النظام الأبوي وتأثيره على العائلة والمجتمع والسلطة

د. إبراهيم الحيدري أبوية

يشكل النظام الأبوي “البطريركي” بنية اجتماعية وسايكولوجية متميزة تطبع العائلة والقبيلة والسلطة والمجتمع في العالم العربي وتكون علاقة هرمية تراتبية تقوم على التسلط والخضوع اللاعقلاني الذي يتعارض مع قيم المجتمع المدني واحترام حقوق الانسان، نتج عن شروط وظروف تاريخية واجتماعية وثقافية وعبر سلسلة من المراحل التاريخية والتشكيلات الاجتماعية والاقتصادية المترابطة فيما بينها حيث ترتبط كل مرحلة منها بمرحلة انتقالية تسبقها حتى تصل الى مرحلة النظام “الأبوي الحديث. ومن الناحية البنيوية فالنظام الأبوي يتكون من طرائق التفكير والعمل والسلوك ويرتبط بنمط معين من التنظيم الاجتماعي والاقتصادي التقليدي السابق على الرأسمالية.

وهو يتخذ من المجتمع العربي شكلا متميزا يقابل المجتمع الحديث، من خصائصه قابليته على الاستمرار وعلى مقاومة التغير والمحافظة على القيم والاعراف التقليدية القديمة. وعلى الصعيد الاجتماعي يهيمن النظام الأبوي على العلاقات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية التي تغلب عليها الانتماءات القبلية والطائفية والمحلية، لان المجتمع الأبوي هو نوع من المجتمعات التقليدية التي تسودها انماط من القيم والسلوك واشكال متميزة من التنظيم. وهو يشكل بنية نوعية متميزة تتخذ اشكالا مختلفة من بينها بنية المجتمع الأبوي العربي، الذي هو اكثر أبوية من غيره من المجتمعات واشد تقليدية واكثر محاصرة لشخصية الفرد وثقافته وترسيخا لقيمه واعرافه الاجتماعية التقليدية وتهميشا للمرأة واستلابا لشخصيتها، لانه ذو طابع نوعي وخصوصية وامتداد تاريخي يرتبط بالبيئة الصحراوية والقيم والعصبيات القبلية التغالبية التي تؤثر على بنية الثقافة والمجتمع والشخصية.

تمتد جذور النظام الأبوي في العالم العربي الى النظام القبلي الذي يقوم على صلة الدم والقربى والعصبية القبلية، وتكون من شروط تاريخية وجغرافية وثقافية وذلك عن طريق سيطرة الثقافة البدوية على الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية عن طريق نظام القبيلة ( المشيخة)الذي كان بديلا للدولة وادارتها كتنظيم اجتماعي يقوم على القيم والعصبيات والعلاقات العشائرية.

وبالرغم من ان الاسلام حاول تغيير البنية القبلية وجاء بمفهوم “الأمة” بديلا لمفهوم العصبية القبلية، الا ان النظام القبلي بقي مهيمنا على المجتمع والدولة حيث استمرت القيم والتقاليد في تأثيرها على العلاقات الاجتماعية. كما استمرت الصحراء العربية برفد القرى والارياف بموجات بدوية مستمرة خضع لها سكان الارياف والمدن وتأثروا بقيمها واعرافها وعصبياتها وذلك بسبب ضعف الدولة المركزية، بعد سقوط الدولة العربية ـ الاسلامية وعاصمتها بغداد على يد هولاكو عام 1256 مما سبب هيمنة النظام القبلي والمحلي على المجتمع وبصورة خاصة على بنية العائلة الممتدة في علاقاتها الاجتماعية والاقتصادية واستمرت حتى العصر الحديث، بالرغم من دخول كثير من عناصرالتحديث اليه، لان الدولة الحديثة ما زالت لم تكتمل وتنضج بعد، وكذلك مفهوم الوطن والمواطنة والهوية، التي ما زالت مفاهيم هلامية اولا، ولان تركيب بنية العائلة العربية في شكلها الأاولي لا يختلف كثيرا عن تركيب بنية القبيلة العربية لعصر ما قبل الاسلام، الا في بعض مظاهرها الخارجية التي تأثرت بالتحديث، وليس في سلوكها ومضامينها وقيمها وذهنيتها ثانيا.

كما أن النظام الأبوي هو بنية سايكولوجية ناتجة عن شروط تاريخية وحضارية نوعية تكونت من مجموعة من القيم والأعراف وانماط من السلوك التي ترتبط بنظام اقتصادي تقليدي له خصوصية وبواقع اجتماعي حي، وليس مجرد خاصية من خواص نمط انتاج معين بالعالم العربي.

خصائص النظام الأبوي

ومن أهم خصائص النظام الابوي العربي التقليدي انه يقوم على العصبية القبلية وتماهي الفرد مع القبيلة التي تبادله الولاء بوصفها مسؤولة على الصعيد الاجتماعي والسياسي عن كل فرد من افراد القبيلة، وهو ما يؤدي الى تعزيز النظام القبلي القائم على العصبية، الذي يجعل من العائلة حجر الزاوية في البنية الاجتماعية كما تفترض ان بنية القبيلة هي “كل” لا يمكن تجزئته باعتبارها عائلة موسعة او عشيرة او مجموعة من العشائر التي تكون القبيلة، التي تعزز كيانها بسيطرة مزدوجة: سيطرة الأب على العائلة وسيطرة الرجل على المرأة والولد على البنت، بحيث يبقى الخطاب المهيمن هو خطاب الأب الذكر وأوامره وقراراته.

وقد اتخذت “الأبوة ” صفتها من صلة القربى والدم وضرورة احترام الابن لأبيه والقيام على خدمته. ولا زالت تقاليد تقديم الأبن فروض الطاعة لأبيه واحترامه مستمرة حتى اليوم. كما ان احترام الأبن لأبيه هو الاحترام نفسه لعشيرته مركزا في شخص واحد يمثلها هو شيخها. وفي الحقيقة فان سلطة الأب ما هي الا مظهر فردي لسلطة القبيلة.

ورغم مرور مئات السنين بقي المجتمع العربي مجتمعا قبليا يتكون من وحدات اجتماعية اساسها القرابة التي تتمثل بالعائلة، التي هي جزء من الحمولة فالفخذ فالعشيرة فالقبيلة فاتحاد القبائل الذي يشكل المجتمع باوسع صوره. وتتكون الاسرة العربية من عدة عوائل عموما، وهي اسرة ممتدة كبيرة الحجم التي تشكل السمة الاساسية لبنية العائلة العريبة حتى منتصف القرن الماضي وتضم كل المتحدرين من جد ذكر واحد وينصهرون في وحدة واحدة ويحمل جميع افرادها اسم الجد الاول للاسرة.

وفي الأرياف العربية ترتبط بنية العائلة ارتباطا وثيقا باسلوب الانتاج الاقتصادي السائد والعلاقات الاجتماعية التي تشكل الارض والزراعة ركزتها الاولى والاساسية، وتعكس بشكل واضح بنية النظام القرابي الذي يقوم على التضامن والتماسك والتعصب العائلي في مواجهة المشاكل والاعباء والصراعات مع العوائل الاخرى ومع الحكومات وغيرها. ولذلك تحتاج العائلة الى تكثير النسل لرفد الارض بايدي عاملة ذكورية كثيرة والزواج المبكر ومن داخل العائلة (ابن العم وابنة العم) وكذلك تعدد الزوجات التي تفرضها وحدة العمل في الارض. وهكذا بقيت العائلة العربية الممتدة حتى وقت قصير تشكل وحدة اجتماعية انتاجية بفعل استمرار الظروف والشروط البنيوية لتطورها حتى نهاية القرن التاسع عشر. (انظر كتابنا: النظام الأبوي واشكالية الجنس عند العرب، دار الساقي، بيروت 2003).

ويلاحظ المرء بقاء مظاهر سلوكية ما تزال تفعل فعلها في اعادة انتاج العلاقات القرابية، التي تظهر في الميل الى التقارب السكني في منطقة واحدة او مدينة واحدة، الكاظمية والاعظمية مثلا، وتوثيق علاقات القرابة بحضور المناسبات العائلية المختلفة وبخاصة في مناسبات الزواج والاعياد والوفيات وغيرها. وما زال الزواج الداخلي يشكل النموذج المفضل لدى كثير من العوائل العربية الممتدة. كما يمتد النظام الأبوي ـ البطريركي العربي الى تشكيلات السلطة التي ما زالت تعتمد على النفوذ العائلي، وما زالت التكتلات العائلية والعشائرية والطائفية تلعب دورا هاما وبارزا في كثير من القرى والارياف وحتى في كثير من المدن العربية. 

وليس من النادر ان نجد افراد قبيلة واحدة اوطائفة واحدة اومدينة واحدة او منطقة واحدة يسيطرون على السلطة والدولة والنفوذ ويتحكمون في رقاب الناس. وهذا دليل على ان السلطة الابوية ترتكز على العائلة الممتدة، التي هي النمط القرابي السائد، الذي يمتد الى النظام السياسي الحديث و يستمد شرعيته من كونه نظاما قرابيا أبويا يطرح الحاكم نفسه فيه على انه “الأب القائد” وان جميع افراد الشعب هم ابناءه، وهو يخاطب رعاياه ب “أولادي” وعليهم جميعا واجب تقديم الولاء والطاعة والخضوع له دوما، وفي ذات الوقت ينتظر “الأب القائد ” من ابنائه الولاء المطلق له. وهو بهذا يجسد النظام اللأبوي-الذكوري المسيطر على المجتمع العربي بعامة والمجتمع العراقي بخاصة. والحاكم، في الحقيقة، هو المستفيد الاول من هذه “الأبوة” التي تساعده على السيطرة على رعيته واخضاعها لمشيئته واستبداده.

وتدعم النزعة الابوية فكرة الجماعة المتشابهة المطيعة التي تساعد على الخضوع للنظام الاجتماعي والسياسي، مثلما تساعد على تغييب مفهوم المواطن الفرد واستقلاله الفردي عن الجماعة وكذلك تغييب خصوصيته وتذويب شخصيته في الجماعة. وكلما يفقد المرء فرديته واستقلاليته، كلما يشعر بعدم أهميته وضعف مسؤولية، لان المسؤولية الجماعية تقع على عاتق العائلة والعشيرة والتي تطغي على كل مسؤولية فردية. والحقيقة فان الحضارة الحديثة تقوم على مفهوم التخصص وتقسيم العمل الاجتماعي بين الافراد حيث يوضع الشخص المناسب في المكان المناسب، وهو ما يتعارض مع قيم العائلة والعشيرة والمنطقة والطائفة وما يشبه ذلك، التي لا تضع للفرد أهمية سوى كونه واحد من الجماعة، بعكس الحضارة الحديثة التي تعطي للفرد مكانته المحددة في المجتمع حسب امكانياته وكفائته ومقدراته.وهذه الحوافز هي التي مكنت المجتمعات المتقدمة من التطور والتقدم والرقي.

ثنائية التسلط والخضوع

ان العلاقة التي تتحكم بين الرئيس والمرؤوس، في العائلة والقبيلة والطائفة والمجتمع والدولة، هي “علاقة هرمية” وشكل من السيطرة الأبوية التي تقرر ثنائية من التسلط والخضوع، ليس بين الفرد والعائلة فحسب، بل بين الحاكم والمحكوم، حيث ما زال الحاكم العربي يستبد برأية وارادته المطلقة ويتم التعبير عنها بالاجماع القسري. فهو الخليفة والوالي والامير والشيخ والرئيس والأب القائد، الذي يصدر الاوامر والنواهي وعلى الرعية والسكان والشعب ان يخضع لأوامره ونواهيه ويقول دوما: سمعا وطاعة.!

هذه العلاقات غير العادلة وغير المتكافأة بين الرئيس والمرؤس لابد وان تولد صراعا اجتماعيا وتناشزا نفسيا من شأنه تضخيم الذكورة وتبخيس الانوثة وتجعل من الولد الاكبر (البكر) رجلا متسلطا حتى على اخته التي تكبره سنا وثقافة. وتنتقل هذه العلاقة التسلطية من البيت الى المدرسة والوظيفة والمصنع والمؤسسات الامنية والعسكرية وحتى الى اعلى قمة في هرم السلطة. وبحسب اريش فروم فان العلاقة ذات النزعة الابوية هي علاقة استبدادية تسلطية قد تؤدي الى استجابات متعارضة، فهي اما ان تؤدي الى الخضوع الزائد عن اللزوم الى المتسلط، أو النبذ التام لسلطته والتمرد عليه، وهو مصدر من مصادر ثنائية التسلط والخضوع. في مثل هذه المجتمعات الأبوية التقليدية تصبح الثقافة هجينية بل ومهجنة وتستخدم كأداة خطاب للسيطرة والخضوع، بدلا من التواصل والتفاهم والحوار العقلاني الرشيد.

كما ان هذه العلاقة التسلطية تلغي الحرية مثلما تلغي الحوار والتفاهم في الاسرة وفي المجتمع وكذلك في السلطة، أي تلغي السياسة، من حيث هي فعل حواري بين افراد مستقلين يتخطى العائلة الى السلطات الحاكمة التى هي اساسا سلطات عائلية ايضا، تهتم بمصالح العائلة لا بمصالح الشعب والوطن. وهكذا ينتقل الاستبداد والتسلط من العائلة الابوية الى السلطة الحاكمة.  كما تقوي العلاقة التسلطية التنظيم البيروقراطي، الذي يقوم على القمع والطاعة والخضوع ويحول الافراد الى مجرد ألات بحيث تمسخ شخصياتهم وتغتصب حقوقهم وتمتلخ انسانيتهم. وبهذا المعنى فأن هذا النوع من الاستبداد لا يعني بلوغ الرشد، وانما اللارشد، الذي لا يحرر الانسان، وانما يقيده بسلاسل من الجهل والخوف والخنوع، بحيث يفقد المرء الثقة والاحترام المتبادل مع الاخر وكذلك مع المجتمع والثقافة.

وهكذا يكشف النظام الأبوي عن وجهه الاستبدادي القمعي وترسيخه لقوة الموروث التقليدية.

إيلاف

This entry was posted in Terms عالم المصطلحات and tagged , . Bookmark the permalink.