طول ما في مغفلين حيفضل النصابين بخير

 سامح فايز   سامح فايز             

أخبرت صديقي الكاتب الشاب أن ذلك الناشر “نصاب”، يستغل شغف الشباب فى نشر أعمالهم ليكون شغفهم مصدر ربح مستمر، صديقي حرك رأسه معترضا، ثم قال:”عارف إنه نصاب، لكنه بيلعب بالتلت ورقات، هو دا اللى هيعرف ينجمني”.

مسألة ظلت تشغلني ولا تزال، كيف لكل هؤلاء الكتاب يعرفون الناشر النصاب ورغم ذلك يبادلونه المحبة، يلقون السلام، والتحية، وينشرون كتبهم أحيانا أخرى فى داره.؟ يخشى بعضهم أن يصرح، يقول آخرون لا عليك ترهق نفسك بالبحث خلفه، دع عنك مناكفة لن تعود عليك بخير.

لم يعد يشغلني النصب، طالما الكاتب يعرف، ويسلم ماله برضا نفس، فلا يحق له أن يصرخ بعد ذلك طالبا ماله الذي ضاع. لكن الذي يشغلني فى المقام الأول والأخير، لماذا قدم الكاتب الشاب ماله منذ البداية للناشر النصاب؟ عقد العزم، وأخذ القرار رغم التحذيرات، وقال:”دا بيلعب بالتلت ورقات، هو دا اللى هيعرف ينجمني”.

منذ خمسة سنوات كنت فى طريقي إلى العمل أجلس فى الكرسي الأخير داخل ميكروباص، تجلس أمامي سيدة فى العقد الخامس من العمر، تضع هاتفها على الأذن أسفل الحجاب طالقة العنان لحوار لم ينتهي طول الطريق مع أخري، تحدثا فى الطبخ بكل أنواعه، في مسئوليات المنزل ومتطلبات الزوج والأولاد، كل ذلك سببا صداعا كنت أحاول الهرب منه، حتى تلفظت السيدة بعبارة جعلتني أنتبه، قالت لصديقتها:” الواد عاوز 3 ألاف جنيه عشان يطبع كتاب، هيموت ويتقال عليه مبدع”. في ذلك الوقت تحديدا انتشرت دور نشر تخصصت فى نشر أعمال الشباب، لا تعرف معظم هذه الدور معني المحرر الأدبي الذي يعمل مع الكاتب على عمله، ولا تعرف مسمى مسئول النشر ولا لجنة قراءة تقيم الأعمال، فقط تعرف حجم المبلغ الذي سيدفعه الكاتب، وعلى قدر المال يكون قدر العمل والاهتمام.

زادت دور النشر، وتناسخ الناشر النصاب في أجساد أخرى، فأصبحت دولة النشر للنصب على الكاتب الشاب، الذي يحلم يوما أن يصير مبدعا. بعد فترة بدأت مؤسسات النشر صاحبة آليات العمل المحترمة فى الانبتاه، وعلى آثر انتباهها انتبهت الصحافة الثقافية، فبدأت فى الهجوم على الناشر النصاب وأشباهه، لكن أحد منهم لم يسأل الكاتب الشاب، لماذا دفعت مالك من البداية لناشر يعرف الجميع أنه نصاب؟

قبل أن نهاجم الناشر يجب أن نهاجم الكاتب الذي أعطاه الفرصة، الناشر لم يخطئ، فالمسألة عرض وطلب، الناشر يعرض، والكاتب يدفع، ثم تغرق الأسواق بمئات الكتب، التي لا نعرف لها مصدر.

عزيزي الكاتب الشاب، الابداع لن يتحقق بـ 3 ألاف جنيه، الابداع موهبة، إن لم تكن تملكها رجاء تنحى جانبا، عزيزي الصحفي، لاتهاجم الناشر النصاب، بل هاجم الكاتب الذي قبل النصب، وهو يعرف قبل أن يدفع ماله أن الناشر نصاب، ووافق على الدفع لأنه يراه:”بيلعب بالتلت ورقات وهيعرف ينجمه”

Print Friendly
This entry was posted in سامح فايز and tagged , , , , , . Bookmark the permalink.