متى يا عراق؟

علي عويس  

علي عويس

إذا جاز لنا أن نقول أن الأوطان تُبتلى كالبشر فلن يكون لنا من خيار إلا بالنظر إلى جرح العراق النازف عبر مسيرة طويلة توالت مشاهدها حين نزفت الجغرافيا بطعنات التاريخ فسالت في خرائطنا ما انقطعت له الأنفاس وذرفت لأجله العيون ….

وإذا كان هذا الابتلاء عطاء ….

فإن العراق بين الأوطان يوم الحساب لا شك فيه شفيعا

وإذا كان العراق الوطن الذي وضعت فيه قوانين حمورابي وبذرت فيه بذرة التنظيم الأولى التى تتجلى فيها سعة الدنيا وملامح الحضارة ورشد التنظير والتفكير من خلال 282 ماده قانونيه شاملة على مسلته الشهيرة تغالب خيال القانونيين إلى اليوم,, 

فإنه أيضا البلد الذي حاز السبق فيما تعرضت له البلدان من عنت وضيق وضرب وتشريد بالشكل الذي ضاقت فيه قلوب المؤرخين وهي تحصي مصائبه وتسرد وقائعه وتئن أقلامها حين ترصد ركائبه ….

وإذا كان العراق هو الأرض التى استقبلت الأنبياء فولد فيها إبراهيم ودفن فيها نوح وغيره من رسل الله فكانت رحلة من الجمال والجلال الذي يموج فيها ويمور …. 

فهو أيضا الأرض التى شهدت ذبح ( الحسين الشهيد ) ابن بنت النبي الخاتم على يد بغاة جيش يزيد ولم يكن حينها على وجه الأرض ابن بنت نبي سواه …

 فألقت من يومها السماء بظلال دمها على محياه …

فها هو العراق فريسة الاستبداد يلوكها عنف الحجاج ويسحقها نزق الوليد ويلعنها جبابرة بني العباس ويدخلها هولاكو فيهلك بها الأحياء ويسلمها كسيحة كدابة داسها الإعياء إلى احتلال عثماني ظالم وبغيض عمل تحت راية الخلافة كلص مارق يخطف ما يعيش عليه ويظلم ما دامت قدراته على المظالم تأتيه ولو بفتات من المقهور الضائع …..

إلى أن ركبها احتلال بريطاني رسم خدها على قدها ووزع في أرضها بذور تطعنها بسمها ما بقيت عراق الطوائف والمذاهب والأعراق والملل والأديان يكيد بعضها بعضا في فتنه طل من بين سطورها صدام الذي صدمها بكل جيرانها فما أبقى فيها منارة قادرة على القيام بحقها

هذا العراق هو نفسه بين سطور محنته من أعطى للحياة ملامح الحضارة الإنسانية والإسلامية وأمدها بكبار الفلاسفة والزهاد والعلماء والعباد وذوي الأفكار الكبيرة والآراء المستنيرة التى واجهت الظالمين وحسمت للحق ملامح ظلت بوجه التاريخ تستبين من ثورة التوابين إلى ابن الأشعث وحتى الحراك الذي أسقط بغي نظام صدام وبدأ معه دحرجه الطغاة في عالمنا العربي واحدا تلوا الأخر إلى مستنقع أعد لهم في قعر الجحيم ..

فالعراق ذي المحنه هو نفسه العراق واهب المنحة لواقعه وعالمه الذي لم يتخلى عن دوره أبدا مهما كان يعاني من آلام وتمزق

إلى أن استعر بحدوده اليوم غازيا سلفيا قادما من أحراش الماضي ذباحا مبيدا …

لا يعرف إلا الحرق والهتك يرفع راية سوداء يزعم تحتها أنه صاحب دينا … هجم على العراق عبر حواضن قبليه تشتهي الفتنه…. 

سكت العالم كله وهو يشاهد داعش بقدرتها المدعومة من دول خانت رسالتها كيف تسقط العراق في مستنقع الاقتتال الداخلي

لم يتحرك الضمير الإقليمي ولا الدولي لنصره شعب المصائب الراتبه والدماء السائبة

الشعب الذي يسكنه حزن العالم ويعيش بتاريخه كل نكبات الدنيا 

الدولة التى تحمل خارطتها هَم الأرض ومصائب الكوكب ….

فلم ينعشها غناها بعدما حولها لفريسة تنتظر من يركب ظهرها ويأكل خيرها !!

ولم يعظمها الموقع بل جعلها ساحة نزاع دولي وإقليمي … !!

ولم يرفعها جريان النهرين فكانت سببا لأطماع القبائل التى غزتها قديما ومعها أرذل صفاتها وأدنأ أخلاقها فباعتها للفتنه في كل موقع!!

فواقع العراق اليوم لا يدعوا إلا إلى التركيز على وطن تحمله رياح الفناء إلى قدر مجهول بفعل أنه ما زال مبتلى بقبائل تعشق الشقاق والتآمر على مقدرات الجغرافيا تعمل كل منها تحت عنوان إما أنا أو ليذهب الجميع إلى المنفى ….

هذا الفكر القبلي والحزبي والطائفي والإستقطابي هو من باع قديما استقرار العراق وسعادته ولم يتعلم من مرارة الدرس وعداوته فما زال متشبثا متلبسا بالاستبداد الذي يشم هواءه ويشرب ماءه وينال غذاءه من أرض داستها النسخ الخام لكل طواغيت الأرض

فإلى متى يظل هذا الوطن الجميل في عراك

بعالمنا أمم كثيرة بمكونات شعبية كبيرة الخلاف والاختلاف ولكنها دائما تتوحد خلف أوطانها حال الأزمات إلا العراق الذي تتوحد مكوناته خلف أجنداتها ….

فمتى نستيقظ على لحن الصباح الذي ينزوي فيه عن وجه الوطن ملاحدة الوطنية الذين باعوا قيم الإخلاص وقيمه الولاء ..؟

متى يا عراق ..؟

متى نردد وتردد مع محبوك لحن السلام 

صباح العُراق عليكم

صباح الخير يا دجلة والفرات

صباح الخير للسفن الراسية في شط العرب والنوارس التي تحلق فوق الصواري.

صباح الخير للقباب الذهبية والجوامع والكنائس

صباح الخير يا مدن العراق،

البصرة الفيحاء والسياب والموصل الحدباء وسر من رأى

صباح الخير يا جزيرة السندباد.. يا رحلة الخريف والشتاء.

متى يا عراق …نرتل ألحانك ….؟!

Print Friendly
This entry was posted in World History دول وشعوب, علي عويس and tagged , , , . Bookmark the permalink.