المرأة المواطنة

احمد خير الله       احمد خير الله      

     اصبحت قيم المواطنة و المساواة من ابرز القيم و التي تمتاز بصفة عالمية و تحوز قدر كبير من الإنتشار و القبول ، ترتبط بسياقات ثقافية و حضارية و إقتصادية ، لما لها من دور في تحقيق الحداثة و السلم الإجتماعي بأنسنة المجتمع الدولي .

     إلا أن عملية تطبيق المواطنة و المساواة و العدالة ليست من البساطة و السهولة ، خصوصاً في المجتمعات العربية بوجه عام و المصرية بوجه خاص ، حيث تتصادم قيم الحداثة بالهيكل الإجتماعي و الإقتصادي و السياسي داخل الدول ، لذلك يلجأ الكثيرين لإجاد توفيقات بين تلك القيم الحداثية وبين الهياكل القائمة ، الأمر الذي ينتج اختلالات في المجتمع .

     تتجلى الاختلالات فيما يعرف بظاهرة “الفئات المهمشة” التي تواجه عدم المساواة في الحقوق المدنية و السياسية على المستويين “الإدراكي” و “الإجرائي”

     تعد المرأة في مقدمة الفئات المهمشة في النظام السياسي الذي ينظر إليها على انها فئة مجتمعية منفصلة ، لها أدوار اجتماعية محدودة و يشارك في هذه الرؤية القوى السياسية في أغلبها .

اشتركت في صياغتها التصورات التقليدية الدينية مع التقاليد المجتمعية ذات الصبغة البطريركية السائدة و التي امتدت من النظام السياسي و القوى السياسية إلى الوعي الجمعي للمواطنين و ممارساتهم بما في ذلك نظرة المرأة لذاتها و مكانتها ، أو بنظرة مخالفة يعد النظام السياسي نتاج طبيعة المجتمع و ثقافته .

     فرغم جملة المتغيرات الإجتماعية التي طرأت في السنوات الأخيرة ، المتمثلة في نمو نسب التعليم و الوعي و ما ينتجه ذلك من مزيد من تواجد المرأة في المجال العام و السياسي ، و تعدد أدوارها ، إلا أنه لم يرافق تلك المتغيرات استيعاب و استجابة لتمكين المرأة سياسياً ، ولم يغير ذلك من النظرة الدونية للمرأة و التي شاركت المرأة نفسها في صياغتها ، و تقف بفعل ثقافتها الموروثة كحائط صد ضد تغيرها ، مما نتج عنه شعور دائم لدى المرأة بالتهميش و تعمد الإقصاء .

     صحيح أن عملية الدمج السياسي يقابلها معوقات كثيرة ، إلا أن علاج هذه الاشكالية يسهم في تفكيك الهيكل الإجتماعي الذي يضع المرأة “مواطن من الدرجة الثانية” أو الثالثة مقارنة بفئات مهمشة اخرى منها المسيحيين و ذوي الإحتياجات الخاصة ، يختلف هذا الترتيب من فئة لأخرى متأثرة بعوامل دينية و مستوى اقتصادي و اجتماعي ، ولا عجب في ذلك في مجتمع تتعدد فئاته التي تحتكر كل منها لنفسها الحديث بإسم الوطنية ، وهو الحديث يغيب فيه مفهوم المواطنة و المشاركة و التعددية والتعايش السلمي . 

     تتعدد المسارات التي يجب العمل عليها لعلاج ازمة الدمج السياسي في مصر ، احداها يتعلق بمسار الدمج الشامل الذي يلزمه إدراك للأزمة و وعي بالحقوق المدنية و السياسية للمرأة بإعتبارها جزء من كل مجتمعي ، المسار الآخر الموازي هو إعتماد استراتيجية متعددة الأبعاد لعلاج هذه الاشكالية .

    البعد الأول : التشريع

    الدستور

من عيوب الدستور المصري أنه من الدساتير القصيرة التي تضع خطوط عريضة و تترك التفصيلات للقوانين التي تعكس رؤية المشرع ، وهو ما يتطلب إعادة التفكير – ولو على المدى البعيد – أن يكون الدستور اكثر تفصيلاً لموضوعات منها العمل و الرعاية الصحية و التمثيل السياسي و غيرها من العلاقات الاجتماعية التي تتطلب معالجة دقيقة .

    القانون المصري 

إلى حين تعديل الرؤية الفلسفية للدساتير لتفعل ما طرحته في النقطة السابقة ، فلا سبيل من الاعتماد على القوانين لتحمل توجهاً إدماجياً للمرأة ، و ذلك على المحاور الآتية :

    القانون المنظم للأحزاب ؛ بإلزامها بوضع المرأة بنسب معينة في هياكلها التنظيمية سواء على مستوى الجمهورية وصولاً للمحافظات 

    قانون الإنتخابات و تقسيم الدوائر ؛ من خلال التمييز الإيجابي و هو ضرورة مؤقتة مع وضع محفزات مالية لخروج المرأة للمجال العام و السياسي في قطاعات المجتمع الحدودية و ذات الثقافة المعادية لإنخراط المرأة في المجتمع .

    قانون الإدارة المحلية ؛ حيث نص الدستور على أن تكون للمرأة ربع عدد مقاعد المجالس الشعبية المحلية للمحافظات التي تشكل بالإنتخاب ، و يلزم مواد قانونية تفعل ذلك على ألا تتداخل تلك النسبة مع ما اشطرته الدستور بتمثيل الشباب و المسيحيين و ذوي الاحتياجات الخاصة ، و أن يمتد هذا التمثيل للمستويات المحلية الأدنى من مراكز و مدن و احياء و قرى كضرورة لاشراك المرأة في تنمية المجتمع المحلي في ضوء تفعيل نظام لامركزي .

    إعادة النظر في تشريعات الاحوال الشخصية و التي ماتزال متعارضة مع المواثيق الدولية و ترسخ التمييز السلبي ضد المرأة .

    البعد الثاني : الهياكل التنظيمية

هناك ضرورة لإنشاء مفوضيات لمكافحة التمييز و متابعة الانتهاكات و الممارسات التميزية ضد المرأة – ضمن الفئات الاجتماعية الاخرى التي تعاني التمييز- في المجال العام ، يكون لها صلاحيات كبيرة في قضايا التمييز ليصبح لها قبول مجتمعي، على أن يعني المجلس القومي للمرأة بتقديم الدراسات و الاستشارات المتخصصة في قضايا المرأة و تقديم الاقتراحات بكيفة علاجها .

    البعد الثالث : مناهج التعليم و الثقافة العامة

ذكرت في مقال سابق “الدين و التعليم و الاعلام و قضايا المرأة” الدور الذي يلعبه كل منهم في تكوين النظرة الدونية للمرأة ، و بذلك يجب تنقيح المناهج التعليمية من اي محتوى تمييزي ، مع العمل من اجل وضع مناهج اكثر تفعيلاً و دمجاً للمرأة و حقوقها .

كذلك يجب أن يكون لمنظمات المجتمع المدني مع المفوضية دور الرقابة على المحتوى الثقافي و الخطاب الإعلامي التمييزي ضد المرأة و الفئات الاخرى المهمشة .

على أن يتم دعم الحركات و المنظمات التي تتولى دور التثقيف و التأهيل و إعداد المرأة و الفئات الاخرى لتتمكن من تحقيق النجاحات و اثبات ذاتها .

     في نهاية الطرح اؤكد على أن الابعاد السابقة سيبقى نجاحها مرهون بنجاح خطط تنمية الوعي بقضايا التهميش و غياب المواطنة عن فئات متعددة ، كضرورة لتفكيك الهياكل التنظيمية و الثقافة الموروثة التي تتنافى مع قيم المواطنة و العدالة و المساواة ، حتى اصبح الوضع يحتاج إلى الإنصاف اكثر ما يحتاج للمساواة .

Print Friendly
This entry was posted in أحمد خير الله and tagged , , , , , . Bookmark the permalink.