الإيكولوجيا

معين رومية  بيئة

تَرافَقَ نشوءُ الحركات البيئية في ستينيات القرن العشرين مع دراسات وتأملات فكرية متناثرة ترى إلى المشكلات البيئية من منظور مختلف عمَّا هو سائد في البحوث العلمية. ومع تفاقُم هذه المشكلات وتحوُّلها إلى أزمة شاملة على الصعيدين المحلِّي والعالمي، بدأت هذه الدراسات بالتحول إلى تيار عريض يضم مدارس متنوعة تتلاقح فيها الأفكارُ الفلسفية مع المفاهيم التي أدخلتْها الإيكولوجيا.

تفرعت الإيكولوجيا Ecology كفرع علميٍّ من البيولوجيا في أواخر القرن التاسع عشر في سياق التشعب المتزايد للتخصصات المعرفية، الناجم عن فتوح الثورة العلمية وتوالي اكتشافاتها في الميادين كافة. وقد ابتكر هذا المصطلحَ العالمُ الداروِني الألماني إرنست هايكل في العام 1886 مستعملاً الكلمة الإغريقية oikos (“منزل الأسرة”)، ونَقَلَ الدلالة إلى “منزلنا الأرض” Earth-household. وكانت الإيكولوجيا تعني عنده دراسة العلاقات التي تربط داخليًّا بين أعضاء كوكب الأرض. وفي العام 1909، استعمل عالم البيولوجيا البلطيقي ياكوب فون يوكسكل لأول مرة مصطلح “بيئة”environment التي تعني الوسط المحيط بالكائن الحي، فأصبحت الإيكولوجيا العلمَ الذي يدرس العلاقات المتبادلة بين الكائن الحي وبيئته. وتتخذ هذه الدراسة موضوعًا لها المنظومة الإيكولوجية الكوكبية (الأرض ككل) والمنظومات الإيكولوجية الجزئية التي تتكون منها. ويعرَّف بـ”المنظومة الإيكولوجية” ecosystem بأنها مجتمع من الكائنات الحية وبيئتها المادية يتفاعلان كوحدة إيكولوجية متكاملة غير قابلة للاختزال.

لكن، بما أن الإنسان، من بين الأحياء، هو الكائن الذي ينوء بكلكله على البيئة الطبيعية ويسبِّب تراجُعها، فقد كان من المشروع في نظر المفكرين توسيعُ البحوث الإيكولوجية إلى مستويات جديدة لا يُعنى بها العلم. فبدؤوا بتحرِّي التشوهات التي أصابت العقل والثقافة ونجمت عنها هذه الأشكالُ الخطرةُ من السلوك البيئي غير الحصيف في مناحي الحضارة المعاصرة المختلفة – في الاقتصاد والسياسة والعلم والأخلاق والحياة الروحية.

يحاجج هؤلاء بأن ما نشهده من إخفاق في تعامُلنا مع البيئة الطبيعية يعود إلى فشلنا على الصعيد العقلي في موضعة ذواتنا ككائنات إيكولوجية: فقد أمعنَّا، نحن البشر، في فصل أنفسنا عن الطبيعة كي نسوِّغ استعلاءنا وهيمنتنا عليها وفقدنا، بالتالي، القدرة على الاستجابة لها بلغة أخلاقية تواصلية. وفي هذه السيرورة من الانفصال، التي ميَّزتْ الثقافة الغربية الحديثة والمعاصرة، اكتسبنا بالتدريج فكرةً زائفةً عن شخصيتنا الخاصة وعن مكانتنا في العالم ودورنا فيه تتضمن أيضًا إحساسًا زائفًا بالاستقلال عن السيرورات الطبيعية التي نشأنا في سياقها.

ويبدو جليًّا، على الصعيد العملي، فشلُ المؤسَّسات المحلِّية والعالمية في مواجهة الأزمة الراهنة. ومن الواضح أنه ليس ثمة ثقافة أو حضارة تأمل في النجاة أو البقاء على المدى الطويل مع استمرار هذه السيرورات الهائلة من تدهور النطاق الحيوي biosphere. إن إتلاف السياق الإيكولوجي الكوكبي الذي يرعى ظاهرة الحياة يتطلَّب من نوعنا البشري استجابةً واضحةً صريحة. فعلى الرغم من شيوع مصطلح “الاستدامة” sustainabilityاليوم، فإننا نبدو مشلولي الحركة أمام التغيرات البيئية السريعة التي تحدث حدوثًا غير متوقع. إننا نمتلك القدرة على إحداث التبدلات المطلوبة للعيش على نحو مستدام، لكن يبدو أن المسألة ليست في المزيد من المعرفة العلمية والتكنولوجية، بل في تطوير ثقافة بيئية تعترف بـ”الآخر غير البشري”the non-human Other وباتكالنا عليه وتكون قادرة، في الوقت ذاته، على اتخاذ قرارات سليمة غير خاضعة للمساومات الضيقة، سواء تعلَّق الأمرُ بأسلوب الحياة أو بالتنظيم الاجتماعي–الاقتصادي أو بالعلاقات ما بين الدول.

تتطلب الأزمةُ البيئيةُ نوعًا جديدًا من الثقافة لأن العامل الرئيسي الذي كان من وراء نشوئها هو الثقافة العقلانية الأداتية وثنوية الإنسان/الطبيعةالمرتبطة بها التي وَسَمَتْ الثقافة الغربية الحديثة بسِمَتِها منذ لحظة التأسيس الديكارتية. فقد تطاولت هذه الثنوية dualism وأضحت نسقًا فكريًّا اعتبر أن العقل المنفصل جذريًّا عن الطبيعة هو الخاصية الأساسية للبشر، كما وضع الحياة البشرية في مرتبة أسمى وأعلى من باقي الطبيعة. هكذا رسمالمذهب العقلاني Rationalism، من خلال سردية كبرى، خريطةً لسيادة العقل على الإنسان والإنسان على باقي مخلوقات الطبيعة ومكوِّناتها. وبذلك شوهت الثقافة الغربية، بتمركزها المفرط على العقل، الكثيرَ من مناخات الحياة الإنسانية وأتاحت، عبر مسارات كثيرة، نشوءَ الأزمة البيئية وبلوغَها المنعطف الخطير الحالي.

فخصائص هذه الثقافة في صناعة النجاح وبلوغ أقصى المردودية والنزعة الاستهلاكية المفرطة، ترافَقت جميعًا مع قسوتها التي لا ترحم في التعامل مع البيئة الطبيعية وفي نهب مواردها. وقد أتاحت لها هذه الإيديولوجيا الضمنية السيطرةَ على الآخر غير البشري، ومن ثمَّ اكتساح الثقافات والشعوب الأخرى وإقصاءها من ميدان الفعل الثقافي والحضاري، وبالتالي، استبعاد أية أفكار أو قيم بديلة تحمل معاني الانسجام والتوافق مع الطبيعة وكائناتها.

فما نواجهُه من أزمة بيئية هو، في التحليل الأخير، أزمة الثقافة المهيمنة، أو لنقل، أزمة في ثقافة العقل. وقد يغري هذا الأمر بالحكم المتشائم الذي يقول إن العقل، في حدِّ ذاته، “غير إيكولوجي”. لكن الاعتراف بتعددية العقل وتاريخيته، وبالتالي، بتاريخية الثقافة الغربية الصادرة عنه، يبيِّن لنا أن المشكلة ليست في العقل في حدِّ ذاته، بل في الشكل المتبلِّد، المتعجرف، الذي نشأ في إطار المذهب العقلاني وسرديَّته حول السيادة على عالم الطبيعة.

لقد غابت المسألة الأخلاقية عن المشروع العقلاني، وانعكس ذلك في ثنائية “الأنا المحض” في مقابل “الآخر المحض” على جميع المستويات، مما ألقى ضغوطًا قوية على النطاق غير البشري نجمتْ عن ثنوية الفرد/الملكية العائدة للتنظيم الرأسمالي للحضارة الغربية وعن ثنوية الذات/الموضوع في الأنساق المعرفية، وخصوصًا نسق العلم. وآل الأمرُ إلى “تطبيع” normalization المقاربات الأداتية التي تُعامِل الآخر غير البشري كمُلكية مستثناة من الاعتبار الأخلاقي. من هنا تأتي أهمية النظر من جديد في تاريخ ثنوية الإنسان/الطبيعة وفي دورها في تشكيل الثقافة المهيمنة حاليًّا؛ مما يعني أن التغيير المطلوب لتجاوز الأزمة البيئية ليس مجرد إضافة علم الإيكولوجيا ومعطياته إلى “بضاعتنا المعرفية”، بل هو قضية تغيير ثقافي لمواجهة اللاحساسيات الراسخة والتشوهات العقلانية في ميادين الفكر المختلفة.

لقد جاورنا – وربما جاوزنا – في حقبتنا المعاصرة الحدودَ القصوى الحيوية لكوكب الأرض، وأمست الثقافة الغربية السائدة ونمط الحياة المرافق لها عائقين أمام البقاء: فإما أن نعمل على إحداث تغييرات جذرية وإما أن نواجه الانقراض. وثمة مهمتان رئيسيتان لهذا المشروع:

الأولى تتمثل في التفكير بلغة إيكولوجية في موقعنا وفي دورنا كبشر في هذا العالم؛

والثانية في إعادة التعريف بـ”الآخر غير البشري” بلغة أخلاقية.

هكذا يمكن للعقل أن يصبح مَركبةَ خلاص من أجل التحرر والحياة بعد أن جُعِلَ مَركبةً للهيمنة والسيطرة والدمار.

معابر

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Terms عالم المصطلحات and tagged , . Bookmark the permalink.