أردوغان يعالج أزماته الداخلية خارج حدوده

 د.رياض حسن محرم   رياض محرم

كشفت الإنتخابات التركية الأخيرة فى 7 يونيو الماضى عن فشل حزب العدالة والتنمية فى استمرار سيطرته على البرلمان بالأغلبية المطلقة التى ظل يحتكرها منذ 2002 وعدم قدرة السلطة الحاكمة لتغيير الدستور كما وعدت وحاجة الحزب للإتلاف مع حزب آخر أو أكثر لتشكيل حكومة وهذا ما أخر التشكيل حتى الآن، ومع إستمرار هذا الفشل يبدو أن الأمور تتجه الى إنتخابات مبكرة مما يدفع أردوغان الى إفتعال صراع ما لحشد مزيد من الناخبين لحزبه لإستعادة الأغلبية المطلقة، وتقريبا هذا ما حدث بالفعل!!

بدأت القصة بعملية إرهابية فى مدينة “سوريتش” التركية أسفرت عن مصرع 32 شخصا من النشطاء المؤيدين لحزب العمال الديموقراطى الكردستانى ورغم تبنى تنظيم داعش لهذا الهجوم الاّ أن الحزب إتهم الأجهزة الأمنية التركية بالإهمال الذى يصل لدرجة التواطؤ ما رفع حدة التوتر بين الحزب والنظام، وتلا ذلك هجوم أدى الى مقتل جنديين تركيين بسيارة مفخخة تم نسبته الى الحزب الديموقراطى الكردستانى وإنتهزها أردوغان فرصة لبدء حرب جوية ضد تنظيم داعش فى سوريا وضد قواعد الحزب الديموقراطى الكردستانى فى شمال العراق والقبض على أكثر من 300 من أعضاء الحزب بالداخل، والتغير المفاجئ بإعلانه مشاركة الولايات المتحدة فى التحالف لمحاربة تنظيم الدولة داعش بعد طول تمنع والسماح باستخدام القواعد العسكرية التركية منطلقا للطائرات التى تقصف داعش وذلك فى مقابل تغاضى الغرب وخاصة أمريكا عن تصعيد العدالة والتنمية ضد حزب العمال الكردستانى ما يذكرنا بعقد الثمانينات من تسعير للصراع بين الدولة التركية ومقاتلى الحزب إنطلاقا من الحدود السورية قبل تهديد تركيا لنظام الأسد الأب وحشد القوات على الحدود وتراجع النظام السورى وترحيله لعبد الله أوجلان الى كينيا لتقبض عليه السلطات التركية وتودعه السجن فى 1999 بعدها تم توقيع إتفاق بين البلدين يمنع بموجبه أى نشاط معاد إنطلاقا من الحدود المشتركة.

رغم أن الصراع التركى الكردى يمتد الى نهاية الدولة العثمانية الاّ أن نيرانه كانت تخبو وتشتعل على فترات، ولكن هذا الصراع تعمّق وإتسع نطاقة بعد إنطلاقة حزب العمال الكردستانى PKK فى 1978 وخلال رحلة هذا الصراع فقد عاش كرد تركيا أشد أنواع القمع والقهر والصهر والتذويب العرقى وفقدان الهوية وحرمانهم حتى من إستخدام لغتهم وأصولهم القومية ومحاولة تذويبهم تماما فى القومية التركية، وبينما يقدر الباحثون أن عدد الأكراد حوالى 30 مليون نسمة نصفهم يعيشون فى تركيا ويشكلون 20% من عدد سكانها ويتركزون فى شرق وجنوب شرق البلاد فيما يعرف بكردستان تركيا “من المعلوم أن الأتراك يشكلون أكثر من 70% من عدد السكان”، وقد مرت القضية الكردية بمنحنيات كثيرة وصراعات طاحنة فقد فيها الطرفين عدد من مئات الالآف من القتلى والمصابين والمهجرّين خاصة فى الجانب الكردى وشهد عدد من محطات الحوار والتقارب النسبى فى عهود تورجوت أوزال وأجاويد وحتى أربكان على أن أكثر هذه المحطات جدية كانت مع رجب أوردغان الذى خطا خطوات جادة نحو تحقيق بعض حقوق الأكراد فى بلاده من أجل إكتساب مزيد من الشعبية وللتفرغ للجانب الإقتصادى الذى يوليه أولوية عظمى، وقد تسربت أخبار قبل الأحداث الأخيرة عن حل ” أوسلو جديدة” لإنهاء الصراع بينما سمح النظام لبرلمانيين من حزب “السلام والديموقراطية” الموالى لحزب العمال الكردستانى بمقابلة أوجلان فى سجنه فى جزيرة إيميرلى لسبع ساعات لوضع اللمسات النهائية لهذا الحل وأعلن أردوغان أنهم يتفاوضون مع أوجلان باسم الدولة وقد شمل هذا الإتفاق بالإجمال وقف الأعمال العسكرية والإفراج عن المعتقلين السياسيين والإعتراف بالقومية الكردية فى الدستور وتدريس اللغة الكردية فى مراحل التعليم المختلفة والإقرار بحكم ذاتى للأكراد فى مناطقهم، وقد تقاطع هذا الإتفاق مع نتائج الإنتخابات التركية الأخيرة والتصويت الواسع للأكراد لحزب الشعوب الديموقراطى الذى نجح فى حصد 80 مقعدا فى البرلمان ورفضه التعاون مع أردوغان لتشكيل الحكومة مما أدى الى العودة للحرب ضد الأكراد بشراسة وبمنتهى القسوة.

إستغل حزب العمال الكردستانى الأزمة السورية بذكاء وخصوصا بعد تمدد تنظيم “داعش” فى شمال سوريا ومحاولته الإستيلاء على المناطق ذات الأغلبية الكردية فلم يفض الحزب علاقته بالنظام السورى وإن حافظ على إستقلاله، وجاء تدخل “قوات حماية الشعب” وهى الذراع العسكرى لحزب العمال الكردستانى فى ملحمة بطولية نجح فيها مقاتيله ومقاتلاته الأمجاد فى تحرير مدينة عين العرب “كوبانى” والزحف لتحرير مناطق أخرى كالأبيض وجسر الشغور وغيرها مما أكسب الحزب شعبية عالية لدى الأكراد فى مختلف الدول المتواجدين فيها وخاصة فى العراق وسوريا وتركيا وإيران وكسبهم تاييدا غير مباشرا من الإتحاد الأوربى والولايات المتحده الذين صنفوهم سابقا على قوائم المنظمات الإرهابية ولكن مصلحة الغرب فى الحرب على داعش جعلتهم ينظرون الى الأمر بصفتهم محررين ونسقت الضربات الجوية معهم وهو ما أزعج أردوغان بإدعائه أن ذلك يقوّى حلم الأكراد فى تكوين دولة مستقلة لهم فى الشمال السورى “روجوفا” ويؤدى الى تدعيم نظام الأسد فى الحرب الدائرة فى سوريا، لقد إضطرت تركيا أثناء حصار كوبانى الى التخفيف عن حركة قوات حماية الشعب الكردية ووافقت على إنتقال البشمارجة الكردية عبر حدودها من العراق الى مواقع القتال برفقة مقاتلين من الحزب الديموقراطى الكردستانى “ويبدو أن ذلك تم بضغوطات أمريكية” اساطير كردية

وحدث تعاون بين قوات حماية الشعب وقوات التحالف فى تقديم معلومات عن الأهداف على الأرض لقصفها وتوفير القوات المقاتلة للسيطرة التى يتم تحريرها من داعش بينما صدرت معلومات غير مؤكدة عن بدء الولايات المتحدة فى تسليح قوات حماية الشعب الكردية، لكن مصدر الخوف الرئيسى لدى أردوغان والقوميين الأتراك هو إمكانية أن يقوم الأكراد بعد تحرير مناطقهم فى سوريا بإعلان نواة دولة كردية مستقلة وهذا ما يؤيده بصراحة “إتحاد المجتمعات الكردستانى” وهو إتحاد يضم معظم القوى الكردية اليسارية ومنها حزب العمال الديموقراطى ورئيس الإتحاد الفخرى عبد الله أوجلان وقد تأسس فى 2005، وجاءت نتيجة الإنتخابات التركية فى يونيو 2015 بمثابة الصفعة لأردوغان حيث حرمته من الأغلبية المطلقة التى حازها حزب العدالة والتنمية لأكثر من 12 عاما وصعّبت عليه مهمة تشكيل حكومة بشكل منفرد بينما جميع القوى الأخرى ترفض التنسيق معه وبددت حلم أردوغان فى تغيير الدستور التركى لتحويل النظام السياسى الى رئاسى تمهيدا لحكمه المطلق، وهاهو يحاول التربص بحزب الشعوب الديموقراطى ورئيسه ” صلاح الدين دمرطاش” بإثارة قضية قديمة تتهم الرجل بإثارة الفتنة الداخلية ومحاولة رفع الحصانة عنه وتحويله الى المحاكمة وأكثر من ذلك يسعى أردوغان لحظر ذلك الحزب عقابا له على مواقفه المؤيدة لجمهوره من الأكراد. 

لكن المستغرب هنا هو الموقف الأمريكى الذى يسمح للنظام التركى بقصف قواعد حزب العمال الديموقراطى فى سوريا وشمال العراق وإيقاع مئات القتلى بينهم والموافقة على طلب أردوغان القديم بإقامة منطقة عازلة داخل سوريا يضع فيها قوات موالية له وقد يفسر ذلك جزئيا بموافقة أردوغان على فتح قاعدة إنجرليك أمام قوات التحالف وموافقته على الإنضمام لذلك التحالف المعادى لداعش ويرى البعض أن تلك الخطوة تأتى ترضية توزعها واشنطن بعد الإتفاق النووى مع إيران، رغم علم الجميع أن هدف أوردغان الأساسى هو ضرب حزب العمال الكردستانى فى محاولة منه لإستقطاب اليمين القومى التركى المتشدد وعدم إستقواء الأكراد فى الداخل بتلك الإنتصارات وإعطاء نفسه صفة الحامى حمى تركيا ضد الإرهاب والعمل على خلط الأوراق وإضعاف الصوت الكردى تمهيدا لإنتخابات برلمانية مبكرة بعد فشله فى تشكيل حكومة حتى الآن، ومع إشتداد الضربات ضد الحزب فى سوريا وشمال العراق يزداد إلتفاف الكرد حول حركاتهم المقاومة وترتفع حدّة الصوت القومى بينهم، وما يحدث لن ينهى القضية التركية أو يدفع الأكراد الى إعلان الإستسلام ولكنه بالضرورة سوف يؤدى الى مزيد من الصعوبات للتوصل الى سلام فى تركيا وتنامى الإحتقان العرقى والإستقطاب الداخلى وعودة الصراع الى نقطة البداية وما يقوم به أردوغان ما هو الاّ إتباع نظرية هدم المعبد آملا فى مخرجا من أزماته الداخلية..والزمن وحده كفيل بجلاء الصورة.

This entry was posted in International Affairs شؤون دولية, د.رياض محرم and tagged , . Bookmark the permalink.