النقد الذاتي للتيار الديمقراطي

 احمد خير الله       احمد خير الله      

           إن ظهور الحركة الديمقراطية في مصر أوضح أنها ليست فئة واحدة ، بل إن المنتمين للتيار الديمقراطي يمثلون فئات متعددة ، فهناك من فرضت عليهم الممارسات السلطوية أن يصبحوا ضحايا القوانين السالبة للحريات و الممارسات القمعية و التعرض للإنتهاكات

و اخرين من المنتمين لمنظمات المجتمع المدني و التشكيلات النقابية و الحركات الشبابية و الطلابية ، كذلك هناك أصحاب الرأي و الفكر الحر المغردون خارج سرب المؤيدين للسلطوية و الأعمال القمعية

يضاف إلى هؤلاء الرافعين لشعار الديمقراطية على إطلاقها بضرورة الإلتزام بالمسار الديمقراطي أي كانت النتائج ، دون استسلام لمقولات ما تفرضه الضرورة و التي تكون ذريعة التدخل لتحويل المسار الديمقراطي أو تصحيحه .

          إلا أن الحركة الديمقراطية على أختلاف فئاتها و برغم ما اكتسبته من خبرات كبيرة في المجال السياسي ، إلا أننا جميعا نشهد ترهل الحراك الديمقراطي و حالة الضعف التي يمر بها التحول الديمقراطي ، وهو ما يستوجب النقد الذاتي للحراك الديمقراطي بهدف الإستفادة من الخبرات الدولية و البناء عليها و البناء على الخبرات المحلية لتحقيق التعافي المستقبلي بما يحقق الإنتصار للوطن و إقامة دولة قانون و تحقيق السلم و الأمن الإجتماعي و التعايش السلمي .

         فمنتسبي الحركة الديمقراطية الآن لديهم من الخبرات المجتمعية ما يؤهل للآتي :

  1. تحديد الخطوط الفاصلة بينهم و بين قوى الإرهاب و العنف و التطرف التي تدعي مواجهة السلطوية ، في الوقت الذي تهدد فيه مؤسسات الدولة و السلم المجتمعي ، وبذلك تتناقض و كافة مرتكزات و أهداف الديمقراطيين ، وهي بذلك تبرر عملاً لمزيد من القمع السلطوي .
  2. تحديد الخطوط الفاصلة بين الحركة الديمقراطية و بين الرافعين شعارات الديمقراطية و الحقوق و الحريات و يوظفون تلك الشعارات لتمرير السلطوية و تبرير القمع كإجراءات ضرورة ، كذلك الذين يحتكرون حق الحديث بإسم الوطنية و بإسم الدولة الوطنية .
  3. مزيد من التواصل مع الموالين للديمقراطية المتحفظين على طغيان المؤسسات الأمنية و تنتقد تكرر الإنتهاكات و تبدي تخوفها أن يؤدي ذلك إلى موت العملية السياسية .

           هذا التحديد في بداية النقد الذاتي يوضح الفارق بين الفكرة الديمقراطية و فهم المواطن و المجتمع و الدولة و نظام الحكم للديمقراطية ، هذا الفهم الساعي إما لرفض العملية الديمقراطية أو لجعلها مجرد إجراءات فيما يعرف بالديمقراطية الإجرائية التي توظف لتبرير إحتكار منظومة السلطة لها و إختزالها في إرادة الحاكم مع إخضاع المواطن لتلك الإرادة و تجريده من الإمكانيات الفعلية التي تتيح له إختيار حر ، و التي تصل إلى حد إصدار قانون تحتكر به مؤسسات الدولة الرسمية الحقيقة من خلال المعلومة الصحفية التي تطرح على الرأي العام وما دونها هو كذب و تضليل ، و ذلك يتنافى تماما مع قيم الديمقراطية التي تؤكد على المبادرة الفردية و حرية الفكر و الإعتقاد و العقيدة و إعمال المعرفة و العلم و العقل و تذهب إلى الترقي من خلال التزام قيم الإنسانية المحبة للحياة و التسامح .

         ذلك كله يستلزم تحديد الأسس التي تتشكل من حولها فكرة الديمقراطية و تتمثل في الآتي :

  1. العلمانية كضرورة ليس لتحرير المواطن الفرد من سلطة المؤسسات الدينية فقط ؛ بل انتصار لحقه في اختيار حر للسلطة بعد تحريره من منظومة الإستبداد .
  2. فك حصار و إحتكار منظومة الحكم على المجتمع ، بتحرير الوعي الجمعي و نشر قيم حقوق الإنسان و صيانة الإنسانية من كل ظلم و قهر و خوف ، و التأكيد على استقلالية تنظيمات المجتمع .
  3. تطبيق مبادئ العدل ، و سيادة القانون ، و تداول السلطة ، و المحاسبة ، و المكاشفة كضمان لعدم تغول الدولة في الحياة العامة و استبداد السلطة ، مع التأكيد على الدور الأصيل للدولة بضمان الأمن للأفراد و المجتمع ، و إقامة نظام حكم رشيد يتمتع بالكفاءة و غير فاسد .

        إن في مصر عدد من الأوهام التي ارتبطت بفكر الديمقراطية ، منها ما يتعلق بكونها أولوية ثانوية لا تتحقق إلا بعد تحقيق تنمية اقتصادية و اجتماعية وهو وهم تروجه الأنظمة السلطوية لكسب التأييد الشعبي ، رغم أن التجارب الدولية تثبت غالباً عكس ذلك حيث ترتبط التنمية السياسية ارتباط وثيق بالتنمية الإقتصادية و الإجتماعية و تتشابك معها لا تتبعها في أولويتها  ، كذلك فإن تغييب الديمقراطية يظل ضرورة للنظم السلطوية لإخضاع المواطن و المجتمع و الدولة حتى لو تحققت خطط التنمية في التغلب على أزمات التخلف و الفقر و الأمية و البطالة .

        وهم آخر مرتبط بالديمقراطية كنقيض لشعارات “المصلحة العامة” و “المصلحة الوطنية” حيث ترفع شعارات “لا صوت يعلو فوق صوت ……” و من ثم تتعاقب النظم السلطوية على وضع كلمة تتمم الشعار بحسب مصالحها الخاصة فقد كانت سابقا “المعركة” و حاليا “الحرب على الإرهاب” و ” الحفاظ على الدولة” و ذلك لوضع الديمقراطية و ما ترتبط بها من مبادئ و إجراءات كهدف ثانوي مؤجل و بالتالي يعلو الخطاب لإسكات كل صوت يطالب بالديمقراطية كضرورة و ضمان فندخل في أوهام اكبر منها حروب الجيل الرابع و الخامس و هدم الدولة القومية لدرجة توجيه إتهام الخيانة لمن يصرح بمبادئ ” حقوق الإنسان

          في سبيل ذلك تغيب الروابط بين سيادة القانون و تداول السلطة و ضمانات الحقوق و الحريات ، وبين إنجاز المجتمعات و الدولة لإستقلالها الوطني و التنمية و التقدم و الرخاء و السلم الإجتماعي ، برغم أن هناك روابط ايجابية إلا أن الخطاب السلطوي يحول تلك الراوبط الإيجابية إلى سلبية لتركيع المواطن بعد إقناعة بخطورة الديمقراطية ، حيث تتحالف النخب الإقتصادية مع السلطة أو ما يسمى زواج السلطة بالمال لحماية ما تحصل عليه من إمتيازات من خلال النظام السلطوي الذي تدافع عن استمراره .

        ولا يتوقف الأمر عند ذلك بل يمتد لتحالف نخب مثقفة مع النظام السلطوي تبرر أفعالة و تنشر أوهامه حول الديمقراطية التي تتنصل من مبادئها وما يتعلق بها ، و يجتمع في ذلك التحالف زواج السلطة بالدين ” تديين السياسة و تسيس الدين” فجماعات الإسلام السياسي و المؤسسات الدينية تقوم بدور مزدوج في ذلك :

  1. إستخدام العنف و تكفير الدولة و المجتمع وهو ما يبرر أعمال القمع و السلطوية و تغييب العدالة ، إلى حد أن يعلن رئيس الجمهورية أن “يد العدالة مكبلة بالقانون” وما في ذلك من دعوة ضمنية لإنتهاك القانون لتحقيق العدالة التي يظنها هو عدالة ، بالتالي تكون الدعوة لتعديل قانون التقاضي لما يتناسب مع قيم العدالة التي يراها من واقع السلطوية ، وهي الجماعات التي اتضح انها تتخذ الديمقراطية أداء للوصول للسلطة و تحقيق أهدافها ثم تظهر وجهها السلطوي .
  2. تكفير الخروج على الحاكم و إن كان ظالم ، ففتنة الخروج على الحاكم في الأدبيات السلفية تتجاوز فتنة ظلمه ، وهو ما يستخدم لحماية الحاكم من الثورات على حكمه و معارضة سلطويته ، و تساعد في هذا الدور مؤسستي الأزهر و الكنيسة اللذان أصبح لهما وضعية خاصة في الدستور تمنحهما سلطات واسعة على المجتمع .

        بذلك فإن الحركة الديمقراطية يلزمها إعادة بناء الأفكار التي تفكك الأوهام المحاصرة بها ، كما يلزمها معالجة الخلط بين المقامة السلمية للسلطوية من أجل إقامة نظام ديمقراطي ، وبين روايات المظلومية الشمولية و المتطرفة المعادية للديمقراطية حتى وهي تحاول الإنتساب للفكر الديمقراطي .

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in أحمد خير الله and tagged , , , . Bookmark the permalink.