الموضوعية في ثقافتنا المصرية… قناة السويس نموذجا

مؤمن سلاّم   مؤمن سلام

مازالت الأحداث تؤكد أن المصريين من أقصى اليمين الأصولي إلى أقصى اليسار العلماني ينطلقون من منهج تفكير واحد. ولعل أهم سمات هذا المنهج المصري هو غياب الموضوعية في تناول الأفكار والأحداث. ومن أكبر مؤشرات غياب الموضوعية في ثقافتنا المصرية هو الجدل والحرب الكلامية والدعائية الدائرة الآن بين أطراف الصراع السياسي في مصر حول مشروع قناة السويس.

فالمؤيد يسميها “قناة السويس الجديدة” في تعظيم وتفخيم غير موضوعي للمشروع، مما صدر للبسطاء فكرة خطأ وهى أنها قناة جديدة تماما موازية للقناة القديمة، وبذلك تصبح هناك قناة للسفن القادمة من البحر المتوسط وأخرى للسفن القادمة من البحر الأحمر. بل وصل الأمر بالبعض أن فهم من هذه البروباجندا المؤيدة أن كل خطوط الملاحة التي تدور حول أفريقيا ستتحول إلى قناة السويس بعد أن اصبحت تسير في الاتجاهين وبعمق يستطيع استقبال كل السفن مهما كانت ضخمة. ولا يدرك البسطاء أن هذا الكلام يعني إلغاء مواني شرق وجنوب وغرب أفريقيا، وهو أمر لن يحدث أبدا فهذه خطوط ملاحية ضرورية لحركة التجارة بين أسيا وأفريقيا لتصل في النهاية لأوربا حتى تكون ذات جدوى اقتصادية.

 ولا يدرك أغلب من يروجون لهذه الصورة الوردية أنهم يرتكبون جريمة الكذب على أمة كاملة ويخدرونها بوعود كاذبة ويرفعون سقف طموحاتها وهو ما سيدفع ثمنه في النهاية السلطة السياسية القائمة عندما يصطدم الناس بالواقع، وأن الأمر لم يكن كما صوره أحفاد جوبلز في الإعلام المصري وفي شبكات التواصل.

على الجانب الأخر، تسميها المعارضة “ترعة” أو “طشت أم وجدي” نسبة لوجدي غنيم أحد إرهابي الإسلام السياسي في تحقير وتقليل غير موضوعي للمشروع. فيصورون المشروع على أنه إهدار للأموال العامة وانه كان من الأفضل عدم إتمامه وأنة من الناحية الهندسية معرض للانهيار والتسبب في كوارث. إنها مجرد بروباجندا مضادة في محاولة لتحطيم كل شيء في مصر طالما انه أتى من السلطة التي حلت محل عصابة الإخوان في حكم مصر، فلا أدرى كيف كان المشروع عظيم أيام العياط ثم أصبح طشت أم وجدي في عهد السيسي؟؟؟

الغريب في الأمر أن المشروع كان واضح وصريح من أول لحظة أنه توسيع وتعميق للقناة لمواكبة التطور في صناعة السفن والنقل البحري وهو ما أعلنت عنه الدولة بكل صراحة عند تدشين المشروع. وهى ليست المرة الأولى التى يتم فيها تطوير قناة السويس فقد تم تطويرها في الأعوام 1956، 1962، 1980، 1994، 1996، 2001، 2010.

من الناحية الموضوعية المشروع لا جديد فيه فهو مشروع لتطوير قناة السويس، والسؤال الأهم هو، هل هذا التطوير سيزيد حجم التجارة المارة في قناة السويس وبالتالي زيادة إيراداتها ما يعود بالخير على الأمة المصرية؟

الواقع يقول أن حجم التجارة المارة في قناة السويس يعتمد على حجم التبادل التجاري بين أوروبا واسيا، فكلما زاد حجم التجارة بين القارتين كلما زاد حجم التجارة المارة في قناة السويس وبالتالي ارتفعت الإيرادات والعكس صحيح. إلا أن حجم التجارة بين أوروبا واسيا يعتمد على حالة الاقتصاد الأوروبي في علاقة طرديه.

كذلك، يعتمد حجم التجارة المارة في قناة السويس على أسعار وقود السفن، فكلما زاد سعر وقود السفن كلما كان استخدام قناة السويس أفضل اقتصاديا. وأخيرا، يعتمد حجم التجارة المارة في قناة السويس على رسوم القناة، وحالة الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط.

ببساطة المشروع ضروري لتطوير القناة، ولكنه ليس معجزة وليس طشت أم وجدي.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in مؤمن سلاّم and tagged , . Bookmark the permalink.