فانتازيا – ما بعد القاهرة ٣٠

د.عمرو أحمد عمرو أحمد

وجد الضباط الأحرار أن لافائدة ولا أمل من جهود الحركات الشبابية التي لم تكن تقوم سوى بطبع المنشورات وتوزيعها على شعب غالبيته من الأميين حتى القوى الدينية لم يكن لها تأثير يذكر سوى حث الناس على العبادات وارسال بعثات الحج .وكل هذا كان يَصْب في مجرى استقرار وتثبيت حكم الملك .. فما كان منهم إلا أن قاموا بالثورة تطوعا عن كل هؤلاء النائمين وعزلوا الملك وأبعدوه خارج البلاد وكان وقتها علي طه داخل السجن فلما قامت الثورة أفرج عنه وأصبح حرا طليقا لكن شيئا ما في نفسه ظل يحدثه بأنه أضاع حياته في طباعة المنشورات دون جدوى لدرجة أنه مدين لصاحب المطبعة بإيصال أمانه قيمته ١٠٠ جنيه… هذا عدا أنه لم يشارك في الثورة التي كانت جزءا من أحلامه وطموحاته في تغيير المجتمع ووضع بصمته على ذلك التغيير.. فلقد رحل الملك في هدوء آثرا سلامة شعبه على اراقة دماءه بالمواجهات الدموية وضاربا أروع الأمثال في التضحية والوطنية .. فسأل نفسه أهذا هو الملك الذي كنت أهاجمه واتهمه بالفساد .. يرحل هكذا دون أية مواجهة .. هل حقا كنت أهاجم رجلا طيبا؟ أهكذا أجاهد منذ سنوات لعزل الملك ثم يأتي محمد نجيب وضباط صغار في الجيش ويعزلونه في يوم واحد…؟

وهكذا سار علي طه يحدث نفسه مراجعا أفعاله السابقة قبل دخوله السجن حتى وطأت قدماه أحد المقاهي في وسط القاهرة ليجد محجوب عبد الدايم وأحمد بدير جالسين يدخنان الشيشة فما إن لمحاه حتى هرعا إليه بالأحضان وباركا له خروجه من السجن فسألهما عن أخبارهما فما كان من محجوب إلا أن بادره بالكلام قائلا له : يا عزيزي دعك من أحوالنا فلقد قامت ثورة وعليك أن تتغير .. لقد قضيت أيامك مطاردا من البوليس السياسي بلا داعٍ وحان الوقت لكي تلتفت لمستقبلك ثم تابع أحمد بدير الحديث قائلا له : ما رأيك أن تعمل معي بالجريدة ولكن بدون مشاكل فالآن لاتوجد أحزاب ولا برلمان وتغير النظام إلى نظام يعجبك ورحلت الملكية ..

فقال لهما علي طه : انا أعلم ان الملكية رحلت ولكن ما أحوال الحرية .. هل اتسع مجالها أم لا .. أخبراني..؟

فتبادل محجوب وأحمد النظرات آسفين على كلام علي فبادره أحمد بدير قائلا : أية حرية تتحدث عنها .. في رأيي أنه مادمت تعيش في دولة لها قوانينها فعليك أن تلتزم بقوانينها أما الحرية فهي أمر نسبي يختلف حسب طبيعة القوانين وظروف الدولة .. وهكذا تناوب محجوب وأحمد الكلام وأحس علي طه حينها أنهما يسددان إليه اللكمات إلى ان قال له محجوب : أمن اجل الحرية تضحي بحريتك داخل السجن ؟ هل هذا هو الثمن ياصديقي .. اذا كانت تلك هي الحرية طز فيها .. وهنا طلب منهما علي أن يدبرا له الأمر حتى يرحل إلى الخارج شريطة أن تسافر معه إحسان شحاتة. 

فقال له أحمد بدير : كيف تطلب الزواج من إمراة متزوجة .. انها زوجة صديقك محجوب الآن ..فصعِق علي طه من الخبر واعتذر لمحجوب الذي استأذنه قائلا : علي أن أذهب الآن للبيت فلقد انتهت زيارة احد الضباط لأحسان.. انه اخوها في الرضاعة .. ..فعاجله احمد بدير بقوله : علي انا ايضا أن أستأذن حتى استكمل مقالي عن أمجاد ثورة يوليو وأمجاد أصحابها ..

وفي تلك اللحظة حضرت سيارة شرطة ونزل منها ضابطا قال لعلي : أسف يا أستاذ علي أنت مقبوض عليك في قضية إيصال أمانة خاص بصاحب مطبعة في العتبة وقد صدر عليك الحكم الغيابي اليوم بثلاث سنوات .. تفضل معي بهدوء ودون أية مقاومة وهنا نظر علي حوله فلم يجد أثرا لمحجوب عبد الدايم أو احمد بدير .. ولم يكد يمشي خطوات معدودة حتى استوقفه القهوجي قائلا له : إلى أين ياأخي … أين حساب الشيشة والمشروبات؟

فلم يتحمل علي طه ما حدث وسقط مغشيا عليه

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Arts & Literature فنون واداب, عمرو أحمد and tagged , . Bookmark the permalink.