المَشْهَدُ الغَاضِبُ فِي تُرْكِيَا

(سِيْرَةُ الَّرَجُلِ المَرِيْضِ الذِّي لَمْ يَتَمَاثَل للشِّفَاءِ) بليغ

 د. بليغ حمدي إسماعيل

لا جدوى من اجترار حكايات التاريخ عن قصة الرجل المريض ـ أعني تركيا ـ الذي اتفقت الدول الأوروبية على إقصائه نهائيا بغير رجعة وإعلان سقوط الخلافة العثمانية قبل أن يسهم في محوها وانمحائها كمال أتاتورك معلنا عصرا جديدا للدولة التركية ومتخليا عن أبرز المظاهر الشكلية والمظهرية للخلافة العثمانية لأنها بالفعل بنت مجدها الحضاري على أيدي وعقول وإنجازات المصريين، الأمر الذي يدفعها حتى لحظة الكتابة إلى إيجاد مقعد شاغر لها من أجل البقاء ولو مدة قصيرة زمنيا من خلال تأييد الأنظمة السياسية المعزولة أقصد وأعني تنظيم الإخوان، أو من خلال السعي بغير كلل أو تعب أو نصب في معارضة النظام السياسي الحاكم الآن.

مَشْهَدٌ رَأسِيٌّ عَلى تُرْكِيَا:

لكن بعد إعلان جماعة حزب العمال الكردستاني انتهاء الهدنة مع السلطات التركية وتطور الأحداث هناك عقب مقتل جنديين وإصابة أربعة آخرين في انفجار قنبلة بمحافظة ديار بكر ذات الأغلبية الكردية، والأحد الماضي كانت محافظة ديار بكر على موعد مع العصيان وإعلان الغضب عن طريق إذاعة بيان رسمي لها أعلنت فيه أن الحادثة وقعت عندما تم تفجير سيارة محملة بالمتفجرات في أثناء مرورها بجوار سيارة تابعة للجيش التركي، وفور الحادثة وكا أذاعت وكالات الأنباء إلا الوكالات التابعة للنظام التركي الحاكم لأنها  مشغولة بقضايا ومشكلات الجماعة في مصر أكثر من انشغالها بالشأن الداخلي أن الجرحى تم نقلهم إلى مستشفى كلية الطب بجامعة ( ديكل )، وهناك بالقطع تحقيقات واسعة النطاق للعثور على الجناة، لكن الأبرز في الخبر أن حزب العمال الكردستاني قد أعلن عن انهيار عملية السلام بشكل نهائي وقطعي مع الحكومة التركية.

مِنْ تُرْكِيَا إلى الاتِّحَادِ الأورُوبِيِّ.. لِمَاذا تَرْفُضُنِي؟:

هذا الخبر جعلني وغيري نحترف تعقب أخبار أردوغان وتتبع خط سيره كما اعتاد هو احتراف تعقب الإحداثيات المصرية، وبهذا الشأن هناك جملة من الإشارات التمهيدية التي ينبغي التنويه عنها على عجل بغير خطى وئيدة. فتركيا التي اعتادت تعديل النموذج الليبرالي وفق رهانات دول الجوار لا تزال تحتفظ بأقنعتها التاريخية التي استحالت بالطبع بالية ومترهلة، وفكرة زحفها البطئ صوب الشرق تحديدا مصر المحروسة هو نوع يعكس الحالة المرضية للرجل غير المتعافي والذي سقط في أول اختبار مع الدول الأوروبية.

ورغم عمليات التجميل التي أجريت للكيان التركي وتكرارها من أجل الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي والانصياع لأوامره ونواهيه إلا أن هناك عقدة نفسية عنوانها الإقصاء السياسي عقب إسقاط الخلافة العثمانية والتحول الذي أجراه أتاتورك ولم يعد بتركيا إلى حالتها الأولى قبيل الإسقاط القسري. ولو فكر أردوغان وحاشيته قليلا أن الإقصاء الأوروبي هو في الأساس مفاده خطاب تركيا الثقافي الذي بات غائبا لسنوات بعيدة وجاء اليوم خطاب سياسي وليس ثقافيا يمثل الاقتحام وفرض الزعامات الواهنة بغير صفة شرعية لهذا الحضور الفقير زمنيا ومكانيا أيضا.

وربما الرجل الذي لم يتعاف بعد أقصد وأعني تركيا لم يفهم أن الوجود بالمحفل الأوروبي له شرائط وعلامات وثمة مشاهد تحكمه ؛ منها أن الاتحاد الأوروبي لا يعترف إلا بوجود عسكري قوي، وحضور ثقافي مستنير وناهض وله وجود عالمي، وأخيرا لغة تتمتع بالانتشار الواسع وهي أمور قد تبدو بعيدة المنال نسبيا بالنسبة لتركيا لاسيما في ظل انشغال حكومتها بقضايا أخرى وشئون لا تخصها.

أحلامُ الزَّعَامَةِ:

ولاتزال تركيا حتى اليوم على موعد بحلم قصير بإعادة إنتاج الماضي ونظرا لإفلاسها الحضاري وهذا تثبته وثائق التاريخ من خلال استعانتها بكل ماهر ولبيب في صنعته من المحروسة مصر في إعمار الأستانة التي ذهبت تاريخيا لفقر أصحابها الثقافي، فكان البديل الحصري لديها والمعقول أيضا هو إعادة إنتاج فكرة القومية التي غزت الشرق في ستينيات وسبعينيات القرن المنصرم، مما جعلها تنادي بالإصلاح الاجتماعي والسياسي، وهذا الإصلاح لم ينعكس على الشأن التركي الداخلي لوجود فوارق طبقية هائلة وشاسعة، وهي الحالة العجيبة التي تعاني منها تركيا اليوم ؛ حنينها إلى الوازع القومي البائد وهوسها الرأسمالي من أجل الحصول على منحة الرضا الأوروبي نحوها.  تركيا

ومشكلة كل الدول التي تنادي بالقومية والأممية والخلافة وإحيائها هي عدم قبولهم أو اقتناعهم من الأساس بفكرة التنوع الثقافي للأمم والشعوب وهو وجود سمات مشتركة بعينها تجمع كل شعب ومجتمع ومن ثم استحالة استقطاب هذا التنوع الثقافي الذي فشلت فيه العولمة نفسها. وكون الاستناد إلى رفع شعار أو علم أو التعبير بجمل بسيطة عن الواقع العربي تحديدا ليس شرطا للانتماء، فاللغة التركية البعيدة تماما عن تداولنا الثقافي العربي يجعل من مهمة تركيا للحضور والوجود مستحيلة تماما، وبات من الصعب لدى الكيان التركي إيجاد مرجعية ثقافية تجعل وجوده شرعيا داخل أنسجة المجتمعات العربية التي تفتخر بتاريخها ولغتها وحاضرها أيضا.

التَّنَوُّعُ الثَّقَافِيُّ.. وَطَنٌ يَأبَى الاسْتِلابَ:

ولأن المشكلة ثقافية، فكان من الأحرى على نظام أردوغان الثقافي أن يجري استطلاعا للرأي داخل المجتمعات العربية من أجل استبانة رأي المواطن العربي ومعرفته الثقافية بمبدعي تركيا ومؤسساتها الثقافية والحضارية، والنتيجة بالقطعية صفر، وحتى النخب العربية المثقفة تجدها بمنأى عن الحضور الثقافي التركي وغير مشدوهة لأية احتفاءات ثقافية تجري على أراضي مقر الخلافة العثمانية البائدة، سوى معرفة النخبويين بأفكار وآراء المستنير عبد الله كولن وسط تعقب قسري له من النظام الحاكم هناك.

الأمر الذي ينبغي التأكيد عليه وربما غفل عنه كثيرون من معلمينا بالمدارس التي تربينا فيها وعلى مقاعدها أن الغزو العثماني لمصر تحديدا ولبقية الدول العربية جاء نتيجة انحطاط ثقافي ولغوي على التحديد، وكما يقول سمير أمين في كتابه الماتع ” في نقد الخطاب العربي الراهن ” أن العزو العثماني كانت تتويجا للانحطاط اللغوي وتراجع مكانة اللغة العربية والثقافة العربية، وهما الأمران اللذان يمكن رصد التحولات بشأنها من خلال انتشار اللغة الفصيحة بشكل واسع وحجم الدراسات اللغوية الكبيرة والرصينة بجامعاتنا وعدد المطبوعات والمنتديات اللغوية بعالمنا العربي مما يجعل مرة أخرى فكرة العودة العثمانية مستحيلة بصورة مطلقة.

الصُّنْدُوقُ الأسْوَدُ للرَّجُلِ المَرِيْضِ:

ومؤخرا ظهر كتاب تركي المنشأ وهو ( 12 عاما مع عبد الله جول ) لكاتبه أحمد سافار الذي عمل مستشارا للرئيس التركي السابق والذي أسماه كثيرون الصندوق الأسود للحزب الحاكم كشف فيه عن محاولات أردوغان الاستيلاء على السلطة وما أعقبه من نكران للجميل وعدم الوفاء للرئيس السابق، والممارسات القهرية التي تعرض لها المفكر التركي عبد الله كولن وجماعته المستنيرة هناك، والكتاب يعكس حجم الممارسات التي فرضها أردوغان على مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي  ليصل به الأمر كما يقول مؤلف الكتاب لحجب موقعي تويتر ويوتيوب لمنع عمليات تسريب التسجيلات الصوتية التي تشكل حرجا على حكومته.

ونفس الرجل الذي لطالما وجع أسماعنا بالحديث عن الشرعية والرئيس المنتخب هو نفسه الذي اعلن في يوليو 2014 تحديدا بعد لقاء مطول مع عبد جول بأنه سيدخل الانتخابات الرئاسية في تركيا معلنا بأن الشعب سيختار رئيسه على أساس أن الاتحاد الأوروبي كان يعين رئيس تركيا !. وصرح آنذاك أردوغان بأن جول هو رئيس عهد الوصاية في الوقت الذي يريد فيه أن يفرض وصايته على شعب عريق متحضر كمصر ساهم في بناء وتشييد الخلافة العثمانية البائدة.

إنها تركيا التي بدأت برجل مريض أُسقطَ زمنيا لفقره الحضاري، مروراً بسيرة سياسية اتسمت بخيانة صديق العمر وعلى حد وصف زوجة عبد الله جول المعروفة هناك بخير النساء بأنها تتابع بكل دقة مشاهد نكران الجميل انتهاء بإقصاء أوروبي مستدام، وأخيرا فزع من المارد الذي أعلن عن إدراكه وإفاقته لقدره وقيمته التاريخية والحضارية، إنه الشعب المصري.. تحيا مصر.

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

مدرس المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية

كلية التربية ـ جامعة المنيا ـ مصر

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in د. بليغ حمدي إسماعيل and tagged , . Bookmark the permalink.