الشرف

 راغب الركابي راغب الركابي

كانت رحلتي للعراق الدافع لي اليوم لأكتب عن مفهوم – الشرف – الذي حصرته لغة الناس في قضايا المرأة وما يرتبط بها من مقولات وأعراف، ولكني وجدت إن لمفهوم – الشرف – معنا أوسع وأكبر وجدت ذلك في لسان الحال ولسان المقال الذي كتبه المشرعون القدامى، ووجدته كذلك في كتب السماء التي حرصت على جعله مرتبط بالقيم العامة لحياة الفرد وحياة المجتمع، وجعلت من ذلك المفهوم هو الغالب الذي يجب ملاحقته والتمسك به، ولم تبتعد لغة العرب في وصفها للفظ حين جعلت من معناه يقترب في صيغته التعريفية مع ما يريد الكتاب المجيد توظيفه في حكايته عن الأشياء التي يجب الإلتزام بها، لكن الإنسان العربي وكدأبه جعل من اللفظ منحرا ومقيداً بما يتعلق بقضايا المرأة وماحولها من تفاعلات، فجعل منه مشوشاً مغايرا لما يجب ان يكون عليه.

وبما إن الصيغة التعريفية في لغة العرب تقول: – إنه العلو والرفعة ، ونحن وبناءا على ذلك تتبعنا صيغة اللفظ العملية فوجدنها صيغة لفظ دال على كل ماهو سيء، ولهذا فالكذب صفةً تطلق على عديمي الشرف فيكون بالتقابل الصدق هو صفة الشرف الدالة على معناه، والكاذب في الفعل وفي القول هو المصداق لمعنى عديم الشرف، حتى وإن علا في قومه وعشيرته أو في كونه حاكماً أو وزيرا أو قائد شرطة أو أية منصب أخر في الدولة، فصفة أو نعت إنه – كذاب – تسلب منه صفة العلو والرفعة، وتدفع بالناس لكي يبادروا في رفعها منه وتجريده منها، وفي العراق الذي رأيته وجدت الكثير والكثير جداً من فاقدي الشرف وذلك لأن هذا الكثير يكذب جداً، وفي معنى الشرف الإصطلاحي لا نجده يختلف كثيرا عن معناه اللغوي، إلاَّ في صيغة التبعية لمعنى – التلازم الاخلاقي – وهذا المعنى رصده الزمخشري في جعل التلازم من باب الجوهر، وكذا لا يقال للسارق إنه صاحب علو ورفعة، فمن يسرق شعبه ويسرق أهله هو كالمحارب لله ورسوله.

وهذا الذي اشير إليه موجود وبكثرة في العراق اليوم وهم في مناصب في الدولة والحكومة، وصفة السرقة صفة سلب لقيمة الشرف، ولأنه كذلك أي لكونه سارقاً تجعل فهو عديم الشرف، ولهذا فكل من يتولى منصبا حكوميا ويستغل منصبه في ذلك يعد فاقدا للشرف، وقد كشفت لجنة النزاهة مدى وحجم السرقات الحكومية المتنوعة والمتعددة، ومن تكون صفته سرقة مال الشعب فهو عديم للشرف كائنا من يكون، وخيانة الأمانة من صفات عديمي الشرف، وخيانة الأمانة: هي عنوان كلي يدخل في بابه كل من يعهد إليه بمنصب أو وظيفة حكومية أو أهلية ولا يصون أمانته فيعد هذا الفاعل عديم الشرف، وعدم الإلتزام بالعهد: من صفات عديمي الشرف أو لنقل إن من لم يلتزم بالعهد في صيغتي القول والفعل هو إنسان بلا شرف، وفي هذا المجال لكم أن تقيسوا كم من الأشخاص الذين تلتقون بهم ولا يلتزمون به، ولكم أن تحسبوهم أناس بلا شرف، وإفشاء الأسرار، وكذا تشويه سمعة الناس، والتقول عليهم: كلها من صفات فاقدي الشرف، والتجسسس على الناس، والإيقاع بهم والعمل على تخريب العلاقات الإجتماعية: هي من صفات فاقدي الشرف، وتخريب أواصر العلاقات العائلية، والتطاول على الكبار: كذلك

من صفات فاقدي الشرف، والتفاخر بفعل القبائح المستهجنة وإشاعاتها بين الناس: من صفات فاقدي الشرف، ثم هذا الكم الهائل من القوانين التي دمرت القيم العامة وخربت مفهوم الأحوال الشخصية، وكذا ظاهرة تسويق المرأة في صيغة البضاعة المزجاة كلها صفات فاقدي الشرف، وفي عراقنا يعج كل هذا العته العقلي ليكون تحت رآية التوافقات الطائفية والمسكونية تحت بند المصالحة، وهي إختراقات تعزز العجز وتنمي ظاهرة التدني الفكري وشياع ونمو أهل العقول المريضة، على حساب التنمية والبناء والتطور، ولم يكن ممكناً وأنا منكمش قليلاً عن الكتابة، إلاَّ بالتذكير بزحف الفساد في العقل وفي الفكر ليتبعه الفساد في اليد والعمل في الإدارة والسياسة والإقتصاد والمجتمع، وهذا الفساد الكبير أصله واحد يتموضع بتعريفنا من يكون الشريف من بيننا ومن لا يكون...

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in راغب الركابى and tagged , . Bookmark the permalink.