مَن ينقذ الإنسان من نفسه؟

جمانة حداد  جمانة حداد

لا يكاد يمرّ يوم إلا أسمع بوفاة أحدهم، من محيطي القريب أو البعيد، بمرض السرطان. كنتُ قرأتُ دراسة علمية حديثة تشير إلى أن شخصاً من ثلاثة سوف يصاب بهذا المرض خلال حياته، وأن السرطان هو مرض عصري، “من صنع الانسان” بامتياز.

لم تفاجئني هذه المعلومات، لمعرفتي “الطبيعية” أن الإنسان عدوّ نفسه. كيف لا، والتعدي الهمجي، المنظّم والعشوائي، على مكوّنات الحياة الطبيعية هو السبب، لا وراء تفشي مرض السرطان فحسب، بل أيضاً وراء كل الأمراض الغامضة المستعصية، الجديد منها والقديم على السواء؟

ماذا أعني بـ”التعدّي المنظّم على مكوّنات الحياة”؟

أعني أن هناك حدوداً يجب على العقل البشري أن يحترمها، وأن لا يتخطاها؛ ليس لأنها حدود، ولكن لأنها تتعلق بالمعادلات الطبيعية التي تقوم عليها الحياة البشرية السليمة، ولأن كل مساس بها إنما يشكل انتهاكاً جوهرياً لهذه المعادلات.

لكن الإنسان المعاصر، مأخوذاً بالطمع والجشع والتملك والاستئثار وحبّ السيطرة، يغتال الطبيعة بلا هوادة، غير آبه بما تنطوي عليه أفعاله من أخطار تتهدد أسس الحياة نفسها.

ما من شيء في البيئة الطبيعية مسبب للسرطان. تالياً، هو مرض من صنع الإنسان، بسبب الملوثات والتغيرات في نظامنا الغذائي وأنماط الحياة. على سبيل المثل، ساهم التلوث في الارتفاع الظاهر في إصابات السرطان خلال العصور الأخيرة، وخصوصاً منذ الثورة الصناعية، ما يبرهن أن هذا الارتفاع ليس بسبب أن عمر الإنسان بات أطول.

سيادة الإنسان على عقله، تفرض عليه، في جملة ما تفرضه من شروط، أن يكون مؤمناً بمسلّمات الطبيعة وحكمتها. لكنّ الإنسان المعاصر “شطح” بعيداً من تلك الحكمة، فصار يعيش تحت كابوس الأمراض المستعصية، وفي مقدمها السرطان. صحيح أن العلم لم يتوصل كلياً الى السيطرة على الأمراض، لكن الصحيح أيضاً أن ارتكابات الإنسان المعاصر “العلمية”، سهّلت الى حدّ كبير غير مسبوق، سبل انتشار الأمراض القاتلة، حتى باتت الحياة كلها بين أسنان هذا الكابوس.

Print Friendly
This entry was posted in Variety جورنال المحروسة and tagged , , . Bookmark the permalink.