لقاء مع الشاعر العراقي كريم عبد الله‎

حاورته آمنه وناس  كريم عبد الله

السلام عليكم

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

عبر ربوعه في سفر، نسقى الواقع و الحلم، نشهد الفرح و الألم، في رحاب حرف و قلم، يجسّد الإحساس في كل الحلل، بين حزن و أمل، بين جدّ و هزل، يحلّق بالقصيد ليلامس الروح، في الصمت و البوح، ينحت السطور، ليجهش مرقمه بخلجات الصدور، يروي عطش الورق، من نبع شعور صدق، تصافح عاطفته الكلمات، فيقف على جميل العبارات، هو الشاعر العراقي كريم عبد الله.

مرحبا بك سيدي

أهلا وسهلا بك

س“الكتابة عن الشاعر كريم عبد الله جولة في جماليات شعر ما بعد الحداثة وقراءة للذات الإنسانية”، هذا ما عبرت عنه الشاعرة الفلسطينية “إيمان مصاروة”، كيف يفتح لنا الشاعر “كريم عبد الله” أحضان حرفه حتى نستنشق شيئا من هذا العطر الذي استأنست به الشاعرة الفلسطينية “إيمان مصاروة”؟

ج الكتابة هاجس كان يقلقني ويطاردني منذ أيام الدراسة في المرحلة المتوسطة، كنت في البدأ أمارس الرسم وأعشق الألوان، وبعدها لا شعوريا وجدت نفسي أميل إلى السينما، كنت أنبهر أمام الأفلام وأنا أشاهدها لكنني في نفس الوقت أتساءل مع نفسي كيف يتمّ تصوير الأفلام وكيفية الإخراج وكيف يقوم الممثل بأداء الأدوار فيها ….وأخذت اعمل، لي ورشة صغيرة جدا من عدد من المصابيح والعدسات المكبّرة وأسلط الأضواء على بعض الأشرطة السينمائية القديمة وأحاول ابعث فيها روح وحركة …. لكن بعد ذلك وفي مرحلة المراهقة بدأت اكتب ,أخربش على الأوراق وأضيف إليها بعض الرسومات البسيطة والألوان . في البداية كتبت الخاطرة وبعد الإطلاع على الروايات والمسرحيات في ذلك العهد كتبت بعض القصص وبعض المسرحيات، بالتأكيد لم تكن ناضجة ولم ترتقي إلى المستوى المطلوب، بعدها تحولت إلى الشعر وبالخصوص الشعر الحر وكانت التجربة بسيطة وغير ناضجة أيضا. بعد دخول الجيش وفي إثناء المعارك حدثت تغيير كبير في حياتي، فتركت الشعر والأدب وإذا كنت يوما اكتب شيئا فسرعان ما يكون مصيره التمزيق والنار بسبب الوضع الأمني الصعب حينذاك. بعد خروجي من الجيش وأنا فاقد لإحدى قدمي عاودني الحنين إلى الكتابة لكن المصير كان كسابقه النار والتمزيق، وبعد حدوث التغيير في نظام الحكم وعودة الحرية وجدت نفسي مرغما على الكتابة، فكتبت وأخرجت أربع مسرحيات سايكودراما أبطالها من المرضى العقليين في المستشفى التي اعمل فيها، فكانت تجربة ناضجة وفريدة وممتعة في نفس الوقت، وبعد ذلك اتجهت إلى الشعر وكتبت العمودي والحر لكنني وجدت نفسي أميل أكثر إلى الشعر التجريدي والنصوص المفتوحة فكانت هي الأقرب إلى نفسي ومازلت اكتب.

س عندما يئن الحبر، بماذا يواسيه الحرف؟

ج اعتبر جلينا هو الجيل الخائب فكنا ما بين مشرّد خارج الحدود أو غريبا في وطنه أو خلف قضبان السلطان الجائر أو ممن كان يموت يوميا على الحدود في حروب خاسرة كثيرة، في هذا الوضع المتأزم جدا كنا نعاني الويلات والآلام والأزمات النفسية الشديدة، هنا، كنت التجأ إلى الكتابة كمتنفّس عمّا أعانيه، أغلب ما كتبت في البداية كانت عن الخيبة وفقدان الأحلام وضياع الهوية وضياع الوطن بين البنادق والأفكار المتطرفة.

س ما أحوجنا إلى نسيان الماضي المقيت والبدء بصفحة جديدة”، هل نفهم من قناعتك هذه أنك تناصر رأي الكاتب الأمريكي “ستيفن كوفي” عندما قال “تعلم فن النسيان، تعلم كيف تنسى لتعيش، لا تتخذ موقفا من كل حادثة تمر”؟

ج كيف يمكننا أن ننسى وأمام أعينا نموت يوميا ! كيف نتعلم النسيان وهذا الخراب يزداد يوما بعد يوم ! وكيف ذلك والعالم يضجّ بكل هذا القبح، أتمنى لو أنسى كل هذا وأكون سعيدا ولكن… كتبت نصّا مفتوحا بعنوان ( فنتازيا ) هو عبارة عن حلم جميل يحدّثنا بان ما يحدث الآن هو مجرد حلم ليس إلاّ، العراقيون شعب يحبون الحياة ويريدون أن يتخلّصوا من تبعات الماضي لكن يبدو أن الماضي والحاضر وربما المستقبل سيكون متشابها.

س يرى الفيلسوف اليوناني “أرسطو” أن “الأمل حلم من أحلام اليقظة”، كيف تتفاعل مع هذا التمنطق؟

ج الأمل هو شعور جميل ولطيف يبعث فينا قوة وطوحا و يعشعشُ بأعماقنا مولدا الثقة بان القادم أفضل، ودائما بان ما نحلم به قد يتحقق في يوم ما، لكن في وطن عشقته الحروب ربما حتى الأحلام أصبحت عصيّة علينا والأمل بالخلاص صار أضحوكة نتلهّى به في ساعات الضعف، أرهقتني هذهِ الأحلام العانسة في هيكلي المنخور.

س “والأملَ المنشود في السماءِ برق، وكشّرَ عنْ أنيابهِ الانتظار”، بين الأمل و الانتظار أين يجد الشاعر “كريم عبد الله” طريقه؟

ج مازلت أؤمن بان في آخر المطاف الخلاص قادم من السماء مهما تكالبت المحن والويلات، وأجد أن طول الانتظار قد تصرّمت أيامه، وهذه هي علاماته أستبشر فيها خيرا، لهذا فانا استعد جيدا وأنشر بوادره بالكثير من النصوص ربما هي مرمّزة كثيرا ولكنها جلية واضحة كهذا الأمل المنشود.

س هل يمكن أن نعي من إطلالة كلماتك هذه أنك تآزر “دوما الأب”، الكاتب الفرنسي في معتقده بأنه “من سبق له الإحساس باليأس المطلق هو الوحيد القادر على الإحساس بالسعادة المطلقة”؟

ج بالتأكيد، لا أنا، لم أصل حدّ الإحساس باليأس بعد، أنا أؤمن بالخير كما أؤمن بالشر،ّ فإذا كانت للشرّ جولة فللخير جولات كثيرة، أنما ما تعرّض ويتعرّض له وطني من محن وويلات ربما تبعث في النفس الألم والجزع، ولكن أؤمن أيضا بان الشعب العراقي شعب أصيل وحيّ وقادر على تخطي هذه الصعاب، لكن الإحساس العميق عند الشاعر بالألم ربما يصوّره في قصائده بطريقة أخرى تختلف عن الإنسان العادي، إضافة إلى ذلك فالخيال الشاسع عند الشاعر الحقيقي يجعل المتلقي يعيش المحنة ويشاركه الإحساس بالألم.

س متى يصرخ الشاعر “كريم عبد الله” بأن العمر ما عاد يثمله صهيل الألم؟

ج عند فوات الأوان وتبدد الأحلام المرجوة وانتصار الشرّ على الخير.

س الزهرة المنسية في صحرائها، هل يمكن أن يفوح عطرها؟

ج هي زهرة يفوح عطرها دائما ويثملني ويعيث في مملكتي، ياااااااااااا للحنين إليها !! للان يتعاظم يوما بعد يوم، فلقد سرقتْ هذه الزهرة زهرة الأيام واحتفظت بها بعيدا بعيدا.

س “ماذا بوسعهِ النهر أنْ يفعلَ إذا دغدغَ الغبشُ أزهاره وهي تستفيقُ على نقيق الضفادع؟

ج سيحمل الخير العميم، سيجرف كل الأصنام، ويطهّر الأرض من آلهتها الصماء، النهر سيعيد البسمة للأرض بعد جفاف طويل، سيعيد النهر لي البشارات الكثيرة التي انتظرتها طويلا.

س “همسة النار في عشتاري”، كيف تقرأ إحساس الشاعر “كريم عبد الله”؟

ج مازالت للان ملهمتي وتعيش بين كلماتي وتقرأني عن قرب رغم ما ينتابها وتتعرّض له.

س “فبعدَ أنْ حبستُ دمعتي في سلّةِ الهدايا فاضَ الفرات يردّدُ قصيدةً أخرى مِنْ دونِ موسيقى”، ما ملامح هذه القصيدة؟

ج انّه نصّ مفتوح، يفتح الباب شاسعا للتأويل والخيال والتأمل.

س رحلة العراقي “كريم عبد الله” بين التأويل والخيال والتأمل، بماذا تتميز؟ و كيف ساهمت في نشأة الشاعر “كريم عبد الله”؟  لوحة لجبران رجل وامرأة

ج كتبت كثيرا وجرّبت الكثير أيضا لكنني وجدت نفسي أخيرا ألتجئ إلى النصوص المفتوحة ( ولو أنني الآن أخوض تجربة جديدة في الشعر ) لاني وجدتها الأقرب إلى روحي وعشقي للحرف، اللغة هي الجناح الذي يطير به الشاعر بعيدا ويحلّق عاليا. الكثير كتب الشعر والكثير سيكتبون أيضا، لكنني حاولت أن أرسم لي بصمة خاصة بي تُعرف بـبصمة (كريم عبد الله). لا شعر عظيم بدون تأويل وسعة خيال ولغة متوهّجة عظيمة، الشعر يُكتب أساسا وفق تصميم تأويلي عبر الخيال والبلاغة ويدعو القارئ لمساحة أوسع من التأويلات القرائية. فالنصّ المفتوح هو يشبه المدينة المفتوحة فيما بينها ومتداخلة بطريقة يصعب تصنيفها.  

س يعتقد الشاعر الأمريكي “روبرت فروست” أن “الشعر هو ما ينتج عن عثور الإحساس عن فكرة و عثور الفكرة عن كلمات”، كيف يجادل الشاعر “كريم عبد الله” هذا المعتقد؟

ج أنا أكتب القصيدة في ذاكرتي أولا، ثم أرسمها على الورق ثانية، الشاعر ينتظر هذه الفكرة طويلا ربما تأتي وربما لا تأتي، وإنْ جاءت سترسم الكلمات هذه الفكرة بإحساس ولون يختلف من شاعر إلى أخر.

س لو أننا ناصرنا رأي الفيلسوف الإغريقي “أفلاطون” في قوله “كل إنسان يصبح شاعرا إذا لامس قلبه الحب”، بماذا يثري لنا الشاعر “كريم عبد الله” هذا الرأي؟

ج بالتأكيد كل إنسان هو شاعر، ولكن الشاعر الحقيقي يختلف بما يمتلك من خيال خصب واسع، فهو يرى الأشياء بنظرة أخرى تختلف عما يراها الأخر، وبعد ذلك الشاعر عليه أن يكون ملمّا باللغة ويمتلك لغة تتوهّج دائما معه ويمتلك إحساسا مرهفا، الحب هو الشرارة الأولى التي تفتّق شرنقة الصمت لدى الشاعر.

س كيف يكون “العشق في زمن الغربة”؟

ج مؤلم جدا حدّ النزف والهذيان.

س أي العطور سكنت ورود الشاعر “كريم عبد الله”، الحب أم الصمت أم الغربة؟

ج الحب مع الصمت والصمت مع الغربة والحب مع الغربة.

س يقول شاعر العرب الأكبر، العراقي “محمد مهدي الجواهري” سهرت و طال شوقي للعراق و هل يدنو بعيد باشتياق”، فهل يدنو بعيد باشتياق؟

ج بالتأكيد البعيد لن يكون بعيدا مادام ينبض دائما بين حنايا الروح، فمهما ابتعدت الأجساد تبقى الأرواح قريبة جدا، عشق العراق هو العشق الخالد عندي، ربما اغلب ما كتبت من نصوص هي تتغنى لأجل العراق وبغداد، سيجد المتتبع فيها بعد التأويل هنا عشق خفي يرافقني دائما لن أتخلى عنه مهما حدث أو يحدث ….عشق كبير جدا.

س كيف يسقينا العراقي “كريم عبد الله” من حرف أبى إلا أن يكون للظمأ قصيدة شوق تروي هذا الاشتياق؟

ج بغداد في حلّتها الجديدة

(لغةُ المرايا والنصّ ألفسيفسائي)

وأنتِ المغضوبِ عليها تنتظرينَ العطايا تأتيكِ بالبريدِ الدولي يغربلُ وجهَ دجلةَ سهمٌ نابتٌ في العيونِ لعلكِ تغنينَ أيّتها الفالتة مِنْ جهنم العمياء ! مَنْ يعيدُ بيرقكِ والدهشة تنتشلُ مِنَ الهاويةِ صباحكِ المشرق بأحلامكِ المنهوبة و تموز عادَ شيخاً هرماً عجوز ! لا ترحلي (ننماخ)* إنْ أجدبتِ السماء يوماً وبيوت الفقراء غيماتهم العقيمة تمشّطُ أشجار الصنوبر وجذورها تبحثُ عبثاً عنْ نبعٍ يتفقدُ مفاتيحَ مباهجكِ . لماذا أنتِ غريبة دائماً وأحلامكِ يتناهبها قطاع الطرق تتوسدينَ وحدتكِ وتحتمينَ مِنْ رصاصاتِ الغدرِ بأبنائك اليافعين، تتيهينَ في حزنكِ الطويل للصبرِ تغزلينَ رداءَاً وحرائقكِ كثيرة يجدّدها الملثّمون حيثُ لا فرحة تتهادى في أزقتكِ المحرومة مِنَ الابتسام، كيفَ يؤتمنُ على صباحكِ والذئاب حولَكِ تنتظرُ ساعةَ الصفر ستبقينَ تليّنينَ هذه العتمة يا لهفة العشّاقِ ويستقطرُ عشقكِ يملأُ حقائبهم، الثكناتُ على امتداد طريقِ عودتكِ عجيبُ أنْ تتحدّى زرقةَ عينيكِ وتدسُّ فيهما الرمادَ، مازلتِ تجيدينَ تفريغَ الحزن والفرات يمسحُ عنْ وجه القمرِ دخانَ المدافع، سينقشعُ البياضَ مِنْ عينيكِ وتردّدينَ (إحنا ياما للحبايب، شكثرْ وشكدّْ سامحينهْ، شفنهْ منهم كلْ مصايبْ، لكن نحبهم بقينهْ)*. سيحملُ الحصّادونَ خيباتهم معهم، قدركِ أنْ تهتكينَ أستار قسوتهم و تنجبينَ صبحاً جديداً زاهياً يركضُ في حقولِ القمح يحملُ أفراحَ نيسان، أيّتها المبلولةُ بأريجِ الحضاراتِ يا مَنْ تعمّدها الآلهة ستتأبطينَ المحنةَ تحرسكِ نجومَ السماء ويتطايرُ السخامُ مِنْ حيطانكِ المتعبة وتُخضّبُ بالحنّاء مِنْ جديد.

ننماخ: وتعني في اللغة السومرية القديمة في بلاد الرافدين ( العراق قبل الميلاد ) المرأة العظيمة أو السيدة العظيمة ولها معبد باسمها, وكانت النساء البابليات يجلسن في هذا المعبد لمرّة واحدة في السنة.

إحنا ياما للحبايب: مقطع من قصيدة (مسامحين) للشاعر العراقي الشعبي (زامل سعيد فتاح ).

س بغداد، إلى كم من إحساس تسافر بنا هذه الأرض؟

ج قصيدة متعدد الأصوات ( بوليفونية ) تعبيرية

مزاميرٌ تناكدُ عذريتها

كثيراُ ما تسألُ أزهارُ شرفاتها العالية : هل مازالَ يحبّها ذاكَ المتولّهُ للآنَ ويتراكمُ في روحهِ عشقٌ حدَّ الجنون…؟ ولماذا حبّاتُ البَرَدِ كلّما تتساقطُ تكسّرُ أوراقنا الفتيّة فــ يخبّئها النهرُ المتدفق في حديقتها الشاسعةِ بـ الحلمِ أمامَ أنظارِ البلابلِ وهي تغرّدُ منذُ عشقتها إخضوضرتِ عينيها تفتحُ أزرارها تردّدُ الوَلَهَ الجاثمَ على حافةِ الحلمِ وتبعثُ العطرَ يصهلُ عالياً يداهمُ القلقَ المتسارعَ في الخريف، كانَ عاصفةً هوجاءَ تكنسُ مِنْ قلبهِ شيطاناً يتسلّلُ عنوةً يفضحُ قصائدي الوجعُ ظلَّ يناكدُ اللهفةَ المشرئبةِ وراءَ أسيجةِ الوحشةِ تطرقُ أبوابها كلّ ليلةٍ ونحنُ نرتّلها قصائداً جامحةً كــ الخيولِ تحتَ شبابيكها العالية، خيولهُ الحمقاءَ مهزومة يشتكيها الفجر حينَ يهربُ مِنْ فراشها الوثير، ترتبكُ خطواتُ خيوليِ المخزيّةِ على أنغامِ مزاميري المتلعثمةِ، في المجهولِ تتلاشى حسرة كمْ تمنّتْ تمسحُ الغبارَ المتراكمَ حولَ مائدةِ الانتظار… حتى شجرةَ التوتِ العجوزةِ أمستْ تئنُ مِنْ غرابٍ راحَ يشاهدهُ يشحذَ خنجرهُ على أحجارِ بيتها يتأمّلني ينتظرُ ساعةَ الهزيمة.

س “البوليفونية” في الأدب، بين اللغوي الروسي “ميخائيل باختين” و الشاعر “كريم عبد الله”، إلى أين تأخذنا و أين تحط رحالنا؟

ج رغم أن ميخائيل باختين أكد أن البوليفونية هي من خصائص الرواية و أن الشعر عمل فردي لا يقبل تعدد الأصوات و الرؤى (باختين 1981) فان هذا القول يكون صحيحا إلى حد ما في الشعر التصويري المعتمد على الصورة الشعرية و المجاز في التعبير و المفتقر إلى السرد و الحدثية النصية، أما في السردية التعبيرية، المعتمدة على السرد و تعدد الأحداث و الشخوص، فان من الواضح إمكانية تعدد الأصوات و الرؤى فيه (الموسوي 2015) إذ إن البوليفونية الأدبية و إن كانت قد أخذت تسميتها من الموسيقى إلا أنها استعملت في الأدب بشكل استعاري للتعبير عن تعدد الأصوات و الرؤى في العمل الأدبي كما صرح باختين بذلك بنفسه، (باختين 1986) “الدكتور أنور غني الموسوي”.

هي تجربة أخرى أحاول من خلالها أن أقدم بعض الشيء للمتلقي الكريم. هذه دراسة نقدية للشاعرة المبدعة رشا السيد عن نصّ بوليفوني خاص بي اعتقد هي لخّصت كل شيء من خلالها: ونجدها أيضا عند الشاعر العراقي كريم عبد الله في قصيدته مزاميرٌ تناكدُ عذريتها نقتطف منها جزء، كثيراُ ما تسألُ أزهارُ شرفاتها العالية: هل مازالَ يحبّها ذاكَ المتولّهُ للآنَ ويتراكمُ في روحهِ عشقٌ حدَّ الجنون…؟ ولماذا حبّاتُ البَرَدِ كلّما تتساقطُ تكسّرُ أوراقنا الفتيّة، أن السردية هنا اعتمدت التباثق الصوري والفكرة القوية التي تطرق الحدث بقوة منذ البدء فبدأت بالسؤال، “كثيرا ما تسأل أزهار شرفاتها العالية”، كثيرا ما تسأل أزهار شرفاتها العالية أنها كلمات توحي منذ البدء وتشكل تلك اللوحة الصورية التعبيرية بألوانها الزاهية عبر الأزهار، وتنضدها في الشرفات العالية، تثير لدينا التساؤل لنتتبع الحدث من أول كلمة، في موسيقى هادئة تنساب مع تدافق الخطوط والأفكار ونبحث عن الشفرات المحملة مع الكلمات المنسابة. نلاحظ أن تراكيب الجمل الشعرية هنا، تتخذ أسلوبا آخر غير الطريقة الاعتيادية في التعبيرية القديمة والقصيدة النثرية الحديثة… وهذا ما يعطيها نسقها الحديث في توالده الطازج. الشعر أن لم يغير فينا شيئا… أن لم يجعلنا نتفاعل معه ومع الوجود، فهو لا يتعدى كلمات وصفية، أنها مسألة تعمل على التأثير في الحس العميق منا…

أن التعبيرية هي مدرسة التأثير المباشر في العمق للتغير… مدرسة تفتح آفاق المتلقي، ليدخل القصيدة مع الشاعر لأعمق نقاطها، هي ليست مجرد عناية بالصورة واللون الصوري، ومداخلة خطوطه والنسق العام وسيمائية التراكيب الخارجية، كل على حدا، هي بناء كامل للشعرية في القصيدة النثرية السردية التعبيرية بناء من الداخل والخارج ورسالة ترسل للخارج، و هي تكاتف شعري وصوري ولوني وخطي وتشكيلي شعري لبنى القصيدة وموسيقى تتباثق متبلورة من داخل التكوين العميق،  فالتأثير التعبيري حسي ومعنوي وروحي، لمسه شعراء التعبيرية وليس مجرد صور شعرية تقدم .. هنا وظيفة لخلق مجتمع جديد بكل ما فيه من قيم جمالية وحق وإصلاح، هي ثورة حقيقية أبتدا من تأثرهم باستشراقات رامبو الرائعة وبودلير ” أزهار الشر” .. والتي هي لوحات تهزنا بعنف وتجعلنا نقف أمامها مشدوهين بكل تكوينها القريب والبعيد، فالصورة هنا مهمة جدا في التكوين لكنها جزء من العمل المتكامل.

أشكرك الشاعر العراقي “كريم عبد الله” على حسن تواصلك و حرفك الراقي، دمت في تألق دائم و إلى لقاء آخر إن شاء الله.

شكرا لك من القلب أيتها القديرة والغالية.

This entry was posted in Arts & Literature فنون واداب, آمنة وناس and tagged , , . Bookmark the permalink.