد وسيف، صهيل فرس، رعشة، غابات رجال، فارسة تمتطي صهوات الرجال، بهجة، تحرر واختيار، عريٌ، رغبة صاخبة في الحياة… هي المشاهد التي تلفح القارئ هنا، كأنما نسجتها الشاعرة من خيوط من نار. منها ما هو مألوف كثير التداول في أدب الرجال: كالضرام، والعري، والغزو، والغمد والسيف – وهذه الأخيرة صورة مادية مكرورة معروفة في الأدب القديم كصورة المرود والمكحلة، وقد استخدمها أدونيس في حداثته ولكن في معنى آخر مدح به دولة الرئيس شكري القوتلي إذ قال: فأنتَ لنا السيفُ ونحن لكَ الغمدُ – ومنها ما هو بديع مستحدث: كغابات الرجال؛ التي ترسم في الخيال صورة الجذوع المنتصبة، وتحدّث في همس عن رغبة مستترة للمرأة في تعدد الرجال لم يفلح القهر في استئصالها، وكالتحرر من زواجر العفة، وكصورة المطر يدفق فيطفئ حَرَّ الصحراء، أو قل – إن كنت من أهل الجهر -: حرَ عاشقة برّح به الظمأ، وكالنسبة إلى البرابرة وهي صورة تحيل إلى قوة الباه والعنف فيه، إن صح الفهم.

    ولكنّ الصور التقليدية، إن تعمّدت بطيب أنفاس الأنثى ورحيق لهاثها المسكر، أشرقت جدة، وطرافة، وبهجة، حتى لا يكاد المرء يحس بما آلت إليه من الإنهاك والشعث في سيرها عبر مراحل الزمن الوئيد.

    وفي (برهان العسل) لسلوى النعيمي سرد يصطخب بمتاع الجسد، جريء كأشد ما تكون الجرأة، يشف عن مواطن اللذة على أشكالها؛ سرد له وهج ربما أهاج غريزة القارئ النوعية فانتصبت، أو استفز نهد قارئة غافياً من مخابئه فهبَّ من غفوته:

    “كان يعانقني خلف الباب المغلق عناق الوداع ولا نستطيع فراقاً.

    يقبلني ويقبلني، ولا أستطيع فراقاً، وأركع أمامه وأنحني أفرك رأسي عليه وأريده أن يملأ

    فمي وأكاد أختنق لهفة، وينتشر وأمتص شرهة حتى آخر قطرة وأرفع عيني إليه لأرى

    وجهه المعذب باللذة يتشنج مرمياً إلى الوراء ويداه على شعري. الآن فقط يمكنني أن

    أعود العالم مضيئة بطعمه في فمي ثقيلاً أبيضَ حلواً يتضوع برائحة الكافور…”

    “عندما استخدم المفكر يوماً كلمة فرنسية، سألته عن ترجمتها العربية:

    – استعمال (لاط، يلوط) شائع حتى في الدارجة. لماذا تسألين؟

    – لا أعرف أجد الكلمة مناسبة للرجال، ولكنني أريد أن أخترع كلمة جديدة عندما يتعلق الأمر بالنساء ما رأيك أن أصرف فعلاً من الاسم (سدم) من (سدوم) كما في الفرنسية. هكذا نميز بين الحالتين

    – التمييز واضح كما تعرفين، ولا حاجة بنا إلى اختراعاتك اللغوية.

    – اسمع، جدياً، كما نقول: ضرب عمرو زيداً، سنقول: سدم زيد هنداً. ما رأيك؟ ننتقم له بهذه اللذة بعد أن شبع ضرباً في كتب اللغة.

    – فكرة.

    يقترب من السرير، أنبطح على بطني رافعة ظهري معتمدة على ذراعي، هو خلفي ولا أراه، تمرُّ كفاه بإصرار ترسمان حدودي من الكتفين إلى الفخذين لتستقرا على مؤخرتي، يشدني إليه، ألتصق به أكثر كي أمتلأ به أكثر، أدفن وجهي في الوسادة لأخنق همهمات لذتي المتوحدة مع حركاتنا وكلماتنا. كنت أعرف أنّ “الجماع أفحشه ألذه”، ومع ذلك كنت أحاول أن أكتم حتى أنيني. “.المرأة والتصوف

    وتنزاح السجف في المشهد التالي من رواية (اكتشاف الشهوة) لفضيلة الفاروق، عن امرأة تحتدم الشهوة في دمائها من مداعبات العشيق، قبل أن تنصهر في أتُّونه:

    “لم يعد بإمكاني التماسك واقفة، فعانقته، ولكن يديه تراقصتا حولي، فكّتا حمالة الصدر، فتحرر نهداي وصار بودي أن أبحث عن صدره العاري، أن أصطدم به، أن أتحول إلى لبوءة شبقة، أن أنصهر تحت ثقله، أن أتوحد معه، أن أصرخ وهو يخترقني أن ألهث من المتعة، أن تتقاطع أصواتنا عند الرعشة وننتهي مبعثرين الواحد فوق الآخر، كان بودي… ويداه تتسللان إلى الموضع الأكثر دفئاً ولزوجة، أن أكون له وحده أن يضغط على نهدي أكثر أن يؤلمني قليلاً ما بين الفخذين…”

وفي (التشهي) لعالية ممدوح امرأة أخرى أشد نهماً إلى شريكها من الحيوان في ” أيام هوسه ووصاله” :

    “هي أهدأ مني لكني كنت أشعر أنها الأعنف، فالرغبة لديها تبدأ تدريجيا والوصول إلى الذروة يتم علي خط يكاد يكون شاقولياً. لم أرتبك وهي تقلبني علي ظهري وتبدأ بلحس المني فيختفي كل شيء داخل الفم وبين الشفتين فتئن كالحيوان في أيام هوسه ووصاله

    وفي رواية (نساء عند خط الاستواء) تقترف بطلة زينب حفني تجربة المثلية المحرمة:

    ” لاحظت مها شيئاً غريباً يتسرب لجو الحفلة، الأنوار خفتت، العيون أخذت توزع إشارات مبهمة ذات مغزى، في آخر القاعة التصقت كل اثنتين في أوضاع مثيرة، أفاقت من ذهولها على صوت صاحبة القصر: “هل أنت مسرورة؟؟” لم تعلق مها، ضغطت صاحبة القصر بيدها على يد مها، سحبت مها يدها، كررت المحاولة بالضغط على فخذها بأصبعها كأن (ماسا) كهربائيا ألهب جسدها، رفع حرارة انفعالها، أحست بالبلل، قامت مسرعة، لحقتها صاحبة القصر قائلة بدلال: “هل ضايقتك؟؟” تحاشت مها نظراتها النارية، أبدت رغبتها في الانصراف، رفضت صاحبة القصر طلبها بحجة أن الحفل مازال يحمل الكثير من المفاجآت، دعتها للفرجة على أنحاء القصر، وهي ممسكة بيدها، وكلما حاولت مها سحبها، ضغطت عليها صاحبة القصر أكثر، ساقتها لغرفة نومها، أذهلت مها فخامتها، شدتها صاحبة القصر بجانبها على الأريكة قائلة لها: “تعالي بجانبي..كلتانا مجروحتان.. جربي عالم النساء ستجدين أنه أروع كثيراً من عالم الرجال.

    وقد سبق للروائية إلهام منصور أن طرقت (المثلية) وحكت عنها بإسهاب وفصاحة وواقعية مدهشة؛ سردتها بلغة سهلة لا تكاد أحياناً ترقى عن لغة العوام إلا درجة أو اثنتين، عبر تجارب جنسية مثيرة في أعمالها الأدبية، ولا سيما في روايتها (أنا هي أنتِ) حتى خيِّل للناس لشدة إثخانها في موضوعها، واستغراقها فيه أنها تساحق حقيقة مثل شخصيات رواياتها. ولعل تخصصها في الفلسفة، أن يكون وجّه عنايتها إلى معالجة هذه القضية في محاولة طموحة أرادت إلى الإجابة عن السؤال الصعب: لماذا المثلية!؟

    ما عسى أن تكون غاية الطبيعة من زرع هذا الميل العجيب في دم الإنسان؟:

    ” طوقت ميمي خصر سهام بذراعها وخرجتا إلى الشرفة وبدأتا بالشرب. حين أغربت الدنيا سمع صوت بعض الانفجارات البعيدة، فدخلتا إلى الصالون، كان المشروب قد بدأ تأثيره عليهما، تعانقتا وبدأت الشهوة تأكل جسديهما

    وأخذت تداعب جسد ميمي من تحت فستانها بطريقة مثيرة للغاية وهي كانت تتجاوب وتداعب جسد [صديقتها] بالطريقة ذاتها إلى أن انتشتا وأشبعتا جسديهما الملتهبين“.

    فلم يكن إلا متوقعاً أن ترتفع صرخات الاحتجاج والسخط والتسفيه والإنكار في العالم العربي؛ من غير قليل من المنتقدين ومن القارئين إزاء هذه المشاهد الصريحة غير المألوفة في أدب النساء. وكانت هذه الصرخات قوية مدوية، أين منها تلك الهمسات العاتبة برقة، أو ذاك اللغط الخافت يحركه عند القدماء تمردُ ولاّدة على التقاليد!.

    وقد عرض حميد طولست مواقف “المهتمين” بهذا الأدب، وذكر آراءهم في مقالة تناولت هذا الموضوع بإيجاز(5)، فقال:

    “يرى بعض المهتمين، أنه “أدب ترفيهي مكشوف، وسرد شهرزادي خاص بغرف النوم”، وينظر إليه في الخطابات الشعبية على أنه معرفة محرمة اقترنت بالفضيحة والهامش، وكتابة مثيرة للغرائز وباعثة على ممارسة العادة السرية وارتكاب الفاحشة وممارسة الرذيلة وانتشار الزنا واللواط” ، وهو عند البعض الآخر أدب رفيع من حيث مكوناته البنيوية، ومن حيث موضوعاته فهو أدب مدنس“.

    وعرضت له أيضاً أماني أبو رحمة، ولكنَّ عرضها له لم يكد يخرج عن هذا النسق من النقد. إنه نقد يعلن بهبوط المستوى الفكري لهذا الأدب أكثرِه، وبضعف “مكوناته البنيوية” (6):

    ” تتسم أغلب الأعمال المطروحة ضمن هذه الظاهرة بالسطحية والضحالة الفكرية والثقافية فضلا عن الفقر الإبداعي والخيالي وضعف الأسلوب وركاكة اللغة مما يجعلنا نشكك في نسبتها الى الأدب والإبداع أصلا.” ونعتقد ان كاتباتها اتخذن من الايروتيكية او الإباحية الورقية موضوعا للشهرة وولولوج عالم الأدب من أسهل أبوابه“.()

    وكما انشغل الدارسون بظاهرة ولادة، وجدّوا في البحث عن عوامل ظهورها، سينشغل الدارسون المحدثون بظاهرة الأدب النسوي الصريح أيضاً، ويجدّون في البحث عن علل نشوئها.

    ففي (الأفعى والتفاحة) يتساءل ثائر العذاري: “لماذا؟ ولماذا الآن؟” (7) ثم لا يلبث حتى يجيب:

    “قد يكون من الصعب أن نجد تفسيرا مقنعا لهذه الظاهرة ولكن يمكننا وضع إشارات أولية قد تكون قريبة من التفسير المقبول. هذه الظاهرة لم تظهر إلا بعد غزو العراق، مما يشجعنا على الربط بين الأمرين، فما حدث أن البلاد تغرق في حرب أهلية طاحنة ومجنونة ، لكن ما يعرفه العراقيون أن عمليات الاغتيال والخطف ، خاصة في المناطق الساخنة ، تعفي النساء وتستهدف الرجال والشباب.

    الشريك اذن هو المستهدف بالقتل ، ومن هنا تجد المرأة نفسها بوصفها القادرة على العطاء والخصب مدفوعة الى تعويض الضحايا ، موضوعة الجنس هي الموضوعة المقابلة والمضادة لموضوعة الحرب. كما كان ذلك هو الحال في الميثولوجيات القديمة“.

    بيد أن تفسيره – وإن يكن صحيحاً في ذاته – ليس من السهولة القبول به، أو التعويل عليه في فهم أسباب نشوء هذه الظاهرة الأدبية. فإنّ “موضوعة الجنس” قد يمكن أن تلقى رواجاً في زمن الحرب، من حيث إنها فعل تكاثر جنسي يعوض الضحايا، أو من حيث إنها مرادفة لمعنى اقتناص اللذة في الواقع؛ لخلق حالة من التوازن النفسي في حياة الإنسان الذي أرهقته الحرب بمآسيها. ولكن الحرب لن تكون شرطاً لإنتاج أدب نسوي (إيروسي). ولو كانت الحرب كذلك، لظهر هذا الأدب في الغرب في أثناء الحرب الثانية، أو لشاع في بلدان أنهكتها الحرب مثل أفغانستان.

    زد على ذلك أنّها لم تخرج من العراق حصراً، وإنما خرجت من بلدان عربية أخرى لم تدر فيها رحى الحرب. تقول أماني أبو رحمة (8):

    ” انفجارها [الإيروسية] في مجتمعات ترى أن أي نزعة تحررية نسائية هي رديف للرذيلة. فعلى سبيل المثال أن رواية رجاء الصانع “بنات الرياض” ورواية صبا الحرز “الآخرون” ووردة عبد الملك “الأوبة” جاءت من العربية السعودية ـ ومن المفارقات ذات الدلالة ان هوية الكاتبتين الجنسية لا زالت موضع جدال!!ـ. و من الأردن جاءت رواية “خارج الجسد” لعفاف البطاينة و رواية “مرافئ الوهم” لليلى الأطرش و رواية القاصة حزامة حبايب “أصل الهوى . و في الكويت نجد “صمت الفراشات” للكاتبة ليلى العثمان وفي العراق عالية ممدوح في روايتها “الغلامة” و “المحبوبات فضلا عن الجزائر والمغرب وسوريا ولبنان ومصر “.

    ويقول حميد طولست مثل الذي قالته أماني أبو رحمة بهذا الصدد:

    “والغريب في هذه الصحوة النسوية، هو أنها خرجت جلها من البلاد العربية الأكثر محافظة. فقد شهدت السعودية طفرة في الأدب النسوي المتمرد على ثقافة مجتمعها المنغلق، وخطَّت نهجاً في الكتابة الإباحية، وتناول موضوع الجنس، بما في ذلك التناول الصريح للعلاقة “المثلية” أو “السحاقية”، ليس فقط بوصفها ظاهرة منتشرة، إنما أيضاً في الإسهاب في وصف الممارسة الجنسية المثلية، دون أي خوف من ملاحقة المجتمع المحافظ“.

    إذاً، فإنَّ حرب العراق لم تكن هي التي أنتجت هذه الظاهرة.

    فإذا لم تكن الحرب هي التي أنتجتها، فما الذي أنتجها؟ ما هي العوامل والظروف التي دعت إليها، وأوجبت ظهورها؟

    في مقالته آنفة الذكر، يرى طولست أن هذه الظاهرة مرتبطة بالظلم الاجتماعي، الذي تقاسيه المرأة العربية في محيطها الخارجي وفي محيط الأسرة، ويرى أنها تعبير عن نزوع إلى تحدٍ يروم تحطيم أغلال” الثالوث المحرم” الذي يرهب المجتمعات العربية ويقمع تطلعاتها نحو الحرية. أضف إلى ذلك أنها مناسبة مؤاتية تثبت فيها المرأة قدرتها “على منافسة الرجل” في مجال الإبداع:

    “فإذا أمعنا النظر في الكتابات النسائية عند المرأة العربية وتجرؤها على تابوهات المقدس والمحرم، نجد أن جلها لم يكن إلا حفرا في خفايا الظلم الذي لحق بها اجتماعياً من قبل الرجل الغارق في الموروث الذكوري ـ زوجاً كان أو أباً أو أخاً ـ، وهتكا لأستار الثالوث المحرم: الدين، الصراع الطبقي، والجنس الذي كان ولازال أكثر التابوهات التي تجرأت عليها المرأة العربية، ليس فقط في الأدب، وإنما في كل الفنون التعبيرية من رسم، وتشكيل، وسينما، وغناء، ورقص. وهنا يجدر القول بأن الشاعرات والكاتبات والروائيات العربيات استطعن بجرأتهن على خوض غمار الكتابة الإيروتيكية أنْ يؤكدنَ قُدرتهن على منافسة الرجل في ساحة الخَلق والإبداع، وتجريدِه منَ هالة التفرد بهما التي طالما تباهى أو تبجح بها“.

    وهذا رأي يخالف رأي أماني أبو رحمة التي تعتقد أنّ: ” تفشي هذه الكتابات في الدول العربية تحديداً في العقد الأخير لم يرتبط بحركة أدبية أو ثقافية أو اجتماعية هادفة” (9).

    والحقّ أن “الظلم الإجتماعي” – رغم اعتماده أيضاً عاملاً مؤثراً في نشوء هذه الظاهرة من عدد من الأديبات العربيات، مثل: سلوى النعيمي، التي ألمحتْ إليه في مقابلة لها، عندما ألقي إليها بالسؤال التالي:

    “أنت تقيمين في باريس، هل كنت ستكتبين بتلك الطريقة لو كنت مقيمة في دولة عربية؟“.

    فكان جوابها:

    “لا أعرف الجواب، ولا أحب “لو”. ربما كنت أكتب كتابا أكثر جرأة، فمع الضغط يمكن للفرد أن يثور أكثر. بطبعي أنا شخصية معاندة، ربما كنت كتبت كتابا أكثر جرأة… “

    وفضيلة الفاروق، التي عبرت عن رأي مشابه له في إحدى مقابلاتها التلفزيونية دافعة عن أدبها شبهة الجنس( 10) :” نحن اليوم إن مرِّرنا سطراً عن الجنس لحرقة في قلوبنا ولرفع الظلم عنا نصنّف (كتاب جنس)” – قد لا يكون عاملاً مباشراً في نشوء هذه الظاهرة؛ لأنّ الظلم الاجتماعي بمعناه الواسع، مادة للمعالجة الفنية والأخلاقية عند جميع المبدعين في كل العصور ضمن أطر الكشف والفضح والتنديد والاحتجاج والثوران؛ التي تحدد وظيفة الأدب عامة. ومما يؤيد هذا، أنّ الأدب النسوي (الإيروسي) في الغرب لم ينشأ في خضم الثورة على الظلم الاجتماعي، وإنما نشأ بعد أن ندر الظلم الاجتماعي من حياة المرأة الغربية مع بداية الستينات، عندما انطلقت الثورة الجنسية إثر شيوع أقراص منع الحمل في الاستعمال، وانتشار عوامل حضارية جديدة في البيئة الغربية، وازدياد نشاط المنظمات النسوية فيها تطرفاً وحدَّة.

    ولكنّ “هتك الثالوث المحرم: الدين، الصراع الطبقي [السياسة]، الجنس”، يعدُّ الإطار العام الذي يضم النشاط الأدبي للمرأة العربية، مع أنه لا يكاد يكون عاملاً مستقلاً منفصلاً عن (الظلم الاجتماعي)؛ إذ أن هذه الأقانيم الثلاثة ليست عند التدقيق، إلا المظاهر التي يتألف من اجتماعها وتضافرها المبدأ العام لفلسفة الظلم الاجتماعي: فالدين يظلم المرأة، والشرائع السياسية تظلم المرأة، وغياب الحرية الجنسية ظلم لها بلا امتراء. كما أنه لا يكاد أن يكون نشاطاً مما تنفرد باجتراحه المرأة دون الرجل.

    ومما يجب قوله هنا: إن هذا الثالوث لا تحظى أقانيمه جميعاً بدرجة متساوية من التركيز والعناية في التعامل معها من جانب النساء الأديبات؛ فإن “موضوعة الجنس” لها درجة أعلى من حيث الاهتمام والعناية والتركيز من درجة السياسة ودرجة الدين – وإن كان الجميع في نهاية المطاف متواشجاً – ولهذا لم يكن (محمد لافي) بعيداً كل البعد عن الصواب في خطابه المنشور في جريدة الرأي الأردنية عندما أنكر على الكاتبات [والكتاب!] جرأتهن على الجنسي والديني دون السياسي (11):

    ” وبالمناسبة، وعلى ذكر كسر التابوات لماذا لا يجرؤ بعض الكاتبات والكتاب من هؤلاء على كسر التابو السياسي العربي، وفقط يلبسون قناع البطولة في الجنسي والديني، ام ان هذين الاخيرين بلا حرس ولا جلاوزة؟!. وكل ما سينجم عن هذا التطاول مجرد ضجة آنية، او زوبعة في فنجان، ستكون محصلتها الشهرة، وزيادة المبيعات، في الوقت الذي يتهم مثيرو هذه الزوبعة بالتخلف والرجعيةّ ثم هل حُلت كل القضايا الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية الساخنة في فلسطين، والسودان، والعراق، ولبنان، ولم تتبق سوى مسألة المرأة في المجتمع الذكوري، حيث تساهم الكتابات التي تعالج هذه المسألة في تكريس المرأة كموضوعة جنسية تماما كالدب الذي قتل صاحبه“.

    وهذا الخطاب من ناحية أخرى، يكاد يطابق في بنوده الفكرية وفي منطقه ما جاء في ورقة أماني أبو رحمة (12) من اتهام لهذا الأدب باعتزال قضايا المجتمعات العربية وإهمالها، ولا سيما السياسية منها، وإغراقه في مشكلات الجسد تلك التي تصطدم بالمقدس حتماً، فتمنح المقدس وأتباعه ذريعة للانقضاض على حركة التحرر النسائية وسلب ما تحقق لها من الإنجازات. ويكاد أن يشترك معها في لهجتها الوصائية على الأدب ومبدعيه؛ هذه اللهجة التي تروج عادة في المجتمعات التي يسودها الضمير الجمعي:

    “عندما تطاولت بعض الكاتبات على كل مقدس لم يكن بالضرورة ضد حقوقهن ومطالبهن العادلة، بل وفرن بذلك فرصة ثمينة لأعدائهن الذكورـ ان جاز التعبيرـ للانقضاض على النساء ووصفهن بأقذع الأوصاف وبأنهن أساس كل بلاء وفجور ونددوا بانفصالهن عن قضايا الأمة ودعوتهن الى التحلل من كل التزام في وقت تكالب فيه أعداء الأمة عليها . وبودي أن أوضح أنني لست مع تأجيل معركة النضال الاجتماعي لأنها ليست أولوية بالنسبة للاحتلال مثلا ـ الأمر الذي دفعت النساء الفلسطينيات على سبيل المثال ثمنه طويلا ـ ولكن الأمر لا يتعلق بنضال اجتماعي او دعوة للعدالة والمساواة وتكافؤ الفرص بقدر ما يتعلق بموضوع الحرية المطلقة وتحديدا حرية منح الجسد والمتع الحسية للمرأة بلا قيد او شرط الأمر الذي يهدد المجتمع بأسره وينذر بمواجهة لا تحمد عقباها ربما تخسر النساء فيها كل ما أنجزنه على مدى عقود“.

    فأما ما يراه طولست من أن: “الشاعرات والكاتبات والروائيات العربيات استطعن بجرأتهن على خوض غمار الكتابة الإيروتيكية أنْ يؤكدنَ قُدرتهن على منافسة الرجل في ساحة الخَلق والإبداع، وتجريدِه منَ هالة التفرد بهما التي طالما تباهى أو تبجح بها“.

    فإنه يحتاج إلى تدقيق؛ لأن المرأة إذا كانت “تنافس الرجل”، فهي تنافسه لتثبت أنها نديده في كثير من مجالات الحياة، وأنها نديده في الحقوق والواجبات، ونديده في قوة الشعور والعاطفة والشهوة، كقول سوسن السوداني (13):

    “فما تشتهونه نشتهيه

    ومايطيب لكم يطيب لنا

    ولأن المرأة إذا سعت إلى “تجريده من هالة التفرد”؛ تفرُّدِه بطاقة التعبير الصريح عن تجاربه الجنسية؛ فلكي تثبت بالدليل أنها مساوية له في الكفاءة، والموهبة، والقدرة على التعبير الصريح، وكل هذا حسن لا غبار عليه! بيد أنها لن تكون منافسة له في ساحة “الخلق والإبداع” على أية حال (14)، لا لأنها لا تملك شروط الخلق والإبداع التي يملكها الرجل؛ بل لأنَّ لها لغة خاصة تتميز من لغة الرجل، كما لها صوت يتميز من صوته، وبنية تتميز من بنيته. ولكم سيبدو غريباً هنا إذا تخيل المرء ولاَّدة تنافس ابن زيدون، وليلى الأخيلية تنافس توبة بن الحُميَّر، وأنايس نين تنافس هنري ميللر، وسيمون دو بوفوار تنافس سارتر، ومي تنافس جبران، وفيروز تنافس وديع الصافي، ولاعبات كرة القدم ينافسن لاعبيها من الرجال!.

    ومما كثر تداوله من الآراء، عند ذكر عوامل نشوء الأدب النسوي الصريح، رأي يزعم أنّ الحافز إليه هو ابتغاء الشهرة. عبرت فريال حقي عن هذا الرأي بوضوح (15) إذ قالت:

    ” فعلا هذا ما حدث، وأظن ذلك مرجعه، إلا أن الكثير من الأقلام الأدبية بما فيها النسوية تريد أن تصنع لنفسها الشهرة بأي وسيلة للظهور ولتطفو على الأسماء الأدبية التي تنشط علي الساحة الجزائرية وحتى العالمية. شخصيا أمقت هذا النوع من التأثير على عاطفة القارئ ومحاولة استدراجه بطريقة او بأخرى نحو هذا النمط من الكتابة، مع أنهم يعرفون أن الإنسان نصفه جنس ونصف الثاني عقل وليس حيوانا يبحث عن اللذة الجنسية فقط بحكم غريزة النوع. كما يخلف هذا النوع من الأدب آثارا وخيمة على نفسية القراء خاصة منهم فئة الشباب“.

    وتجاريها فيه أماني أبو رحمة (16):امرأة عرب

    “ونعتقد أن كاتباتها اتخذن من الايروتيكية أو الإباحية الورقية موضوعا للشهرة ولولوج عالم الأدب من أسهل أبوابه“.

    وحق هذا الرأي أن يهمل؛ لأنه أقرب إلى الاتهام، ولأنه يحمل في داخله أسباب تهافته؛ “فالايروتيكية أو الإباحية” إن تكن سبباً للشهرة، فما يمنع الأديبة أن تتسلقه إليها؟

    وإن تكن باباً سهل الولوج إلى الأدب، فما يصدها عن ولوجه؟ أليس الناس جميعاً يطلبون الشهرة، لما فيها من خير مادي ومعنوي، من أضيق أبوابها حيناً وأوسعها!؟

    وإنّ الشهرة إذ ينالها أديب من الناس، فإنما ينالها مكافأة له منهم على إبداعه، واعترافاً منهم بفضله. فإذا كانت الشهرة تُنال بوساطة التصريح أو الإباحية، فقد دلّ ذلك على أنّ التصريح أو الإباحية فضيلة تعجب الناس، وإبداع يرضي أذواقهم. ففيم الاعتراض إذن؟ وفيم السخط؟.

    وثمة رأي يحاول أن يصل بين ظاهرة الأدب النسوي الصريح وبين التراث القديم بأسبابٍ. وهو يبتغي من هذا المحاولة أن يحمل الناس على الاعتقاد بأن التراث حافز من حوافز نشوء الظاهرة؛ أو يريد أنها منبثقة عنه أو هي امتداد له. غير أنّ هذا الرأي ليس عند التحقيق إلا لوناً من ألوان التبرير، أو محاولة “لإيجاد الشرعية” كما تقول أماني أبو رحمة (17): “في محاولتهم إيجاد شرعية للكتابات الايروتيكية , تشدد كاتبات هذه الظاهرة ومناصريها من الذكور على وجود الايروتيكية في التراث العربي الأدبي والتاريخي والديني منذ قرون بعيدة ويدللون على ما يذهبون إليه بوجود كتب قديمة وحديثة تنضح الإيروتيكية وأخبار الجنس وطرق ممارسته“.

    من هذا ما جاء في (برهان العسل) لسلوى النعيمي مما يعلي من قيمة التراث، ويبين عن أثره في تكوين شخصية بطلتها الفكرية:

    “مع (المفكر) أدركت قيمة ما أقرأ ووعيت أهميته. صرت أتنقل بين أحمد بن يوسف التيفاشي، وعلي بن نصر، والسموأل بن يحيى، ونصر الدين الطوسي، ومحمد النفزاوي، وأحمد بن سليمان، وعلي الكاتبي القزويني، والسيوطي، والتيجاني، وكأنني بين أصدقاء. أقرأهم وأستعيدهم، أتمزمز بنصوصهم وأترجم حياتي إلى كلماتهم. أحتفظ بها لغة سرية لا أجرؤ على البوح بها، إلا للمفكر“.

    ومما يصرِّح عما تستشعر من متعة لدى سماعها لغة التراث “البذيئة”، وكأن حبالها ما زالت موصولة بماضيها، حتى لتعجب من أولئك الذين يتفادون اليوم النطق بها، أو يلجأون إلى استعمال مفرداتها بأسلوب الكناية والرمز أو بإحلال ألفاظ فرنسية محلها:

    ” أنا أنيك إذاً أنا موجود. لماذا لا يمكنني أن أقولها أو أكتبها بالعربية؟

    بالعربية،النيك، لفظاً وفعلاً، ممنوع من العلنية في أيامنا هذه“.

    ومن ذلك أيضاً ما صرحت به جمانه حداد في حديث لها مع علي الديري (18):

    “أنا لم أزعم أني اخترعت الايروتيكيا العربية. لا أنا اخترعتها، ولا اخترعها أولئك الذين يتحدثون اليوم عن “جرأة الفتح”. جرأة الفتح الحقيقية في اللغة العربية، جرأة الانتهاك والبوح الصادم المتفلت من التابوهات، قام بها كتابنا قبل ألف سنة وأكثر“.

    ولم يلق هذا الرأي أيداً؛ بدعوى أن التراث القديم من هذا الجانب، (ذكوري) في مضمونه ولغته، وأنه – إذا استثنينا ظاهرة ولادة – ليس غير حكايات وأخبار ونوادر متفرقة بعيدة كل البعد عن أن تكون أدباً صحيحاً مكتملاً، وقد بينت ذلك أماني أبو رحمة إذ قالت: ” إن عزو انفجار الكتابات الايروتيكية النسائية في هذه المرحلة الى وجود تراث عربي ايروتيكي ذكوري لا يعتبر تفسيرا لهذه الظاهرة فمن ناحية نجد ان هذا التراث في اغلبه الأعم ذكوري التوجه يعزز الهيمنة الذكورية وشيئية المرأة فضلا عن انه لا يعد أدبا بالمعنى المتفق عليه قديما او حديثا“.

    ولذلك فإن أيّ سعي إلى الربط بين الأدب النسوي الصريح المعاصر من أجل تفسيره، وبين التراث، لن يفوز بطائل.

    غير أن ربط الظاهرة بالتراث – إذا حقّ الاستطراد هنا – قد يكون له ما يسوغه. فإن المقدس رقيبٌ، وهو أشد خطراً على الكلمة من السلطة السياسية، وأحكم منها قبضة، لا يكاد يغفر ذنباً فيما أحله من القواعد، ولا يغمض جفناً على “فاحشة“.

    وهذا الذي يفسر، في أكبر الظن، الإلحاح المتعمد على التضمين والاقتباس من القرآن والحديث: كما في (بنات الرياض) لرجاء عبد الله الصانع، وفي (برهان العسل) لسلوى النعيمي حيث تقول:

    ” يتفقد (العسل) كما كان يسميه، يذوقه ويقبلني ويوغل عميقاً في فمي وأقول له: من الواضح أنك تطبق وصايا الرسول وتقتدي به: لا يقع أحد منكم على أهله كما تقع البهيمة. وليكن بينكما رسول: القبلة والحديث. وعن عائشة: إن رسول الله كان إذا قبل الواحدة منا مصّ لسانها“.

    فكأن تقديم القرابين وحرق البخور للمقدس، سعي منهن ماكر يُلتمس به تفادي خطر الاصطدام المباشر بسلطته، ولا سيما أن أصداء محاكمة ليلى العثمان ومن قبلها ليلى بعلبكي، ما تزال حية في الذاكرة، ماثلة في الأسماع.

    وليس من شك في أنّ المقدس في صوره المتطرفة، يطبق بغطائه على المرأة، فلا يبيح لها حرية التصرف والحركة وفق رغبتها وتخطيطها، ولا يبيح لها حرية التنعم بجسدها وفق أهوائها وذوقها الخاص؛ بل إنه لا يتورع من أن ينتزع منها حقوقاً سبق لها أن غنمتها غنماً مشروعاً بكفاحها، وهو الأمر الذي لم تستطع (الفريده يلينيك) – رغم أنها لا تمت إلى الثقافة العربية بأي سبب – أن تخفي إزاءه قلقها على بنات جنسها؛ بل خوفها في حديث لها إلى جمانة حداد (19):

    ” أما خوفي الأكبر فهو الأشخاص المتعصبين. ولذلك أراقب بقلق صعود المتطرفين الإسلاميين مثلا، وهو صعود له أسباب كثيرة لا مجال لشرحها هنا، ولست أصلا متخصصة فيها، رغم أني اقرأ الكثير عن الموضوع“.

    وليست فضيلة الفاروق بأقل منها إشفاقاً من التطرف الديني، وقد عبرت عن خوفها عملياً حين توارت خلف اسم مستعار، وما زالت تعبر عنه بالإكثار من إظهار تدينها والتزامها بشعائر الدين في كل مناسبة. ولكنها – وإن كانت تخشى التطرف الديني وترى فيه محنة وبلاء – فإنها لا تتهم الدين، ولا تنبذه من حياتها.

    وإذا كانت فضيلة الفاروق لا ترى في الدين خصماً ينكل المرأةَ عن حقوقها، فإن أديبات غيرها يرين أن الدين يبخس كرامة المرآة، ويغض من حقوقها. ومن هؤلاء: جمانة حداد التي تنفي التناغم بين الدين وكرامة المرأة (20):

    ” متى نعترف بأن لا تناغم ممكنًا بين تعاليم الأديان وكرامة المرأة وحقوقها

    وكذلك بلقيس حميد حسن، التي تدرك جوهر العلاقة العكسية بين المرأة والدين – فحيثما ترتخِ حبال الدين الصوتية، تشتد حبال المرأة، مثل هذا كمثل ولادة التي اشتدت حبال صوتها حين تراخت سلطة الدين في زمانها فيما يرى الباحثون، وحيثما تشتد حبال الدين، ترتخ حبال المرأة – والشاعرة التي رغم إدراكها أن السلطة الدينية من الرهبوت والقوة والجبروت بمكان، فإنها لن تتملّقها، ولن تتقيها، ولن تستعطف الإغضاء منها بالتضمين والاقتباس والمداجاة. ستسلك إليها مسلك الثوريّ: ستنعيها، ستجهر بموت الخوف منها ومن صنم العسف إلى الأبد. وهي مبتهجة مترنمة بعد إذ نصرت عليهما، تغرف حواسُها الظامئة من كأس الحبيب غرفاً.

    وما يحول دون اغتراف اللذات من كأس الحبيب، وقد دالت سطوة الرعب! ( 21):

    نعينا الخوف من رب ٍ ومن صنم ٍ

    طفقنا نشرب ُ اللذات ِ ساحرة ً

    تساقينا الهوى العطشان والثمل

    فديتك َ من حبيب ٍ لا يفارقني

    على بعد يناديني، على خجل

    ويتردد حيناً أنّ “الكبت الجنسي” علة إقدام هؤلاء الأديبات على (الإباحية) واجترائهن على استعمال لغتها الصريحة؛ بما يعني أن سبيلهن في هذا الأدب، إن يكن شيئاً، فهو التنفيس عن رغباتهن الجنسية المقموعة الحبيسة، بالفرار من الواقع الفظ؛ الذي حرمهن من حقّ الاستمتاع بشهوات الجسد ولذاته، على أجنحة الكتابة والتخييل تعويضاً عن الحرمان. وهو المعنى الذي أفصحت عنه أماني أبو رحمة (22) حين تساءلت:

    “هل أن ما نشهده من كتابات نسائية هي كتابات ايروتيكية أو إباحية أم أنها تداعيات مبتذلة لكبت جنسي ؟ وإذا قلنا أننا نعيش في مرحلة ما بعد الفرويدية وان الثورة الجنسية حدت من ظاهرة الكبت الجنسي فهل هي وسيلة للشهرة او رد فعل على التهميش والإقصاء الذي تعاني منه المرأة في هذه المجتمعات ؟“.

    وقد تأتي الإجابة عن تساؤلها: “هل هي تداعيات مبتذلة لكبت جنسي؟” مصدِّقة لوجود كبت جنسي في حياتهن، وفي حياة المرأة العربية عامة، ناشىء – كما هو الراجح من استقراء الواقع العربي – من سلطة الذكر المدججة بالدين والتقاليد. بيد أنها، من جانب آخر، لن تجد في التعبير الفني عن هذا الكبت إثماً؛ بل على العكس من ذلك، ستجد عين هذا الكبت إثماً تجب معالجته. وإذا الأديبة على هذا تغوص في الإثم فتستنبط من أعماقه قيماً أخلاقية ونفسية وحضارية تستدفىء بها أرواح النساء، أو يستعِنَّ بجذوتها على قرّ الثقافة الذكورية وخسفها. فما دام الكبت أو القمع الجنسي، حاضراً في حياة المرأة العربية، وما دامت الثورة الجنسية التي انفجرت في الغرب لم تستطع بعد – بخلاف ما ترى – أن تمحو آثار القمع الجنسي المستشرية منها، فمن الحق على الأديبات، كما هو من الحق على الأدباء، أن يعالجن القمع الجنسي بما هو عسر ونكد وتمييز، وأن يعالجن أدقّ التفاصيل المتعلقة به بمايليق بها من الأساليب.

    في (هكذا قتلتُ شهرزاد) تعترف جمانة حداد بشجاعة نادرة قلّ نظيرها بين النساء، بأن هوايتها الثانية في شرخ صباها بعد القراءة، كانت ممارسة العادة السرية الناجمة في اعتقاد الكثيرين عن الكبت:

    “كانت نشأتي صارمة جدا وحُرمت من الوصول إلى العديد من الأشياء؛ ولهذا كانت وسيلتي الوحيدة للمفر من هذا الوضع هو العيش في عالم الكتب. لطالما آمنت بأن هناك أمران وحيدان يستحقان أن أعملهما عندما أكون وحيدة القراءة والعادة السرية واللتان تتطلبان الخلوة للاستمتاع بهما إلى أقصى درجة “.

    وهي إنما تفعل ذلك؛ أي تبوح بسرها؛ لأنها لا تحب لنفسها ولا لبنات جنسها الضعفَ، والخوف، والحياء، والاستتار خلف أقنعة الرياء. إنها امرأة حرة قوية واثقة من ذاتها، جسدها ملكها، ولها السيطرة على كل جارحة فيه. والحرة القوية الواثقة، لا تشفق من البوح، ولا يحمر خداها من خجل وهي تتعرى من عقد النقص والقبح والوجع أمام عدسة المراقبة العامة.

    إن الكبت الجنسي المرادف للقمع، وما ينجم عنه من تداعيات نفسية وأخلاقية وحقوقية، إذ يحرِّض الأدبَ على معالجته وعلى كشف آثاره الضارة ونتائجه المؤلمة، يضطرُّه إلى الدخول في خلايا الجسد ما حمّ منها وما برد؛ فما الجسد بالقياس إلى النساء، إلا الهيكل دعائُمه الحق والنفس والأخلاق، فإذا وهنت الدعائم، انقاض الهيكل.

    فلا غرو إذاً أن أضحى الجسد عند هؤلاء جميعاً، فلسفة ورمزاً لكل ما يؤرق عقولهن، ويشغل نفوسهن، ويحرك مشاعرهن من فيض المعاني الكبرى: الحرية، الاستقلال، الاستغلال، اللذة، الحب، التحدي، العصيان، الحرمان، المساواة، الجمال، القبح، السعادة… وأن أضحى مادة لتشكيل الأبعاد الحضارية والفلسفية والجمالية لإبداعهن بأجناسه المتعددة: أدب، فن، غناء، تمثيل.

    وأن بات مفهوم أو لفظ (الجسد) من أكثر المفاهيم والألفاظ تكراراً وتداولاً في إبداعاتهن وأحاديثهن!:

jean francois portaels

jean francois portaels

    خارج الجسد لعفاف البطاينة.

    ذاكرة الجسد لأحلام مستغانمي.

    مجلة الجسد لجمانة حداد.

    باب شطحات الجسد لسلوى النعيمي … الخ.

    لذلك فإنه من الغبن، في نظر علوية صالح، أن يرى الناس إلى أدبها أنه من سبل التنفيس عن “تداعيات مبتذلة” رخيصة أرّثها الكبت الجنسي. فإن في أدبها طاقاتٍ فكرية مؤثرة، ومشاريع نقدية تطمح إلى تحطيم القواعد التي تعنّي النساءَ، وإلى رفع الحواجز التي تعوق عبورهن إلى منطقة الضوء والأمان. كما فيه حثّ جميل على تصحيح الشوه الذي لطخ علاقة الرجل بالمرأة طويلا:

    “الجسد هو تعبير لم ألجأ إليه كخطاب أو من أجل أدلجة الجسم، ولم أقاربه من موقع استدراج القارئ. الجنس له وظيفة فنية، بمعنى أنه كاشف للشخصية. ولعلاقة هذه الشخصية بالآخر، علاقتها بنفسها، أي كاشفة للعلاقة بين المرأة والرجل، كاشفة لمفاهيم ومعتقدات، وذهنيات ومجتمع ذكوري. كاشفة للعنف ضد المرأة. كاشفة، ليس فقط للتعنيف الجسدي، وإنما لتعنيف الذات، لهذا المعنى الجنسي الموظف فنياً. أنا ضد كل كلام يبتذل الجنس أو يوظفه لغايات غير فنيّة..”

    مما يذهب الريبة في نبل مقاصد التصريح بحاجات الجسد المسكوت عنها، ويقوي الاعتقاد بنبل غاية التصريح وجمالها.

    وكذلك هو في نظر سلوى النعيمي، التي تؤكد أنّ أدبها يوظف الجنس أو الجسد لفضح الزيف والنفاق الاجتماعي والتقية والتناقض بين الظاهر والباطن في العلاقات الإنسانية:

    ” ماذا سيخطر لهؤلاء الجالسين حولي لو يقرأون ما أكتب؟ ماذا سيخطر لهؤلاء عندما يكتشفون أني كسرت العقد الاجتماعي، أني انتهكت قانون التقية الذي يطبقه الجميع“.

    أما فضيلة الفاروق، فتكاد أن تكون متخصصة في معالجة جرائم اغتصاب الفتيات والزوجات فإذا هي تسهب في سرد تفاصيلها، وتستقصي دقائقها، وتضيء عتماتها؛ حتى لتحفظ الناسَ عليها، وتهيج فيهم السخط عليها، وحتى لتستجلب باقترافها جنحة التركيز عليها، غضب سفير بلادها الذي لم يرَ فيما أبدعت غير وصم قد أضرّ بسمعة بلاده!.

    في روايتها (اكتشاف الشهوة) على سبيل المثال، يجد القارئ إدانة صريحة لاغتصاب الزوج لزوجته، وقد صورت الحدث المدان تصويراً واقعياً بليغاً كاشفاً جريئاً فاضحاً، لو كان يبلغ سمع طه حسين (22)، لتريث قبل أن يكتب قائلاً: “وما أظنني أعرف أدباً مقيداً في التحرج غالياً في الاحتياط كأدبنا العربي الذي ينشئه أصحابه وهم يفكرون في الناس أكثر مما يفكرون في أنفسهم، حتى أطمعوا الناس فيهم، وأصبحوا عبيداً للجماعة وخدماً للقراء. فلنتمرد على الجماعة، ولنثر بالقراء، ولننبذ الاحتياط كله إلا هذا الذي يثير الشر أو يؤذي الأخلاق“.

    ولأنّ الاغتصاب مظهر وحشي عنيف شاذ من مظاهر الممارسة الجنسية غير المتكافئة، فلا مندوحة لها، إن أرادت الصدق في التعبير، والدقة في التصوير، وقوة التأثير في القارئ، من أن تصرح عن ملابسات واقعة الاغتصاب كما تحدث في الواقع دون حرج أو حذف أو إيماء أو كناية، أو تلميح أو غير ذلك من الوسائل التعبيرية “الغالية في الاحتياط” من تلك التي تضعف من أثر الواقعة في نفس القارئ، ولا تترك فيها إلا صدى خاوياً:

    “أحتاج إلى تعرية نفسي أمامها، وتعرية “مود…” الميغري الذي تزوجت.

    بالتأكيد سأخبرها كيف ضاجعني من الدبر، وكيف أصبت بعطب في مؤخرتي لهذا السبب، وأصبح عذابي الأكبر دخولي إلى الحمام لقضاء حاجتي. في كل مرة كانت مؤخرتي تتمزق وتنزف.

    الحب لا يمارس إلا في موضعه.

    سأحكي “لشاهي” كيف يستمني أمام الأفلام البورنوغرافية

    بالتأكيد سأحكي لها عن تقززي منه، وعن الكائن البارد الذي يسكنني كلما رأيته عارياً، وعن شعوري بالغثيان كلما رأيت قضيبه، سأروي لها كيف أرادني أن ألعقه وكيف تقيأت أمعائي حين لفحتني رائحة البول وتذوقت حموضته“.

    ولعل التنويه بقصيدة شاعرة عربية مجهولة درجت في الناس سراً قبل أن تنتشر عبر النيت، يجدي في هذا المقام!. وهي قصيدة بلغ التمادي فيها بالتصريح قصاراه. قد افتنّت بتصوير جموح الشهوة في مضجع اللذة بألفاظ تجردت حتى من غلائلها الرقيقة، ولجّت في وصف حركة الجوارح الجنسية، وهي والغة في نشوتها منهمكة في لذاتها الحسية أشد الانهماك، قد خلعت الستر عن فرج منهوم ربا من روعة الشبق وارتسم كدوس ربرب في فلاة سقاها هاطل من ديمة وطفاء؛ فرجٍ فتيّ لا تعروه من الطعن فترة ولا لغوب، بأسلوب مدهش يعبر عن ” حسّ أنثوي بالفحش” قد تمنّت (الفريده يلينيك) يوماً أن تمتلك نظيره، وعست أن تتمكن بفضله من إبتداع بورنوغرافيا أنثوية تضارع في مستواها بورنوغرافيا الرجال، ولكنها أخفقت (23).

    القصيدة عمودية تحكي في وزنها العروضي وقافيتها ورويّها وبعض وحداتها اللفظية، قصيدة نزار قباني (ماذا أقول له لو جاء يسألني) فكأنها أرادت أن تعارضها، أو أن تدخل في بنائها الشكلي لبناتٍ مستعارة من قصيدته بطريقة التداخل النصي، أو أن تأتم بصاحبها ولا سيما أنه شاعر المرأة بجدارة، وأول من أذاع بين الناس في العصر الحديث حالة جنسية شبت بين امرأتين في قصيدته الشريرة، بصراحةٍ هاجت نقمة الكهوفيين :

    ماذا أقـــــــــول إذا دقّت أصابعه بابــي برفـقٍ ودفءٍ ، كيــف ألــقــاه

    ماذا أقـــــــــول إذا حيّا بطلعتـه ولهـفـة الــشوق دبّـت في محيــّــــاه

    ماذا أقــــــــول إذا راحت أصابعه تداعـب الفــخـــذ ســراً تحــت مأواه

    ما لـي أرى ركبتيّ اصـطـكـتـا شـبقاً واسترطبـت شــفـتــــا فـرجي لـمـرآه

    قد قدتـــــــه لسريري غير مالـكة أمـري وهــل لـي سوى إشــبـاع مرمـاه

    وراح يخلع عنّــــــي كلّ ساتــرة عن حـلـمـة الـنهــد…عــمّا أبــدع الـلـــــه

    جسم غرير صبا هـيمان في شـبـــقٍ حــرّان تــضرمه الأشــواق…ويــــلاه!

    وبـيـن فـخذيه شيء لست أنعته ولا أخـال لـه في النــاس أشــبــــــاه

    لمســـــته بيدي فانهلّ مدمعـــه أوّاه مــمّـا ســــــــــألقى منه…أوّاه

    ورحت من دون أن أدري أمصمصـــه ما أمــتـع الـمــــص فـي قــلبي وأشهاه!

    أحاط جـيـدي بـيسـراه فـذبـت هوىً وشـــــــــدنـي نـحــوه شـداً بـيمناه

    وحـكّ كسي بـرأس الأير منفعــلاً ودغـدغـت نهـــدي الـغـافي ثـنـــايـاه

    وراح يلمس منّي كلّ جارحـــــــةٍ حــتّـى تـهالـكـت أشــكــو مثل شـكواه

    وراح يولجه حيناً ويخرجـــــــه حـيـناً فكدت أحـــــس القــلب مـجـراه

    طعـــــن لذيذ بكى فرجي للـذتــه وابتـــــــل من مـائه تحتي وفـخــذاه

    وللــسريــــــر صرير زادنا شبقاً وللشهيـــــــق حديــث ما قطعـنـــاه

    يا لذةً معه أعظمْ بمتعتـــــــــها! طــوبـى لـمـن نــالـهـا في الـنيـك طـوباه

    نـــصـيـحـتـي لكم يا قوم أن تثقوا أن الســــعادة لا مـــــال ولا جــــــاه

    بـــل الــسعــادة في أنثى وفي ذكرٍ الحـبّ ضـمـهـما والشوق والبــــــــــاه

    نــحن اللــواتي إذا مـا جـاء ينكحنا فــتىً غــريـر من الـغـلمــان نكـنـــــاه

    فهي، وإن لم تصنف في باب الأدب (الراقي)، تخدم أغراضاً من هذه الأغراض الكثيرة التي لها اتصال وثيق بحياة المرأة وبخاصة تلك التي لها تعلق بمنبسطات جسدها وحزونه ومنعرجاته وأغواره، مما يَظهر شيئاً في قول الفريده يلينيك ( 24):

    ” أنا كامرأة – أي كعضو من طبقة ملغاة في المجتمع – لم تدرك حتى الآن صفة الفاعل وغالباً ما تعامل كشيء. أشعر بهذه التناقضات الاجتماعية في أحشائي، حرفياً، لأن المرآة يحددها جسدها في الدرجة الأولى، وذلك ما عليها نقله كتابة، وهو ما أحاول فعله“.

    فإنها لا تخلو من حض النساء على تحرير أجسادهن من لعنة البرود، ومن الشعور بالإثم، ومن الحياء والتحرج لدى ممارسة حقهن في الاستمتاع بالرجل. ولا تخلو من استنهاض وعيهن لاسترداد القيمة الحقيقية الماتعة للجنس التي أزرت بها فلسفة الورع والعفة الخادعة. كما أنها لا تخلو من فخر يعظم زخم الأنوثة الفاعلة وعنفوانها، ويحط مما لحق بها من المهانة والانتقاص تلقاء الفحولة وينكره، ولا يسوءها بعد ذلك أن بعض معانيها لم يكتسِ بلفظ محتشم.

    إن توظيف الجنس في الأدب، قديم برع فيه الرجال في سائر الأمم، وقد استثمروه للانتفاع به في مجالات شتى وخصوصاً في مجال الأخلاق والسياسة. ولعل القارئ يستذكر من الأدب العربي الحديث، على سبيل المثال، روايات عمد مؤلفوها إلى تسخير شخصياتها أو مواقف جنسية لهذه الشخصيات في خدمة أغراض سياسية لهم أو أخلاقية، أو اجتماعية، أو نفسية، من مثل: (القاهرة الجديدة) لنجيب محفوظ، و (موسم الهجرة إلى الشمال) للطيب صالح، و (الظمأ والينبوع) لفاضل السباعي، و (الحي اللاتيني) لسهيل ادريس، و (رجع الوجع) لحسين علوان حسين.

    فلا غرابة في أن تسعى المرأة أيضاً في هذا الاتجاه؛ فتوظفَ أدبها لخدمة مآربها وحاجاتها وقضاياها الخاصة كالرجل. وليس من حرج عليها، إن هي تجرأت فتناولت (المسكوت عنه) ثم اصطنعت له قوالب لفظية صريحة مما هو شائع على الألسنة في الواقع المعيش خارج حدود اللياقة المتعارف عليها؛ ومما هو شائع أيضاً في التراث، إذا ما قضى بذلك الحدثُ، أو الهدف، أو الضرورة الفنية.

    ومما يستدعي الذكر هنا، أن اللغة الجنسية بألفاظها العارية لها خواص مثيرة بذاتها. فليس من وظائفها أن تجعل موضوعها الجنسي حياً ينبض بنبض الواقع فحسب، بل هي تبعث اللذة في نفس قارئها ومنشئها بذاتها وجرسها وإيقاعها الخاص، إذا لم تخرج عن سياقها إلى التعريض والإهانة والشتيمة. ويمكن ملاحظة ذلك في لحظات التوالج المشبوب حيث ينتشي المنصهرون فيها بخمرة الألفاظ الجنسية، التي يرسلونها على سجيتها من غير تحفظ. وتمكن ملاحظته عند الأدباء أيضاً ولكن بمعنى آخر: فإن ما تحدثه اللغة الجنسية من النشوة، يوشك أن يكون مماثلاً لما تحدثه مفردات اللغة الشعرية من نشوة وطرب في نفوس الشعراء خاصةً، حتى إن بعض الشعراء لتعروه من ألفاظ لغته الشعرية ما يعتري المتصوفة في حلقات الذكر من الهيام والوجد والغيبوبة.

    وقد باحت سلوى النعيمي بسر الألفاظ في حديثها عن الطاقة الجنسية التي تفور بها لغتها العربية، فقالت ( 25):

    “كانت الحرية التي يكتب بها القدماء تمد لي لسانها مع صفوف الكلمات التي لا أجرؤ على استعمالها، لا شفوياً ولا تحريرياً. لغة مهيجة. لا يمكنني أن أقرأ مقطعاً من دون أن أتبلل. لا يمكن للغة أجنبية أن تثيرني هكذا. العربية هي لغة الجنس عندي. لا يمكن للغة أخرى أن تحل محلها وقت الحمى …”.

    وقد أثبت طه حسين عرضاً (26 ) أن لغة النثر لا تقصر عن لغة الشعر في أداء هذه المتعة، عندما اعترض سارتر، الذي كان يومئذ يذيع مادة كتابه (ما الأدب) منجَّمة في مجلته (الأزمنة الحديثة)، في بعض رأيه. وكان سارتر قد ذهب في بعض رأيه إلى أن لغة النثر، وسيلةٌ إلى إظهار المعاني فحسب، ولا تُطلب لأغراض أخرى:

    ” وهناك حقيقة أدبية أخرى لم يلتفت إليها سارتر مريداً أو غير مريد ألا يلتفت إليها، وهي أن الكتاب الناثرين قد يذهبون مذهب الشعراء، فيعنون بالألفاظ في أنفسها ويتخذونها غاية فنية، ومظهراً من مظاهر الجمال ووسيلة إلى إثارة الإعجاب والبهجة اللذين يثيرهما الشعر“.

    ومهما يكن من أمر الاختلاف وتنوع الآراء حول البواعث والحوافز والأسباب التي أفضت إلى نشأة التصريح في أدب النساء العربيات؛ ومهما يكن من أمر ما قد قيل فيه من خير ومن شر، فإنّ نشأة هذا الأدب، لا يمكن أن يصحّ تفسيرها ويستقيمَ حالها خارج إطار العلاقة الحضارية القائمة بين الشرق العربي والغرب؛ فليس من شك في أن الثقافة الغربية منذ عصر النهضة العربية، تكاد تهيمن على الثقافة العربية بجميع فروعها وألوانها ومذاهبها الفكرية، وتقودها رغم خصوصية الثقافة العربية، تماماً مثلما تهيمن منجزاتها المادية والعلمية والتكنولوجية على حياة العرب في مجالات الاقتصاد والسياسة والاستهلاك والمشاريع العسكرية: من شركات الطيران… إلى مطاعم الوجبات السريعة.

    ومع ذلك فليس ينبغي الجزم هنا بأن الثقافة العربية وخصوصاً الأدب، نسخة عن الثقافة الغربية وتقليد أعمى؛ لأنّ ما بين الثقافتين هو من قبيل التفاعل (27) والتأثر والاحتذاء الواعي. ولكنه لا مفر من القول: إن دراسة الظاهرات الأدبية الحديثة في الشعر والرواية والنقد، سواء أكان ذلك من ناحية الشكل أم من ناحية المضمون، يصعب أن تتحقق بمعزل عن الثقافة الغربية ومؤثراتها المباشرة وغير المباشرة. إن القول بأن أدباء الرابطة القلمية، وجماعة أبولو، ومجلة شعر، وجماعة كركوك، ونازك الملائكة، وبدر شاكر السياب، والبياتي، وصلاح عبد الصبور… الخ، مدينون في تجديدهم للأدب الغربي لا يقبل الجدال. لقد اعترف كثير من المبدعين المجددين بتأثير الثقافة الغربية وفضلها في توجيه أقلامهم نحو التجديد في الصياغة اللفظية وفي المحتوى: كأبي القاسم الشابي في كتابه (الخيال الشعري عند العرب) وبدر شاكر السياب (28)، وأدونيس الذي لم يخف في محاضراته التي صدرت عن دار الآداب تحت عنوان (الشعرية العربية) تأثره وانقياده للأدب الغربي:

    ” أحب هنا أن أعترف بأنني كنت من بين من أخذوا بثقافة الغرب. غير أنني كنت كذلك بين الأوائل الذين ما لبثوا أن تجاوزوا ذلك، وقد تسلحوا بوعي ومفهومات تمكنهم من أن يعيدوا قراءة موروثهم بنظرة جديدة وأن يحققوا استقلالهم الذاتي“.

    فإذا كان للثقافة الغربية كل هذا التأثير في الأدب العربي وأعلامه، فمن الطبيعي أن يمتد تأثيرها إلى أدب النساء، ومن الطبيعي أن تستلهم الأديبات العربيات كلّ ما يجدّ في هذه الثقافة من ألوان الابتكار والبدع.

    فلما كانت ظاهرة (الإباحية) ازدهرت في أدب النساء الغربيات، وكانت مرتبطة في الأصل بحركات التحرر النسائية، فقد كان متوقعاً أن تستوحيها أديبات اللغة العربية ولا سيما أولئك اللواتي انخرطن في حركات التحرر النسائية التي تناضل الظلم عن المرأة، وتنشد العدل والمساواة بين الذكور والإناث في كل شأن من شؤون الحياة مهما يصغر ويدق.

    وقد نبهت د. أماني أبو رحمة لهذا الارتباط بين الأدبين، بيد أنها جعلت الارتباط قائماً على التقليد من جهة الكاتبات العربيات، وجعلت أعمال هؤلاء الكاتبات فارغة ليست لها أبعاد سياسية واجتماعية وفكرية على صعيد المغزى والمضمون:

    ” لم تكن الكتابة الايروتيكية النسائية ( وأؤكد على أن ما أعنيه هنا هو كتابات المرأة الايروتيكية وليس تصنيف الأدب الى أنثوي أو ذكوري) هي الظاهرة الوحيدة التي اعتمدناها في تقليد الغرب بعد نزعها من سياقها الحضاري والثقافي والاجتماعي والسياسي والفكري…”

    وعلى هذا فإن دراسة هذه الظاهرة في أدب النساء العربيات، تقتضي الربط بينها وبين أدب الكاتبات الغربيات، أمثال: سيمون دي بوفوار، وأناييس نين وغيرهما من اللواتي ظهرن بعدهما، وذهبن أبعد منهما في عريهن الجريء في الثقافة الغربية؛ إذ لولا هؤلاء، لقد ظلّ أدب النساء العربيات يدور حول محور الحب البريء من “دنس” الغريزة، ولظلّ متدثراً بخافية الإيماء. كما اقتضت من قبل ظاهرة التجديد لدى شعراء مجلة (شعر) أن ترتبط بقصيدة (الأرض الخراب) للشاعر ت. س. إليوت.

    ولكنْ ينبغي ألا تغفل دراسةُ هذا الأدب عن المؤثرات الخارجية التي ساعدت قلم المبدعات على التحرر من عقدة الخوف والخجل، وأمدته بحبر الشجاعة، وهي كثيرة: السينما، الفيديو كليب، المواقع والمنتديات، وسائل الاتصال عبر النيت، سهولة النشر، تقبل الناشرين والقراء له.

    وعسى أن يكون باعثاً على التسلية والمرح ذكرُ هذه الطرفة في الختام!:

    تفرقت الآراء في أحد المنتديات عندما عرضت مناقشة الأدب النسوي الصريح فيه: فمن مستحسن، ومن مستعيب، ومن مؤيد ومن مستنكر. وما هي إلا أن انبرت إحدى المشاركات في المنتدى، وقالت بعامية أهل الخليج:

    “إذا كان الوضع كذا فالحمد لله أني ما أقرا قصص عربية

    ــــــــــ

    هوامش:

    (1) – انظر الذخيرة لابن بسام، ونفح الطيب للمقّري.

    ومما قاله ابن بسام فيها: ” وكانت في نساء أهل زمانها واحدة أقرانها، حضور شاهد، وحرارة أوابد، وحسن منظر ومخبر، وحلاوة مورد ومصدر، وكان مجلسها بقرطبة منتدى لأحرار المصر، وفناؤها ملعباً لجياد النظم والنثر يعشو أهل الأدب إلى ضوء غرتها ويتهالك أفراد الشعراء والكتاب على حلاوة عشرتها إلى سهولة حجّابها، وكثرة، منتابها، تخلط ذلك بعلو نصاب، وكرم أنساب، وطهارة أثواب، على أنها – سمح الله لها وتغمد زللها – اطرحت التحصيل، وأوجدت إلى القول فيها السبيل بقلة مبالاتها، ومجاهرتها بلذاتها.”

    (2) – ربما اعترت الباحثين الريبة في صحة نسبة هذين البيتين إليها: لما فيهما من جرأة على تقاليد ذلك العصر واختراق لها، ولما هو ظاهر بينهما من اختلاف وتنافر في الدلالة والمعنى. فإنّ الأول منهما يباهي بالرفعة والكبر، ويصور طبائع أهل النعمة واليسر، فأما الثاني فأقرب في دلالته إلى طبائع الجواري المملوكات والإماء المتبذلات.

    (3) – نسبة إلى الكهوف على غير قياس استخدمها الشاعر خلدون جاويد للدلالة على الجمود والتخلف والنزعة الماضوية في قصيدته (كلما) وهي قصيدة بديعة المعاني. ابحث عنها في موقع الحوار المتمدن، وموقع عنكاوة.

    (4) – صحيفة المثقف.

    (5) – حميد طولست: ظاهرة الكتابة الإيروسية عند المرأة. موقع ديوان العرب.

    (6) – د. أماني أبو رحمة: الكتابة النسوية بين الإيروتيكية والإباحية. موقع ضفاف الإبداع.

    (7) – د. ثائر العذاري: الأفعى والتفاحة، موضوعة الجنس في الأدب النسوي المعاصر. موقع الحوار المتمدن.

    (8 . 9. 15. 16. 17. 22. ) – د. أماني أبو رحمة: المصدر نفسه.

    (10) – فضيلة الفاروق: حوار أجرته معها أويرو نيوز.

    (11) – محمد لافي: الأدب النسوي والمسكوت عنه.

    (12. 13) – سوسن السوداني: أعشقك كما أنت.

    (14) – قد يمكن هنا أن نستثني عدداً من الكاتبات محدوداً، حاولن منافسة الرجل في كل شيء بما عرف عنهن من ميول جنسية مثلية تتوهم الذكورة غريماً وعدواً.

    (15) – رداً على سؤال طرحته عليها نصيرة سيد علي في موقع جزايرس : “أصبحت الكتابة الإباحية في عالم الأدب ولاسيما بأقلام نسوية موضة الكاتب في الآونة الأخيرة، بما تفسرين انتشار هذه الظاهرة، وما هي الآثار التي يخلفها هذا النوع من الكتابة على القارئ ؟“.

    (18) – انظر علي الديري: مدونة هوامل.

    (19) – الأدب البورنوغرافي اختراع المخيلة الذكورية. حوار مع الفريده يلينيك لجمانه حداد: موقع ديوان العرب.

    (20) – جمانة حداد: هكذا قتلت شهرزاد.

    (21) – بلقيس حميد حسن، قصيدة (لي طقسي): موقع الحوار المتمدن.

    (22) – طه حسين: مع المتنبي.

    (23) جمانة حداد: الفريده يلينيك، الأدب البورنوغرافي اختراع المخيلة الذكورية، ملحق النهار الأدبي، وموقع ديوان العرب. قاطعتها جمانة بقولها: لكنكِ اعترفتِ انك فشلتِ في خلق “حس أنثوي بالفحش” فأجابتها يلينيك: نعم، أخفقتُ في مسعاي. كنتُ أريد أن اكتب بورنوغرافيا، ثم اكتشفتُ أن تلك مهمة مستحيلة بالنسبة لي

    (24) – الفريده يلينيك: الادب البورنوغرافي اختراع المخيلة الذكورية، جمانه حداد.

    (25) – سلوى النعيمي: برهان العسل.

    (26) – طه حسين: ألوان. ملاحظات.

    (27) – انظر: مسارات التحولات، قراءة في شعر أدونيس: أسيمة درويش دار الآداب. ومحمد النويهي: قضية الشعر الجديد.

    (28) انظر: مسار التحولات لأسيمة درويش.

 

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Arts & Literature فنون واداب and tagged , , , , , , . Bookmark the permalink.