متى يكون المثقف مستقلا؟

 طلعت رضوان  طلعت رضوان

هل من حق المُـثقف أنْ يحتفظ بآرائه وأنْ يُعبّر عنها حتى ولو اختلف مع الثقافة السائدة فى وطنه؟ أعتقد أنّ الإجابة تتوقف على طبيعة النظام الحاكم، فإنْ كانت القيادة السياسية مؤمنة بالحرية بمعناها (الحقيقى) أى ممارستها على أرض الواقع، وليس مجرد شعارات زائفة، نكون إزاء منظومة سياسية تسمح بحق الاختلاف مع الثقافة السائدة، طالما أنّ الحوار فى الاطار العلمى، أما إذا كان نظام الحكم سلطوى/ أبوى/ شمولى/ فاشى فلا حرية لأى مُـبدع أو أى مُـفكــّر فى الاختلاف مع الثقافة السائدة، وهذا ما حدث فى التجربة المصرية بعد كارثة أبيب/ يوليو1952. 

وأعتقد أنّ الامتحان الذى تعرّض له (المُـثقفون المصريون) عن (هوية مصر) هو الامتحان الأشهر والذى كشف (عورة النظام الأحادى من جهة) واستسلام وخنوع الغالبية من المُـتعلمين المحسوبين على الثقافة المصرية السائدة لتوجهات النظام من جهة ثانية. فمنذ أنْ أعلنَ عبد الناصر عن مشروعه العروبى، مشى المُـتعلمون وراءه وأصبحتْ مصر- بقدرة البكباشى الطاغية – (عربية) وأصبح شعبنا (المصرى) بقدرة الفاشية الخارقة (عربى) واستطاع عبد الناصر- بأسلوبه الديماجوجى أنْ يخلط العروبة بالإسلام حيث مهـّـد لإعلان الوحدة البائسة بين مصر وسوريا بهذه (الخلطة) التى حافظ عليها، فوقف يشرح كيف اتحدتْ المنطقة (العربية) من وجهة نظره فقال ((… واتحدتْ المنطقة بسلطان العقيدة حين ارتفعتْ رايات الإسلام تحمل رسالة السماء الجديدة، وتؤكد ما سبقها من رسالات وتقول كلمة الله الأخيرة فى دعوة عباده إلى الحق)) (خطاب 5/2/58- مجلد مصلحة الاستعلامات- القسم الثانى- خطب عبد الناصر- من فبراير58- يناير60- ص4) وفى ذات الخطاب قال لأعضاء مجلس الأمة ((كان قراركم هذا تعبيرًا عن واقع هائل لا يمكن تجاهله وصدى مُستجيبًا لنداء قدسى لا نستطيع أنْ نـُغلق أذننا دونه)) (ص6) لم ينتبه المُـتعلمون المصريون لخطورة هذه الخلطة الفاسدة، التى خلط فيها عبد الناصر العروبة بالإسلام وضربهما فى الخلاط العروبى/ الناصرى. 

ولأنه على وعى بأنّ العروبة والإسلام وجهان لأيديولوجيا واحدة، وأنّ الإسلام ضد الحضارة المصرية، كما ورد فى الديانة العبرية (اليهودية/ المسيحية/ الإسلام) لذلك مزج فى خطبه بين ضرورة الانتماء (العروبى) مع (نفى) الانتماء الحضارى لمصر، ومن أمثلة ذلك عندما وقف أمام الشعب السورى فى ساحة الجلاء أمام قصر الضيافة فى دمشق يوم 9 مارس58 وقال لهم ((كنا نشعر بكم فى هذه المنطقة من العالم وقد عزلونا عنكم (يقصد الدول الاستعمارية) وأرادوا أنْ يُقيموا فى مصر بلدًا يتنكــّر لعروبته وينتمى إلى الفرعونية)) ومما يؤكد أنّ عداءه للقومية المصرية يدخل فى جديلة واحدة مع لغته الدينية، فقد أنهى هذه الفقرة قائلا ((ومهما حاول أعوان الاستعمار أنْ يُـفرّقوا ويُقيموا الحدود فلن يستطيعوا مطلقــًا أنْ يقضوا على ما أقامه الله وما بثــّـه الله فى قلوبكم من وحدة)) (المصدر السابق- ص55) ومع ذلك حدث الانفصال (وما أقامه الله) وفق كلام عبد الناصر، هدمه عبد الحكيم عامر بسياسته الرعناء وغروره وبطشه بالضباط السوريين الذين لم يستحملوا دكتاتوريته، بالاضافة إلى السياسيين السوريين الذين رفضوا نموذج عبد الناصر بإلغاء الأحزاب وتطبيق نظام الحزب الواحد، وكذلك رفض الرأسماليون السوريون تطبيق نظام المصادرة والتأميم كما حدث فى مصر. ولكن فى عامىْ 58، 59 (أى قبل الانفصال) ظلّ عبد الناصر يُتاجر باللغة الدينية. ولا تخلو فقرات باقى الخطب من النص على ((الإيمان بالله والاعتماد على الله أولا فى نجاح الوحدة العربية)) 

فإذا كان عبد الناصر يستنكر أنْ ينتمى (المصرى) لجدوده ولتراثه. وإذا كان الهجوم على الحضارة المصرية وعلى القومية المصرية، أحد أهم مفردات الأصوليين الإسلاميين، فالنتيجة هى التقاء الأصولية الإسلامية مع الناصرية فى محاولة هدم الأساس القومى لشعبنا المصرى، مع اختلاف التوجهات بين الإثنين، فالأصولية الإسلامية تسعى إلى وحدة مزعومة تــُسميها (وحدة المسلمين فى كل أنحاء العالم) فى شكل عودة الخلافة الإسلامية. والناصرية تسعى إلى وحدة طوباوية مريضة تـُسميها (الوحدة العربية) بينما الدول العربية التى بينها صراعات حدودية لم تستطع حسم هذا الصراع. ووصل الأمر لدرجة الغزو المسلح كما فعل عراق صدام حسين ضد دولة الكويت، التى استنجدتْ بالقوات الأمريكية والأوروبية لطرد الغازى (العربى) ولم تستنجد بالدول (العربية) والأمثلة عديدة عن أكذوبة (الوحدة العربية) و(القومية العربية) مثل تدخل سوريا السافر فى شئون لبنان (خاصة قبل يناير 2011) وإذا كانت المخابرات الأمريكية هى التى خطــّـطتْ ونفــّـذتْ لطرح عبد الناصر ((زعيمًا للقومية العربية والمُـتكلم باسمها)) كما ذكر إيفلاند فى كتابه (حبال من رمال- ص65) وإذا كانت المخابرات الأمريكية هى التى أنشأتْ محطة إذاعة (صوت العرب) فى مصر، فهل هناك شك فى أنّ عبد الناصر (مع افتراض حـًسن النية) حقق ما كانت تطمح إليه الإدارة الأمريكية وهو القضاء على (القومية المصرية)؟ وهو ذات الهدف الذى يسعى الإسلاميون إلى تحقيقه. وهنا تلتقى الإدارة الأمريكية مع الإسلاميين فى العداء لمصر الحضارة والتعددية. وهذا التلاقى بين الناصريين والإسلاميين والإدارة الأمريكية، لا يعنى الجلوس معـًا للإتفاق على الازدراء من الحضارة المصرية وتشويهها، وإنما العبرة بالنتائج. ولم يكتف عبد الناصر بالهجوم على جدوده (أو هكذا هو المُـفترض) المصريين القدماء والتبرؤ منهم، وإنما عـَمَـدَ إلى قلب الحقائق وتزويرها، حيث وقف يخطب – والعالم كله يسمعه – ليقول إنّ الدعوة إلى (الفرعونية) دعوة استعمارية. أما كلماته بالنص فهى ((واستطعنا أنْ نرى أنّ الدعوة إلى الفرعونية التى حاول الاستعمار أنْ يبثها بين الأمة المصرية (لاحظ قارئى التناقض فى كلامه والركاكة فى أسلوبه) إنما هى محاولة زائفة، يُحاول الاستعمار أنْ يُقسّم الأمة العربية ليقضى عليها جزءًا جزءًا ويقضى على العرب والقومية العربية ليحل محلها قوميات أخرى)) (خطاب 22/7/59- المصدر السابق – ص468) 

لم ينتبه المُـتعلمون المصريون بما فيهم الماركسون، إلى تطابق خطاب عبد الناصر مع خطاب الأصوليين الإسلاميين، فإذا كان عبد الناصر يستنكر أننا نحن المصريين ننتمى إلى جدودنا المصريين القدماء (الفراعنة) وفق التعبير العبرى الذى لا علاقة له بعلم اللغويات أو بعلم المصريات، فما الفرق بينه وبين الشيخ حسن البنا الذى قال ((الإخوان المسلمون لا يؤمنون بالقومية ولا بأشباهها ولا يقولون فرعونية وعربية إلخ)) وكما أنّ عبد الناصر كان يسعى إلى السيادة على الأنظمة العربية، فكذلك كان حسن البنا يسعى إلى السيادة على كل العالم ولذلك قال لأتباعه ((إنّ الدور عليكم فى قيادة الأمم وسيادة الشعوب)) ثم تكلــّم عن أنّ الدين يُـوجـّه المسلمين ((إلى أفضل استعمار وأبرك فتح ويقيم المسلمين أوصياء على البشرية القاصرة ويعطيهم حق الهيمنة والسيادة على الدنيا)) (طارق البشرى – الحركة السياسية فى مصر- 1945/52- دار الشروق- عام 83- ص72) وهكذا يكون الفرق بين البنا وعبد الناصر، أنّ الأول يسعى إلى (الأممية الإسلامية) والثانى يسعى إلى (الوحة العربية) بينما يجمع بن الإثنين العداء للحضارة المصرية وللقومية المصرية. وهكذا يكون الأمر فى زعم عبد الناصر: إذا تمسّـك شعبنا (المصرى) بجدوده وتراثه وحضارته، أى بثقاته القومية، وإذا تمسّـك السوريون واللبنانيون والعراقيون والأكراد والأمازيغ إلخ بثقاتهم القومية، فإنّ الاستعمار (هكذا) هو مُحرّض هذه الشعوب للتمسك بخصوصيتها، فى حين أنّ تجارب الاستعمار أثبتتْ العكس، أى أنّ الاستعمار لا يمكن أنْ يُحقق أهدافه فى السيطرة على أى شعب إلاّ بعد القضاء على خصوصيته القومية. وبهذا التزوير تصوّر عبد الناصر أنّ أحدًا (بخلاف العروبيين) سوف يُصدّقه لمجرد أنه ( دسّ ) كلمة (الاستعمار) فى كلامه. لأنّ أحدًا عاقلا لا يمكن أنْ يتصوّر أنّ قومية واحدة (= ثقافة قومية) تجمع بين السعودى والمغربى أو بين الكوينى والتونسى إلخ. مصر

وإذا كانت الإدارة الأمريكية هى التى طرحتْ عبد الناصر ((زعيمًا للقومية العربية)) وإذا كانت بريطانيا هى التى أنشأتْ جامعة الدول العربية، فإنّ اتهام الاستعمار بمحاولة ((تقسيم الأمة العربية ليقضى عليها ويقضى على العرب والقومية العربية، ليحل محلها قوميات أخرى)) هو اتهام فى العلن وتسعد به الإدارة الأمريكية التى تسعى – من خلال كافة أجهزتها – إلى القضاء على الخصوصية الثقافية لأى شعب يُقاوم من أجل الحفاظ على تراثه الحضارى، وأنّ هذه المقاومة تتمثــّـل فى تماسك شخصيته القومية. واستمر عبد الناصر فى خلط العروبة بالإسلام فألقى خطبة يوم 8/3/58 بعد التوقيع على إتفاق الاتحاد العربى بين اليمن و (ج.ع.م) قال فيها ((إنّ هذا الاتحاد إنما يُعبّر عن آمال الأمة العربية. وهو أيضًا تعبير عن الدعوة التى تنص على أنّ الاتحاد قوة. هذا الاتحاد الذى نادتْ به الكتب السماوية وعبّر عنه الإسلام. وإننا نرجو الله العلى القدير أنْ يُديم هذا الترابط)) (المصدر السابق- ص59) وفى خطاب 20/3/58 قال ((وبعد أنْ قام الاتحاد وأعلنتْ الجمهورية العربية المتحدة، كان من البديهى أنْ نبدأ سياسة جديدة عسى الله أنْ يكون قد هدى الضالين)) (المصدر السابق- ص89) وفى خطاب 25 فبراير59 قال ((فى هذه الأيام المجيدة التى نقف فيها لنـُجدد العهد لأبناء أمتنا العربية، أشعر بقوة دافعة مُستمدّة من قوتكم، لأنّ هذه الروح التى أراها إنما هى روح من عند الله)) (المصدر السابق- ص311) 

رغم تلك اللغة الدينية وخلط العروبة بالإسلام فإنّ الشيوعيين المصريين (الشرفاء) لم يتوقفوا أمامها، ولم يهتموا بهجوم عبد الناصر على الحضارة المصرية ولم يهتموا بتزويره لحقائق التاريخ التى تؤكد على أننا لم نكن (عربًا) فى يوم من الأيام، وأكثر من ذلك وصفوا (الشيوعيون الشرفاء) عبد الناصر بأنه ((بطل قومى ومناضل فى سبيل تحرير الشعوب من الاستعمار وزعيم اشتراكى إلخ رغم ما لاقاه الإنسان المصرى من قهر مادى ومعنوى، وما لحقه من انكسار نفسى وقومى نتيجة الهزائم العسكرية، وعلى الأخص هزيمة 56 وهزيمة 67 بمراعاة حجم المعلومات التى توفــّرتْ أخيرًا بفضل عدد كبير من الكتب التى تناولتْ هاتيْن الكارثتيْن على شعبنا (المصرى) والتى تؤكد (من خلال القراءة المُـتأنية لهذه الكتب) أنّ عبد الناصر هو المهندس الأول لهاتيْن الهزيمتيْن العسكريتيْن. ثمّ يأتى فى الدرجة الثانية باقى جنرالاته الذين كانوا مشغولين بكرة القدم وبالاستيلاء على قصور الباشوات (بتوع العهد البائد وفق النص الناصرى) وبالسهرات الماجنة. رغم كل تلك الحقائق المنشورة فى كتب عديدة، فإنّ الشيوعيين المصريين (وفق رومانسية شديدة العجب) يهيمون حبًا بجلادهم الذى اعتقلهم وأمر بتعذيبهم، التعذيب الذى أودى بحياة 19 إنسانـًا كانت جريمتهم أنهم يحبون مصر. وكانت النتيجة تشريد أسرهم. وحتى بعد خروج الآلاف من المعتقلات فقد عانوا من العودة إلى وظائفهم إلاّ إذا قبلوا التعاون مع النظام، سواء فى الاتحاد الاشتراكى أو فى الصحافة. كما أنهم – وهم فى المعتقلات – تعرّضوا لأبشع أنواع التعذيب النفسى المُـتمثــّـل فى ورقة الاستنكار الشهيرة لمبادئهم ومعتقداتهم الفكرية والسياسية. وكانت لغة ضباط المعتقلات من كلمتيْن : وقــّع واخرج. وانتصر الشيوعيون فى صراعهم الداخلى لمبادئهم ورفضوا التوقيع على ورقة الذل والعار (باستثناء عدد قليل وهم بشر فى كل الأحوال) أما أقسى أشكال التعذيب النفسى فكان فى شكل خطابات يكتبها ضباط المباحث على أنها من زوجات وأبناء المعتقلين. فهذه رسالة من زوجة تطلب من زوجها التوقيع على الورقة المطلوبة لأنها كما جاء قى الرسالة ((بعتُ أثاث البيت ولم يبق إلاّ أنْ أبيع جسدى) وهذا ابن يقول لأبيه إنه سوف ينتحر إذا لم يُوقع على الورقة ويخرج إلخ. رغم كل ذلك ظلّ الشيوعيون المصريون – بعد خروجهم من المعتقلات – يُردّدون الكلام الناصرى عن (الوحدة العربية) وتوأمتها (القومية العربية) بل وتمجيد عبد الناصر بصفته (محرر الشعوب العربية والأفريقية والآسيوية) فعلوا ذلك رغم أنّ عبد الناصر وصفهم بأبشع الصفات، ففى خطاب 11/3/59 قال ((إنّ الشيوعيين الذين قاموا يُدبرون المظاهرات ويهتفون ضد قادة الجمهورية العربية المتحدة وشعبها لن يجدوا فى العالم العربى من يستجيب لهم إلاّ العملاء. لأنّ الشيوعيين عملاء)) (المصدر السابق- ص354) وعبد الناصر يلقى هذه التهمة الخطيرة على كل الشيوعيين المصريين والسوريين والعراقيين واللبنانيين. وهى تهمة (فى الحكم العربى/ الناصرى/ الشمولى) تعنى الخيانة العظمى وعقوبتها الإعدام. وهذا الاتهام لا يمكن أنْ يصدر عن إلاّ عن شخص بلا وازع من ضمير إنسانى حى يحترم مُعتقدات الآخرين وآراء البشر وإنْ اختلف معهم. وليستْ مصادفة أنه كرّر ذات التهمة بالعمالة أكثر من مرة فى الخطاب الواحد، وفى كل خطبه ومقابلاته الصحفية طوال فترة حكمه. 

ففى خطاب 23/12/59 فإنّ عبد الناصر اتهم الشيوعيين المصريين والعراقيين والسوريين بالتعاون مع الصهيونية من أجل القضاء على (القومية العربية) وفى هذا الخطاب استخدم صيغته المُـفضــّـلة (الشيوعيين العملاء) 26 مرة وهذا بخلاف إطلاق الصفات التى تمس الكرامة مثل الوضاعة والسفالة إلخ (من693- 705) 

أما الشق الثانى من هجوم عبد الناصر على الشيوعيين، فهو الإعلان عن إيمانه بالله. وبسبب هذا الإيمان فهو ضد ((الالحاد والمُـلحدين)) فى صياغة لا تختلف عن صياغة الشيخ كشك أو الشيخ الشعراوى أو أى أصولى. ولمن يود التوثيق عليه الرجوع لمجلد مصلحة الاستعلامات السابق ذكره. 

رغم ما فعله عبد الناصر بالشيوعيين وما قاله عنهم، فإنّ الشيوعيين (ناهيك عن الناصريين والعروبيين) لا يزالون يعتبرونه ((محرر المشرق العربى ومُحقق الاشتراكية العربية)) إلى آخر تلك الأكاذيب، بل إنّ بعضهم كتب عنه مقالات المديح وقصائد التمجيد، مثل الشاعر (فؤاد حداد) الذى جعل الأرض (تتكلم عربى) ولم نقرأ عن شاعر فرنسى كتب (الأرض تتكلم فرنسى) أو شاعر إنجليزى كتب (الأرض تتكلم إنجليزى) إلخ. وفؤاد حداد كان أحد الذين اعتقلهم عبد الناصر، ومع ذلك كتب (وهو فى المعتقل) قصيدة فى رثائه قال فيها ((فين طلعتك فى الدقايق تسبق المواعيد/ يا فجر يا حضن مصرى يا أحن شهيد/ والابتسامه اللى أحلى من السلام بالإيد/ والمجانيه ومرايل بيضا والأناشيد/ تؤمر لى بحقوقى وهدوم الولاد فى العيد)) فهذا (الشاعر) يرى أنّ عبد الناصر هو (الآمر) بمنحه (حقوقه) بينما هو فى معتقلاته، وقد سلبه زبانية عبد الناصر أبسط حقوقه. 

يبدو أنّ مقولة علم النفس ((الإعجاب يعمى عن الحقيقة)) مقولة صحيحة وترجمتها (وقوع الضحية فى غرام الجلاد) ولأنّ الكتب التى كتبها شيوعيون شرفاء أمثال فخرى لبيب وفتحى عبد الفتاح وفوزى حبشى، بالإضافة إلى مذكرات خالد محيى الدين والكتاب المهم الذى كتبه أحمد حمروش من عدة أجزاء (قصة ثورة يوليو) إلخ تؤكد أنّ نظام عبد الناصر- المُعادى لأبسط مبادىء حقوق الإنسان – أجهض تجربة مصر الليبرالية مع سبق الإصرار والترصد، ومع ذلك فإنّ كثيرين لا يزالون يُدافعون عنه، إما لأنهم لا يقرأون أو يقرأون ما تـُريد لهم أنفسهم وهواهم.

وإلى هؤلاء فإننى أضع أمامهم شهادة أحد حمروش عن موقف عبد الناصر من الماركسيين الذين قبلوا العمل معه بعد خروجهم من معتقلاته العديدة، فذكر بحيادية المؤرخ الموضوعى (رغم دفاعه عن عبد الناصر وميوله الناصرية/ العروبية) كتب ((لاشكّ أنّ جمال عبد الناصر كان حريصًا على وجود فاصل بين زعامته وبين الأفكار الماركسية والتنظيمات الشيوعية. وأنه إذا كان قد استعان ببعض الماركسيين فى أماكن مسئولة فى أجهزته، فإنه كان يستعين بهم بصفة شخصية وبعد تأكده من أنهم لا يتبنون آراء معارضة لحركته السياسية أو له شخصيًا)) واعترف حمروش أنّ (حملة التطهير) التى قادها عبد الناصر، ((كان التطهير يصل إلى صغار الموظفين بينما يعجز عن الوصول إلى الوزراء)) ورغم الصداقة التى جمعتْ بين حمروش وعبد الناصر، فإنّ الأخير اعتقله ضمن مجموعة من الضباط الذين اعترضوا على (دكتاتورية عبد الناصر) وطالبوا بعودة الضباط إلى الثكنات وترك الحكم للمدنيين، وكان اعتقالهم يوم 15/1/53 وكما كتب حمروش ((ولم تقف الاعتقالات عند حدود الضباط فقط، ولكنها امتدتْ إلى السياسيين وبدأ اعتقال الشيوعيين يوم 16 يناير53. ولكن اعتقالى كان انذارًا لهم. ونشرتْ الصحف أنه تم اعتقال 101 بينهم 48 شيوعيًا)) (قصة ثورة يوليو- دار الموقف العربى- عام 81- ج2- ص100، 121) وتوالتْ الاعتقالات طوال فترة حكم عبد الناصر، وكانت الذروة مع مطلع عام 1959 وهى الاعتقالات التى استمرتْ حتى عام 1964، بعد موافقة أغلبية الشيوعيين على حل حزبهم، ورغم ذلك لم يتعلــّموا الدرس وظلوا (مؤمنين) بمشروعه (العروبى) المُعادى – ليس لشعبنا المصرى فقط – وإنما ضد الشعوب العربية، ويكفى أنه بسبب كارثة بؤونة/ يونيو67 مكــّن – عبد الناصر- إسرائيل ليس احتلال سيناء فقط، وإنما الضفة الغربية والقدس والجولان. ورغم تلك الهزيمة التى سيكتب المؤخون عنها – فى الألفية الرابعة – أنها أقرب إلى حواديت ألف ليلة وليلة الخرافية، فإنّ المُـتعلمين المصريين – بما فيهم الماركسيين – رفضوا (استقلال) ذواتهم والدفاع عن خصوصيتهم (الفكرية) وسجنوا عقولهم داخل معتقل (العروبة) مثلهم مثل الإسلاميين الذين سجنوا عقولهم داخل معتقل (الأممية الإسلامية) 

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in طلعت رضوان and tagged , . Bookmark the permalink.