مِعطَف جوجل

 محمد هشام   محمد هشام

يُعَد الأدب الروسي واحداً من أعظم الآداب العالمية إن لم يكُن أعظمها على الإطلاق لما تميز به من الصدق في التعبير عن الواقع والدعوة إلى الإصلاح الاجتماعي في نفس الوقت. ونقول أن النص الأدبي العظيم هو الذي يستطيع أن يتجاوز حدود المكان والزمان وهو ما تفردت به الأعمال الأدبية الروسية؛ فلا زال هذا الأدب يُقرَأ ويُبحَث ويُحَلَل ويُقارَن بغيره من الآداب حتى وقتنا هذا. فعالمية الأدب الروسي تنبُع في الأساس من قدرته على شمول كافة التجارب الإنسانية في كافة المجتمعات، فتفصلنا عن روائع الأدب الروسي عشرات السنين ورُبما مئات السنين ولكنه ما زال مُجَسِداً لمعاناة الإنسان الحالم البسيط المُهَمَش الذي يُعاني قسوة المجتمع والسُلطة والرأي العام. 

وإحدى أهم هذه الروائع التي جاد به الأدب الروسي على الإنسانية هي قصة “المِعْطَف” –قصة طويلة- التي نشرها الأديب الروسي العظيم نيكالاي فاسيليفيتش جوجل في عام 1842، وكان في الثلاثين من عمره، وحين نشرها للمرة الأولى لم يتوقع لها كل هذا النجاح؛ إذ إنه جاوز في عمله بين نوعين أدبيين يُقال أنهما لا يلتقيان: الواقعية والفانتازيا، وقدم في نفس الوقت حكاية في منتهى البساطة من ذلك النوع الذي يحدث في أي يوم في أي مكان، وهي سرقة مطف لموظف بسيط .. ومن هُنا نستعرض قول الجاحظ: الأفكار مُلقاة على قارعة الطريق .. لكن طريقة كتابتها ومعالجتها هي التي تُميز الغث والثمين.

 وتحكي قصة المعطف عن الموظف أكاكي أكاكيفيتش الذي كان يعمل بالدرجة التاسعة وكانت وظيفته نسخ الأوراق، وكان زملاؤه في العمل يحتقرونه وييهينونه ولم يكن يحظى بأي احترام في الإدارة رغم تفانيه في عمله وحبه له، وفي أحد الأيام بدأ أكاكي يشعر بوخزٍ شديد في كتفه وظهره لأن المعطف الذي كان يرتديه لم يكن يحميه من وخز البرد والصقيع بشوارع روسيا لكثرة الرُقَع الموجودة به، وكما يقول جوجل في عمله: الحياة بلا معطف في صقيع روسيا جحيم، وذهب أكاكي إلى الخياط بتروفيتش ليُرقِع ثوبه وليصلحه ولكنه أخبره بأن الأمر عبثاً وإهداراً للعمل وتضييعاً للنقود فعليه أن يقوم بشراء معطف جديد وهو ما لم يملك أكاكي ثمنه فاقتصد وتقشف من أجل حلمه باقتناء معطف جديد، ولم يُصدِق أكاكي نفسه عندما تسلم المعطف الجديد -الذي حاكه له بتروفيتش- خصوصاً عندما هب بهذه الهيئة الجديدة إلى مقر عمله وما لاقاه من احترام من الموظفين وكان اليوم بالنسبةِ له كالعيد، وفي أحد الأيام عندما كان يمشي أكاكي بشوارع بطرسبرج ليلاً ذاهباً إلى منزله –بعد حضوره لحفلة أقامها زملاؤه في العمل للاحتفال بمعطفه الجديد- قابله شخصين بشوارب نزعا منه معطفه وركلاه ركلةً قوية. وطرق أكاكي كافة الأبواب الحكومية وذهب إلى الشخصيات الهامة من أجل مساعدته في إرجاع معطفه لكن دون جدوى، وأصيب بورمٍ في زورِه وحُمى شديدة وبالهلاوس من شدة البرد وفارق الحياة، وجعل جوجل أكاكي يعيش بعد وفاته مكافأةً له على حياته التي لم يتنبه إليها أحد، فكان شبحه يظهر في شوارع بطرسبرج وينزع كافة المعاطف من على جميع الأكتاف؛ انتقاماً مما حدث له.

 وعبر جوجل في هذا العمل عن تناقضات عصرِه بشكلٍ لم يتناوله أحدٌ سواه من قبل، وجسدت معاناة أكاكي هذا المجتمع الذي تغيب فيه المساواة وتضيف فيه الفُرَص أمام الأغلبية الساحقة من الشعب الذي كُتِب عليه أن يكِد ويكدح دون الحصول إلا على الفُتات من الثروة. فعبر عن هذا المجتمع الذي يطحن شخصية الإنسان تحت عجلات العمل فلا يفكر في نفسه .. في متعته .. في قضاء وقت فراغه؛ فهو عبدٌ للآلة ولرؤساء العمل، وتحدث جوجل من خلال بطله أكاكي عن معاناة الإنسان البسيط المُهَمَش الذي لا يلتفت إليه أحد، هؤلاء الذين يعيشون على هامش الحياة ولا يشعر بهم أحد. وأهم ما أراده جوجل في هذه القصة هي الرغبة في فضح الوسط الذي لا يعرف الشفقة ولا الرحمة، هذا الوسط الذي لا يعبأ بأحزان وآلام واحتياجات الإنسان .. في هذا الوسط الذي لا يعرف التواضع ولا القيم! فيقدم لنا جوجل في عمله رسالة فلسفية مفادها أن المنصب والوظيفة والصيت الاجتماعي والأحساب والأنساب لها أثرٌ عميق في صياغة شخصية الإنسان وواقعه. جوجل

 وُلِد أكاكي في وسطٍ لا يساوي فيه الإنسان اللهم ما يحويه جيبه، ولا يُقيَم إلا من خلال هندامه الفاخر ومعطفه. وكان شراء معطف جديد بالنسبة لأكاكي حدثاً جللاً وحٌلماً بالنسبة له وقد ظن أنه اقترب من حلمه عندما اشترى القُماش ولوازمه مع الخياط بتروفيتش ووصل إلى حلمه بالحصول عليه واحترام الجميع له وسُرِق حلمه يوم أن سُرِق معطفه؛ فكُل إنسان يحلم ولكن على قدر ما يستطيع، والإنسان الذي يرفُض أن يحلم تضطره ظروفه رغماً عنه أحياناً إلى أن يحلم، وهو ما حدث بالضبط مع أكاكي أكاكيفيتش. وكان المعطف غطاءاً إنسانياً يقيه مرارة الاحتقار والسُخرية والازدراء والطبقية والازدواجية وعدم المساواة أكثر من كونه هنداماً يقيه شدة البرد والصقيع؛ فضياع المعطف مثل لجوجل –ولبطله أكاكي- بُعداً أخلاقياً وليس بُعداً مادياً ولذلك عندما فقد أكاكي معطفه فقد الرغبة في الحياة وفقد معناها أيضاً.

 وهذا عن القيمة الإنسانية لقصة “المعطف”، أما ما يخص قيمتها الأدبية فلا يفوتنا أن نذكر أن هذا العمل قد أسس لاتجاهين أدبيين حداثيين: أولهما “اتجاه الواقعية”؛ فنرى أن العمل ترجمة لحال وواقع روسيا في ذلك الوقت، وخاض جوجل حديثاً عن تلك الأمراض التي كان يُعانيها الأفراد في المجتمع لأول مرة ناقداً الوظيفة وأعباءها، وثانيهما “اتجاه الفانتازيا أو الخيال”؛ فرأينا أكاكي لم يستطع التعبير عما بداخله وعن رفضه لازدواجية مجتمعه ولإهانة زملائه وعن حقوقه في العمل، فاختار الكاتب نهاية خيالية للرواية علها تنتقم لأكاكي من هؤلاء الفاسدين ذوي القلوب المتحجرة؛ فأكاكي الحقيقة أو أكاكي الواقعي لم يستطع الصمود والدفاع عن حلمه، بينما أكاكي الخيال استطاع أن يرد اعتباره أمام نفسه وذلك أيضاً حتى لا يخرج القارئ ناقماً بائساً تعيساً. ومن هُنا لا نستغرب الرأي الذي يقول بأن جوجل هو الذي أوحى إلى إرساء تيار الرعب في السينما فيما بعد، وقال الفيلسوف الروسي الوجودي نيكالاي برديائف: إن تكعيبية بيكاسو مستمدة من إبداع جوجل، وقال أيضاً في موضعٍ آخر عن الرواية: “يُعَد جوجل مثار لغز بالنسبة للأدب الروسي. وأعماله دائماً ما تثير جدلاً وأحد هذه الأعمال “المعطف”.”

 وعن القيمة الأدبية النظرية لهذا العمل يقول سامي الدروبي في كتابه “الرواية في الأدب الروسي”: “بوشكين وليرمانتاف روائيان بارعان إلا أن الخالق الحقيقي للرواية الروسية هو جوجل”. ويُقال أن الأديب الروسي –وأمير الشُعراء الروس- ألكسندر بوشكين صرخ عندما قرأ هذا العمل وقال: “يا إلهي ما أبأس بلادنا، وما أبأس هذه الروسيا!”، وقال بيلينسكي –الناقد الروسي العظيم- أن المعطف أعمق ما نظم جوجل، وقال الأديب جيرسن أنه عملٌ عظيمٌ جبار..

 ولكننا لا نرى أصدق من مقولة الأديب العظيم فيودر داستاييفسكي حول هذا العمل: “لقد خرجنا جميعاً من معطف جوجل” وقال: “إن الرواية الروسية خرجت من معطف جوجل”. ولذلك رغم مرور ما يزيد عن المائة وسبعين عاماً ونيِف على كتابة هذا العمل إلا أن نموذج أكاكي سيظل موجوداً مادامت الإنسانية تحيا على وجه الأرض، فانفض ما يزيد عن القرن ونصف ومعطف أكاكي لم يبلى!

Print Friendly
This entry was posted in محمد هشام and tagged , . Bookmark the permalink.