إجابة نوبية عن سؤال عمر الشريف

د. خالد منتصر  خالد منتصر

وصلتنى رسالة مهمة من الكاتب الروائى المصرى النوبى السكندرى حجاج أدول، معلقاً فيها على مقالى الذى طرحت فيه سؤال: «لماذا لم يتكرر الممثل العالمى عمر الشريف؟»، يقول حجاج فى رسالته: مقالك تحليل بانورامى عميق. وعلينا أن نفكر هكذا فى كل أمورنا، أن نتعمق فيها لنعرف لماذا، ثم نعرف كيف نعالج أس الموضوع لا عارضه.

أنا نوبى/ سكندرى. ولدت عام 1944، أى عاصرت نهايات الكوزموبوليتان السكندرى. وأفتقد الآن الشخصية السكندرية الفنية المبهجة. وعشت ميدان محطة الرمل فى زهوها، ثم عاصرت سلسلة المحافظين الفاشلين وعملقة الفساد، فانحطت الإسكندرية وهبطت من لؤلؤة البحر المتوسط، لتصير بكل أسف عار المتوسط. وعملت بأسوان وعاصرت نهايات الشخصية الأسوانيّة، بعد زحام ما بعد السد العالى غير المنضبط، وشاهدت بأم عينى ردم جانب من النيل لتوسيع طريق الكورنيش! وشاهدت محو الحديقة الممتدة مع نهر النيل، والبناء عليها بمبان حقيرة، منها مبنى ديوان المحافظة. وشاهدت خلع المزارع واقامة المساكن والمصانع، رغم أن الصحراء خلف المدينة على بعد حجر! أى أن الفساد لم يترك مكاناً فى مصر إلا وبث فيه سمومه. قضينا على التنوع الخلاق، وقررنا الغوغائية الديكتاتورية، التى تكره الإبداع والتنوع، والتى تحارب الحريات، وتقتل الإنسانية فى سموها الراقى. وأرى أن بداية الانهيار كان الحكم الديكتاتورى الذى تشبث بالسلطة عام 1954 ورفض الديمقراطية وحارب الحريات، وفرض الغوغائية الوطنية وتحجج بالخطر الداخلى والخارجى.

هنا بدأ شنق الكوزموبوليتان، وتقرر إعدام حاضنات البهجة ومنع توالد عمر الشريف ويوسف شاهين وكفافيس، وبالتالى تم وأد ظهور طه حسين والطهطاوى… إلخ. بل أقول، عن ثقة، إن تواجد عمر الشريف وشاهين أعطى الفرصة لإسماعيل ياسين ونجيب الريحانى وتحية كاريوكا… إلخ. إنها البيئة الكوزموبوليتان بما فيها من فيكتوريا كوليدج لمدرسة النهضة النوبية بوسط الإسكندرية الشعبى. بجمال كرموز ومحرم بك وكوم الدكّة… إلخ، حيث كان المصريون مع الأوروبيين الذين صاروا سكندريين مصريين تحت مصطلح (الأوروسكندرية)، خاصة الجريج والطلاينة.

د. منتصر.. لن يكون لدينا عمر الشريف آخر إلا بزرع الحريات الحقيقية وتثبيت الثقة بالنفس وتقبل الآخر الإنسانى، فهو منا كما نحن منه. ثم لا أتفق معك فى أسطر آخر مقالك الرائع، حيث تقول: (نحن لا نبكى على عمر الشريف كشخص، ولكننا نبكى على زمن أفرز وأنتج هذا الدونجوان الوسيم المتألق، ثم أغلق أبوابه بالشمع الأحمر، وأظنه لن يفتحها ثانية) يا سيدى المفكر. ربما فى جيلى لا أمل، لكن فى مصر الأمل حقيقى، فكم انزلقت مصر وكم صعدت؟ 

دعنى أتنفس قليلاً بوجع نوبى. نفس الأمر مع النوبيين، فى فاجعة كراهة التنوع الداخلى والتهديد بالخطر الخارجى. صحيح أن قطاعا واسعا من وطننا المصرى يحب النوبيين، لكن بمجرد أن يطالب النوبيون بحقوق المواطنة وحق عودتهم، تنفتح عليهم أبواب الجحيم التخوينى.. إن الغرب يخطط لتفتيت مصر بإقامة دولة مسيحية ودولة نوبية. وإن كان هذا صحيحا، فهل نمنع حقوق النوبيين والمسيحيين، أم نعطيهم حقهم ونصنع معاً دفاعاً صلبا يمنع ما يتآمر به الغرب؟ ثم كيف نفكر فى أمن المياه التى تأتى من الجنوب الأفريقى، ونحن نهين لون النوبيين المشارك بكثافة مع لون شعوب منابع النيل؟

هذا موضوع شائك، لكنه يتصل بما كتبت عنه حضرتك «الكوزموبوليتان» إنها الكوزموبوليتان الداخلى. التنوع الخلاق المصرى من داخله، بين مسلم ومسيحى، صعيدى وبحراوى ونوبى وقاهرى وسكندرى ومنصورى… إلخ. التنوع الخلاق المتضافر فى مصرية قوية مادية وناعمة.

Print Friendly
This entry was posted in Alexandria's memory من ذاكرة الإسكندرية, د. خالد منتصر and tagged , , . Bookmark the permalink.