إيمان بلا دوجما

 د.مراد وهبة   مراد وهبة

شئت أو لم تشأ فأنت فى الطريق إلى زمن يكون فيه الايمان أيا كان بلا دوجما، أى بلا معتقد مطلق. وقد ورد إلى ذهنى هذا الرأى إثر قراءتى لكتاب لمفكر انجليزى اسمه ستيوارت سيم وعنوانه الرئيسى «عالم أصولى» وعنوانه الفرعى «عصر مظلم جديد للدوجما» (2004). ومعنى العنوانين معاً أنك تحيا فى عالم أصولى يتسم بأنه عصر مظلم جديد للدوجما. والقول بعصر مظلم جديد يشير إلى عصر مظلم قديم.

والسؤال اذن: ما الفارق بين القديم والجديد؟ونجيب بسؤالماذا تعنى الذهنية الأصولية؟ وهو سؤال متضمن فى العنوان الرئيسى. والجواب عنه يسهم فى الجواب عن سؤالى السابق.

قيل عن الذهنية الأصولية إنها تعنى أن يكون الانسان مهموماً بالبحث عن الأمن فى زمن التغيرات الثقافية الجذرية، كما تعنى أن يكون مهموماً بالاستيلاء على السلطة حتى يستقر فيها المعتقد المطلق. وهى بهذين المعنيين تلفت الانتباه إلى أن هذه الذهنية هى من إفراز الطبيعة الانسانية. ومن هذه الزاوية يمكن القول بأن الأصولية واردة فى جميع الأديان الكبرى بدعوى أن كل دين يتصور أنه هو وحده الدين«الحق». ومن هنا لم تكن هذه الأديان متسامحة مع بعضها البعض، إذ كانت فى عدم تسامحها أو بالأدق فى تعصبها تضطهد وتقتل مخالفيها. والحروب الصليبية دليل على صحة هذا الرأى. ومع ذلك فقد لوحظ أن البروتستانتية، على سبيل المثال، قد انقسمت إلى فرق، وكل فرقة ادعت أنها مالكة للحقيقة المطلقة. ومن ثم لم يكن لأى منها «القدرة» على التحكم والسيطرة. أما ما يميز الأصوليات المعاصرة فهو التزامها بهذه القدرة. ومن هنا تولد الارهاب، وكانت الحجة فى ذلك أنه دون الارهاب فلا أمن للأصوليات. ومن هنا ثانياً أهمية تنظيم «القاعدة» برئاسة بن لادن، إذ هو يعنى«الأمن بالارهاب». والشهيد المفخخ هو أساس هذا النوع من الارهاب، ومن ثم صك مؤلف كتاب «عالم أصولى» مصطلح «أصولية البارود» وهو ترجمة للمصطلح الانجليزى gundamentalism . واللافت للانتباه أن المؤلف وضع حرف g بديلاً عن حرف F وبذلك أوضح ما هو كامن فى الأصولية من أنها قاتلة بالضرورة بحكم توهمها أنها مالكة للحقيقة المطلقة.

وإذا كانت هذه هى الذهنية الأصولية فى القرن الحادي والعشرين فكيف ذاعت وشاعت؟

تصور نفسك فى أفغانستان فى زمن طالبان حيث الحياة المعاصرة غائبة أو بالأدق حياة الغرب غائبة، وحيث أمور الاعتقاد الدينى أهم من أمور الحياة الدنيا، وحيث الدعوة إلى نقاء التراث وذلك بتدمير ما يخالفه. ثم تصور نفسك فى ايران فى زمن الخومينى، وهو زمن مماثل لزمن طالبان كما أنه مماثل لزمن الجمهوريات الاسلامية الست التى تحاصر روسيا. ثم تصور نفسك وأنت محاصر بـــ ـ«السوق الأصولى» وهو مصطلح كان قد صكه الملياردير المجرى جورج سوروس وكان يعنى به تحرر السوق من أى قيود تطبيقاً للشعار الذى ساد فى الغرب بعد الثورة الفرنسية وهو شعار «دعه يعمل» بلا شرط أو قيد، وهو الشعار الذى تتبناه مؤسستان دوليتان وهما البنك وصندوق النقد الدوليان لخدمة الدول النامية. وقد جاء بنتائج كارثية لأنهما يطبقان بغير قناعة من هذه الدول بل بغير وعى بأصولياتهما المخيفة. ومن هنا يمكن القول بأن ثمة تماثلاً بين السوق الأصولية والأصولية الدينية. إذ أن كلا منهما ليس فى حاجة إلى «تأويل» لأن النصوص واضحة وخالية من الغموض، ومن ثم فإن كلا منهما ملتزم بإخضاع البشر لأوامره، ومن ثم فالتقليد لازم والاجتهاد مرفوض، والنتيجة اغتيال العقل الناقد، وبالتالى اغتيال العقل المبدع وهما حجر الزاوية فى تقدم الحضارة الانسانية.

والسؤال اللازم بعد ذلك أين تكمن قوة كل من الأصولية الدينية والسوق الأصولية؟

قوة الأصولية الدينية تكمن فى استنادها إلى معتقد مطلق مدعوماً بأصولية البارود. أما قوة السوق الأصولية فتكمن فيما يسميه ستيوارت سيم «اليد الخفية»، وأنت تعرفها بما تتركه من آثار ليس فى إمكان أحد العبث بها لأنها مستقلة عن أى اعتبارات تخص الانسان. إنها تشبه اله الأصوليين من حيث إنه ليس محكوماً لا بالدول المستقلة ولا بالمؤسسات متعددة الجنسيات.

والنتيجة بعد ذلك أنك إذا تصورت كل ذلك ففى إمكانك بعد ذلك أن تتصور أنك تحيا فى عالم أصولى تخجل معه أن تدعو إلى علمانية قد تكون ترياقاً للذهنية الأصولية المريضة. وإذا أُغلق الباب على العلمانية فليس ثمة بديل بالايجاب، إنما ثمة بديل بالسلب وهو أن ترفض الأصولية، أى تقول «لا» بلا زيادة أو نقصان. وبهذا المعنى تكون «لا» فاقدة الأهلية لتغيير الذهنية الأصولية فيبقى الحال كما هو عليه أو يزيد. وهذه هى النتيجة التى النتهى إليها مؤلف كتاب «عالم أصولى» فى الخاتمة التى عنوانها «قل لا للأصولية».

والسؤال بعد ذلك:

أيها أقوى وأكثر فاعلية أن تقول «لا» للأصولية أو تقول نعم للعلمانية؟

الرأى عندى أن قول «نعم» أقوى، وأن قول «لا» هى الأضعف لأن قول «لا» خالية من تصور وضع قادم ومكتفية برفض وضع قائم. وبدون تصور وضع قادم فلا تغيير جذرى.

وإذا أردت مزيداً من الفهم فانظر إلى الشعارات المتداولة فى ثورة 25 يناير:ارحل.. لا أحزاب ولا إخوان. وماذا بعد؟ لا جواب، ومن هنا استولى على الثورة مَنْ لديه الجواب بــ «نعم» وكانوا الاخوان المسلمين. استولوا على السلطة ، واجبروا الوطن على السير فى اتجاه أصولية متجذرة فى فكر ابن تيمية حتى جاءت ثورة 30 يونيو فتوقف مسار الأصولية.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in د. مراد وهبة and tagged , , . Bookmark the permalink.