عالجوا الطاعون بفئران أمى حصة

 د. خالد منتصر  خالد منتصر

«لو كنا قد قرأنا رواية «فئران أمى حصة» قراءة واعية ما كان قد تسلل إلينا الطاعون!».. رددت هذه الجملة وأنا أشاهد بقايا الأشلاء ورماد الخراب والدمار والدم المتخثر الذى خلّفه تفجير مسجد الشيعة فى الكويت فى شهر يونيو الماضى، هذا المشهد الذى تنبأ به الكاتب الكويتى الشاب سعود السنعوسى فى روايته البديعة التى، ويا لها من مفارقة عجيبة، موجودة ومعروضة فى مكتبات الدول العربية كلها ماعدا الكويت!

طاعون الفتنة الطائفية الذى يأكل الأخضر واليابس فتتصحر العواطف والمشاعر وتستنزف الحياة فى صراعات سخيفة، ويتحول الدين إلى أداة فرقة وتمزيق وبذر عداوة وزرع كراهية، حصة هى الجدة التى شكلت وجدان الراوى، تحس أنها جدتك الموجودة فى أى بيت عربى، جدتك التى تحمل عصارة الثقافة بكل ما فيها من عفوية وأساطير وخوف ورؤية زرقاء اليمامة الثاقبة، ضم بيتها الرحب واحتضنت جدرانه خربشات الأطفال الثلاثة الذين سيشكلون عصب الرواية الأساسى، حفيدها فهد وصديقه الراوى وصديقهما صادق، ثلاث صفحات بيضاء، وبراعم مازالت تتفتح، عرفوا نحن وهم.. سنة وشيعة.. وهم مازالوا يمارسون شقاوة وبراءة الأطفال، تسللت الفئران من تلك المسام لكى تبدأ أعراض الطاعون، تلك الفئران التى حذرت منها فؤادة بطلة أشهر مسلسل كويتى «وعلى الدنيا السلام»، وهى داخل مستشفى المجانين تحاول حماية أهل البلدة من الطاعون القادم، الرواية جديدة ومدهشة على كل المستويات، بداية من الغلاف الصدمة المثير للجدل، وانتهاء بالشكل الروائى المقسم على مستويين أو زمانين روائيين.

فالرواية تبدأ 1985 وتنتهى فى زمن افتراضى 2020، مستوى يتحدث فيه الروائى الطفل والمراهق وهو فى ساحة بيت حصة مع صديقيه السنى والشيعى، والمستوى الثانى عندما كبروا وشكلوا جماعة أولاد فؤادة التى تحاول استعادة وجه الكويت بملامح التسامح بعيداً عن الطائفية من خلال محطة إذاعية وموقع إنترنت، مروراً بالمضمون المحلى الكويتى حتى النخاع، ولكنه فى نفس الوقت الكونى الرحب حتى عنان السماء، المحطات الزمنية اختارها السنعوسى بمنتهى الذكاء الروائى، فتجد شخوص الرواية يتأرجحون ويغيرون مواقفهم 180 درجة، وكل مرة لهم مبرراتهم التى يقنعون بها أنفسهم، فى زمن الحرب العراقية الإيرانية تحمس معظمهم لصدام أسد العراق، ووجد البعض فى الخمينى الملاذ، ولكن عند غزو العراق للكويت أزيلت صور صدام من على جدران من كانوا يقدسونه من قبل، بعد التحرير انقسمت المشاعر حول السوبرمان الأمريكى، وبعد حرب لبنان أطلت الطائفية برأسها وفحيحها ما بين مؤيد لحسن نصرالله ومعارض له، المشاهد والمقاطع موزونة بميزان الذهب، اللغة مضمخة بعطر الشجن ومرارة السخرية التى تنتهى فيها الضحكة بفيضان دموع، ويختنق فيها الحلق بطعم العبرات المالح إثر ضحكة مجلجلة، شخصيات كافكاوية تتحرك فى فضاء عدمى، لا قانون منطقى يحكمه..

فوزية السنية قارئة إحسان عبد القدوس الرومانسية فى بيتٍ، المتحكم فيه رجل متزمت، يصيبها العمى وتفقد البصر لا البصيرة.. حوراء الشيعية المتفتحة للحياة التى تنتهى بفقد طفلها من زوجها فهد السنى ودخولها مستشفى الأمراض النفسية فى شبه قرار بالانتحار صمتاً.. فهد العاشق للموسيقى التى يحل بها كل خلافات أصدقائه الطائفية.. عباس وحسن.. حصة وزينب.. شخصيات متقابلة وكأنها مرسومة هندسياً فى تنافر رسمته مصادفة الميلاد فى هذا الوطن العربى المكتوب عليه أن يكتب تاريخه من المحيط إلى الخليج بمداد الكراهية!، «ما بال سدودك اليوم واهية تقرضها الفئران، تكشف عن قومٍ يقتاتون على كل شيءٍ فيك، حتى إذا فرغوا منك صار واحدهم يقتات على الآخر. حالك اليوم تشبه ما قالته لى أمى حصَّة صغيرًا، يخرج من بطنك دودٌ يأكلك، هى قيامتك اليوم أزف أوانها، وها أنا اليوم أكتبك خوفًا منك عليك، لا أجيد بكتابتى إلا فرارًا منك إليك، ولأننى رغم كل الخيبات فيك، لا أنوى إلا أن أموت.. فيك».. هكذا عبر الطفل الراوى عن مشاعره حينما اكتشف أن هناك فى المدرسة وفى الشارع صديقاً ينتمى إلى قبيلة نحن الأخيار، وآخر ينتمى إلى قبيلة هم الأشرار الأغيار!! حصة بأساطيرها ورصاص كلماتها وصفاء سريرتها وفطرتها الشفافة هى التى كانت تجمع النحن والهم، وعندما ماتت أحس الراوى أن الجدار الذى كانوا يستندون إليها قد انهار.

كتب واصفاً هذه اللحظة ببلاغة الفقد والرحيل: «أنتم لا تبكون موتاكم، أنتم تبكونكم بعدهم، تبكون ما أخذوه برحيلهم، يخلفونكم بلا جدارٍ تتكئون عليه، وأمك حصة جدار رغم تصدعاته كان متكئكم الآمن، ترك غيابها غصة فى حلوقكم، لا أنتم قادرون على لفظها ولا ابتلاعها، رحلت، شعرت وكأن بيت آل بن يعقوب بلا سقف يحميه، أخذت معها أجمل ما فى بيتها، صوتها الأخضر، رائحتها.. هدير مكنة خياطتها بكى من حولك كثيرًا، كلما تمالكت نفسك انفجر من أمامك باكيًا يستدر دموعك». تنتهى القصة بإيقاع لاهث لحرب أهلية مستعرة، القتل فيها على الهوية، يقتل فيها الصديق رفيق عمره لخلاف على إجابة سؤال أرهقهما طيلة مشوار العمر، «من يحتكر الرب؟»، كل منهما كان قد اقتطع مساحة الجنة لحسابه، بدأت الرواية بالطفل وهو يفقد أسنانه فى شجار للدفاع عن صديقه الذى عايروه بعقيدته، وتنتهى الرواية وهو يفقد نفس الصديق فى شجار عبثى، وللأسف من قتله هو الصديق الذى كان يعشق الغناء والموسيقى، قتله بحجر شج رأسه لينتهى لحن الحياة بصوت صراخ وندب ونشيج بكاء.

Print Friendly
This entry was posted in د. خالد منتصر and tagged , , . Bookmark the permalink.