!ج 6 / العَزِلْ والإنتقاء والبقاء

قراءة في كتاب سحر الواقع The Magic of Realityرعد الحافظ

عالم البايولوجي البريطاني / د. ريتشارد داوكنز

رعد الحافظ  

مقدمة:

كبشرٍ عاديين نتعامل يوميّاً مع عملية التطوّر والإنتقاء الطبيعي.نرى تأثيرها وإنتاجها الذي نستعمله في الطعام والدواء (وحتى الأخشاب)!

أغلب المنتجات الزراعية (فاكهة,خضراوات,حبوب)،كذلك الحيوانية (لحوم,أسماك,بيض) التي نشاهدها في الأسواق ونستعملها في طعامنا المُعتاد،هي نتاج عمليّات التطوّر (الصناعي) التي أجراها المزارعون على مرّ العصور،وطوّرها العلماء في عصرنا الراهن للوصول الى الغلّة والنوعيّة الأفضل من جميع المناحي!

الآن أستمر معكم في قراءة وتلخيص هذا الكتاب العِلمي المفيد.ويتناول هذا الجزء قضيّة إنتقال أنواع من الاحياء الى مناطق جديدة،وعزلها عن قريناتها المشابهه.وما سوف يحدث لها من تطوّر بإتجاه مُغاير لمثلاتها في المنطقة الأصليّة!

***

صورة خوخ غالاكسي المُطوّر في السنوات الأخيرة!

خوخ

 ***

(ملخص ص 66 الى ص 74) ــ الجُزُر والعَزل: قوّة الإنفصال!

 عموماً أيّ نوع من العَزل الطبيعي بين الأحياء،ينجم أصلاً عن تكوّن حاجز جغرافي،كالنهر أو البحر الذي يتكوّن نتيجة زلزال أو فالق كبير

وهذا العزل يؤّدي لاحقاً الى تفرّع تطوّري للأنواع!

فالأحياء التي كانت مُتشابهة وتعيش معاً،يحدث لها تطوّر بإتجاهات مختلفة عندما تنعزل في جُزّر منفصلة تكوّنت بسبب زلزال مثلاً!

ذلك التطوّر يتأثر بالكثير من العوامل / نوع الطعام،حرارة الجو،نوع وطبيعة التربة،الظروف السائدة،قوّة وشراسة الأعداء المُحتملين..الخ!

ولفهم كيفيّة حدوث عملية الفصل الأخيرة بين جنسنا البشري والشمبانزي (الأقرب لجنسنا)،يتعيّن علينا العودة بالزمن 6 ملايين عام لنقابل الجدّ الأعلى الأحدث الذي يتشارك فيه جميع البشر والشمبانزي!

تتيح لنا حداثة هذا التوقيت ان نُخمّن الحاجز الجغرافي (المُحتمل) والذي ربّما كان السبب في عملية الفصل الأصليّة.

ذلك الحاجز (غالباً) كان وادي الصدع الكبير Great Rift Vally  في أفريقيا،حيث حدث تطوّر الإنسان على الجانب الشرقي،وللشمبانزي على الجانب الغربي!

فيما بعد ذلك التأريخ تفرّع خط أسلاف الشمبانزي Chimp الى نوع الشمبانزي الشائع وشمبانزي بجمي Pygmy أو البابونات.

ومن المقترح في هذا الحالة أنّ الحاجز كان (نهر الكونغو)!

وكما رأينا سابقاً أنّ الجدّ الأعلى المشترك لجميع الثدييات الحيّة،كان يوجد منذ 185 مليون عام.ومنذ ذلك الحين تفرّعت ذريّاته نتيجة العزل والإنفصال الطبيعي.ثمّ إستمرّت فروعها بالتفرّع،لتتمخّض عن جميع هذه الآلاف من أنواع الثدييات التي نعرفها اليوم!

التي تضّم 231 نوع من اللواحم (كلاب,سنوريّات,دُببة..الخ),2000 نوع من الحيوانات القارضة، 88 نوع من الحيتان والدلافين,196 نوع من الحيوانات مشقوقة المخالب (أبقار,أغنام،خنازير,وعول,ظباء..الخ)،

كذلك 16 نوع من عائلة الحصان (حيول,زبرا,تابير,وحيد القرن,..الخ)

و 87 نوع من الأرانب البريّة وغير البريّة،و977 نوع من الخفافيش،

و 68 نوع من الكنغر،و18 نوع من القرَدة (تشمل الإنسان)!

إضافةً الى الكثير الكثير من الأنواع المنقرضة على طول المسار (تشمل عدداً قليلاً من البشر المُنقرضين المعروفين فقط من الحفريّات)!

***

ص 74 / الخلط،الإنتقاء والبقاء!

سوف أستكمل هذا الفصل بسرد القصة مرّة أخرى لكن بلغة مختلفة قليلاَ!

ذكرتُ بإختصار موضوع (إنسياب الجين)،حيث يتحدّث العلماء عن شيء إسمه مستودع الجين (خزّان أو بُركة) Gene pool !

الآن أريد ان أتكلّم أكثر عمّا يعنيه هذا.

بطبيعة الحال لايمكن واقعيّاً وجود مستودع للجينات،فكلمة مستودع أو بُركة Pool   تفترض وجود سائل،قد تتحرّك فيه الجينات وتختلط.

لكن الجينات لاتوجد إلاّ في خلايا الاجسام الحيّة،فماذا يعني الحديث عن مستودع الجينات ؟

في كلّ جيل يُنظّر الى التوالد الجنسي على أنّ الجينات قد إختلطت!

فأنتَ مولود بخليط من جينات اُمّكَ وأبيك،ما يعني إختلاط جينات جدودك الأربعة.الأمر نفسه ينطبق على كلّ فرد من الناس وذلك على مدى زمن بالغ الطول من وقت التطوّر،يُعّد بملايين السنين!

خلال تلك الفترة تنظر هذه العمليّة من الخَلط الجنسي الى الجينات داخل جميع الناس بأنّها مختلطة بدّقة بالغة.بحيث تتحرّك وتتمازج في الواقع بما يجعل الأمر معقولاً لو تحدثنا عن (بُركة) دوّاميّة هائلة من الجينات أو “مستودع جيني”!

***

ص 75 / التطوّر والمستودع الجيني!

قلنا عند تعريفنا (للنوع) بأنّهُ جماعة من الحيوانات أو النباتات تستطيع أن تتكاثر مع بعضها بعضاً.والآن نستطيع أن نرى قيمة ذلك التعريف.

فإذا كان حيوانان عضوين من نفس النوع في نفس الجماعة،فإنّ ذلك يعني أنّ جيناتهم تختلط وتمتزج في نفس المستودع الجيني!

أمّا الحيوانان المنتميان الى نوعين مختلفين،فلا يمكن لهم الإشتراك في نفس المستودع الجيني.لأنّ ال DNA الخاص بهم لايمكنه أن يمتزج في تكاثر جنسي،حتى لو عاشوا وإلتقوا في نفس المنطقة!

أمّا لو إنفصلت جماعات (من نفس النوع) جغرافيّاً،فسوف تُتاح الفرصة أمام مستودعاتهم الجينيّة للتفرّع.إنّما لو حدث وأن إلتقوا مرّةً أخرى (بعد فترة معيّنة) لكان في مقدورهم التناسل معاً!

لكن لو تعذّرَ على مستودعاتهم الجينيّة الأمتزاج معاً،فمعنى ذلك أنّهم أصبحوا أنواعاً مختلفة!

ويزداد ذلك الإختلاف خلال ملايين السنين،ليصل ما يماثل الإختلاف بين البشر والصراصير!

معناها التطوّر أحدث تغيّراً في المستودع الجيني!

هذا التغيّر في المستودع الجيني يعني أنّ بعض الجينات صارت أكثر عدداً بينما بعضها أصبحت أقلّ عدداً.

الجينات التي إعتادت على الشيوع صارت نادرة أو إختفت تماماً.

بينما الجينات النادرة قد أصبحت شائعة.

النتيجة ستظهر بحدوث تغيير في الشكل أوالحجم أواللون أوالسلوك،

للأفراد النمطيين لهذا النوع!

إذاً يحدث التطوّر بسبب تغيير أعداد الجينات في المستودع الجيني،ذلك هو معنى التطوّر!

لماذا بتعيّن أن تتغيّر أعداد الجينات المُختلفة مع إستمرار تغيّر الأجيال ؟

لنقارن ذلك بالطريقة التي تتغيّر بها اللغة على مدى قرون!

***

ص 76 / الإنتقاء الطبيعي!

(في هذا الفصل) لسنا بحاجة للمضي أكثر في فكرة أنّ مستودعات الجين في الجماعات المُنفصلة يمكنها الإنعزال شأنها شأن اللغات.لكن من الناحيّة الفعلية (في حالة الأنواع) هناك ما هو أكثر بكثير من الإنعزال.

هذا (الأكثر بكثير) هو “الإنتقاء الطبيعي”،تلك العملية الأكثر أهميّة في إكتشافات (تشارلس داروين)!

حتى من دون الإنتقاء الطبيعي،يتوجب علينا توّقع حدوث الإنعزال للمستودعات الجينيّة المُنفصلة.لكنّها قد تنعزل بطريقة غير هادفة على نحوٍ ما.فالإنتقاء الطبيعي يدفع التطوّر الى إتجاهٍ معيّن،مثلاً إتجاه البقاء على قيد الحياة!

الجينات التي تبقى حيّة في مستودع جيني هي التي تتميّز بالجودة أثناء الحياة! وما الذي يجعل جيناً ما جيّداً في حياته ؟

إنّه يساعد الجينات الأخرى على بناء أجسام تكون جيّدة ومناسبة بما يكفي للحياة والتكاثر.أجسام تحيا بما يكفي لتمرير الجينات التي ساعدتهم في البقاء أحياء!

السؤال الآن على وجه التحديد,كيف يحدث التغيّر من نوع الى نوع آخر؟

تبقى الجينات حيّة في أجسام الطيور أو الخفافيش بالمساعدة في بناء أجنحة.تبقى الجينات حيّة في أجسام حيوان الخُلد بالمساعدة في بناء بنيتها القويّة ويديها اللتان تشبهان الجاروف.

وتبقى الجينات حيّة في أجسام الإسود بالمساعدة في بناء سيقان سريعة الجري،ومخالب وأسنان حادّة.

تبقى الجينات حيّة في أجسام الظِباء بالمساعدة في بناء سيقان سريعة وسمع وبصر حادّين.

وتبقى الجينات حيّة في أجسام حشرات أوراق النباتات عندما تكسب الحشرات ألواناً لا تُميّزها عن اوراق الشجر!

ومع إختلاف التفاصيل في جميع الأنواع يكون إسم اللعبة هو بقاء الجين حيّاً في مستودَع الجينات!

في المرّة المقبلة عندما ترى أيّ حيوان أو نبات إنظُر إليه وقُل لنفسكَ،إنّ ما أنظُر إليه هو ماكينة مُتقنة الصُنع لتمرير الجينات التي صنعتها.

إنّني أنظُر الى ماكينة جينات باقية على قيد الحياة!

وفي المرّة التالية التي تنظر فيها الى المرآة،عليكَ أن تُفكّر ذلك هو أنتَ أيضاً!!!

(إنتهى الجزء السادس من قراءة في هذا الكتاب العِلمي الرائع)!

***

الخلاصة:

أرفقتُ (أعلاه) صورة لفاكهة الخوخ المطوّر المُسمى (غالاكسي).وهو مُسطّح الشكل,حلو المذاق,ذو نواة صغيرة,أنتجته هيئة خدمات البحوث الزراعيّة الأمريكية بعد تجارب دامت عشر سنوات,إستعملت فيه جميع أنواع الخوخ في العالم وتدّخلت في نوعية الجينات للوصول لهذه الثمرة!

العَجيبة لازالت هناك نسبة كبيرة من البشر (خصوصاً في بلادنا البائسة)  لاتعترف بتلك العملية التطوّريّة،لا تتقبّلها،لا تُحاول فهمها أصلاً!

أيّ رجل دين أو إنسان عادي أو حتى (طبيب عربي مُسلم مثلاً) يرفض

التصديق بنظرية التطوّر والإنتقاء الطبيعي،معناها يُنكر ما حصل له شخصياً بإستخدام الأدوية المتنوّعة (خصوصاً المُضادات الحيويّة أو الأنتي بايوتكس مثل البنسلين والأرثرومايسين وشبيهاتها) التي تنفع في بداية علاج المريض,لكنّها بمرور الزمن تفقد قدراتها العلاجية تلك.

حيث تكون البكتريا (المقصود القضاء عليها) قد طوّرت نفسها لتصبح أكثر مقاومة للدواء! لذلك توّقف في السنوات الأخيرة (إلاّ في حالات خاصة) إستعمال تلك المُضادات الحيويّة في أغلب دول العالم،كونها تُجابه دائماً بتطوير البكتريا المقصودة لذاتها!

أوضح من ذلك أنّ أيّ مُبيد حشري،نجده يعمل في بداية إكتشافة ويفتك بالحشرات لكن بعد بضعة أعوام (أحياناً في العام التالي) نجد أنّ الحشرات بالكاد تتأثر بذلك المُبيد،ثم يختفي تأثيره عليها نهائياً،حيث تكون تلك الحشرات قد طوّرت قدرتها للمقاومة!

عندما أتسوّق شخصيّاً حاجتي الإسبوعيّة من الخضراوات والفاكهة،يخطر ببالي شكلها وحجمها في السابق قبل 30 عام مثلاً.

لا توجد واحدة منها بقت على حالها.حتى أنّي لم أعد أصادف رقّي (بطيخ) أبيض,أو خيار أو لوز مُرّ، أو أنواع من الفاكهة لاطعمَ لها!

كلّ شيء في حياتنا خاضع للتطوّر،فهو سرّ الحياة!

هل لأحدٍ منكم أن يدّلني على طريقة مناسبة أشكر فيها العُلماء الذين إبتكروا لنا طرقاً مناسبة في الصحة والسعادة والجمال ؟

فعندي أنّ كلّ كلمات الإعجاب والثناء في القاموس،ستبقى عاجزة عن ردّ جميلهم.أظنّ لو سألتُ أيّ عالم حقيقي،كيف لي أن أشكره سيجيبني:

علّم ماتفهمه من علمنا وجهودنا للناس،لعلّك تنفعهم ولو قليلاً!

  تحياتي لكم

رعد الحافظ

1 أغسطس 2015

Print Friendly
This entry was posted in Biblioteca مكتبة المحروسة, رعد الحافظ and tagged , . Bookmark the permalink.