حين أصبحت الكتابة روشنة أصبح النصاب مليونير

سامح فايز        سامح فايز                  

وقفت أمام الناشر المحترم مسؤول النشر فى الدار ذات التاريخ العريق أكتب موضوعًا صحفيًا عن الأعلى مبيعا فى الدار، رفض الناشر المحترم التصريح قائلًا بالنص:”الكاتب من دول لو عرف إن كتابه بيبيع هيقرفنا وهيعمل علينا كاتب”.

إذن فأين يذهب ربح المبيعات التي لا يعرف عنها الكاتب شيئًا، سؤال تخيلته منذ سنوات وكلما حدثني كاتب عن عملية نصب ممنهجة مر بها عاد السؤال يحلق من جديد.

تذكرت صديقتي القاصة فى العام 2005 حين دخلت علينا المقهي فى منطقة باب اللوق وهى تحمل إصدارها الأول الذى عانت سنوات من البحث عن ناشر، كان عملا مهما وكانت كاتبة تنتمي لعائلة مثقفة، ومع ذلك لم تكن عملية النشر بهذه السهولة، فى نفس العام بدأت مجموعات من الشباب تؤسس لدور النشر الخاصة بها لتجاوز صعوبة النشر فى مصر، والتي كان من أسباب  صعوبتها اعتماد هذه الدور على الدقة فى الاختيار، وعدم السماح بالمررو لأى كتاب دون التأكد من صلاحية وضع كتابه على أرفف المكتبات. إلى جانب الحاجة أحيانا للانتماء إلى دوائر ثقافية معينة لإجازة نشر كتابك.

المسألة مكلفة، تصميم وإخراج وتحرير ومراجعة وطباعة وتسويق وتوزيع ومتابعة ودعاية، بمرور الوقت بدأ شباب الكتاب بعد تأسيس دور نشر خاصة بهم  يتغاضون عن مساءل عدة فى مقابل أن تخرج أعمالهم إلى النور، لا يهم إن تجاوزنا دور المحرر الأدبي، ربما أيضا كان من الأفضل عدم الاعتماد على مراجع لغوي، تصميم الغلاف من الممكن أن نعتمد فيه على برامج الفوتو شوب التي أصبحت سهلة المنال، كل ذلك سيوفر الآلاف من تكلفة النشر، الآن بإمكانك طبع كتابك الأول بألف جنيه فقط، وربما اشتركت فى كتاب جماعي ليصدر نصك الأول مقابل 100 جنيه مصري فقط لاغير.

فى ظل ذلك الزحام وتردي حالة النشر وجد البعض أن المسألة من الممكن أن تكون مربحة، ليس من مبيعات الكتب، لكن وجد الناشر النصاب مكسبه فى استغلال شغف الشباب وتهافتهم على الامساك بكتابهم الأول، من الغد سأصبح الكاتب فلان صاحب العمل الفلاني المبدع الذي يحق له بعد ذلك الكاتب أن ينخرط فى المشهد الثقافي، بل يحق له الجلوس فى الصدارة. وتكون النتيجة أن يدفع الشاب تكلفة الكتاب كاملًا دون أن يجد مقابلًا لذلك، من تصميم ومراجعة وتحرير وإخراج وتسويق وتوزيع ودعاية.

بعد العام 2011 وبصعود نجم الكاتب الشاب أحمد مراد، ومع تحولات المشهد الثوري فى مصر، وصعود نجم أدب الرعب وهروب الشباب إلى عوالم متخيلة لتفادى اللحظة المأزومة فى الفترة الانتقالية، زاد حجم مبيعات الكتب بشكل ملحوظ، الجميع يهرب من الواقع الدموي إلى عالم الكتب، خاصة أدب الرعب، بدمويته الأكبر التي تجعل من الواقع مسألة أقل دموية. أضف إلى ذلك تحول القراءة إلى «موضة» بين الشباب، كلما زاد عدد الكتب بيد الشاب كلما أصبح أكثر «روشنة»، نتيجة لذلك ظهرت سلاسل المكتبات وزادت فروعها وانتشرت فروع المكتبات فى المحافظات بشكل واضح، وفى نفس الوقت وجد الناشر النصاب أن المجال أصبح خصبًا، وكان فى مقدمتهم ناشر شاب صدر عن داره فى عام واحد 100 عنوان لم أعرف فيهم سوى رواية واحدة والبقية لأناس أجهلهم ويجهلهم المشهد الثقافي، متوسط ما دفعه الكاتب مقابل النشر 5 ألاف جنيه، فى 100 عنوان تكون النتيجة نصف مليون جنيه فى عام حققها الناشر النصاب، فى المقابل كانت طبعة الناشر لا تجاوز المائة نسخة، يبيعها مكتبهالناشر النصاب ثم يستفيد من ربحها ليكون مكسبا آخر، وربما فى بعض الأحيان طبع مائة أخرى ليصبح الكتاب صاحب الطبعة الثانية والأعلى مبيعًا بالكذب.

صديقي الكاتب أدرك حقيقة عملية النصب التي حدثت ضده، فطلب استعادة ماله وفسخ العقد مع الناشر النصاب، لكن الناشر بذكاء أخبره أن فسخ العقد ممكن، ألآن لو أراد، لكن أمواله التي دفعها أصبحت فى خبر كان، عليه العوض، تكررت المسالة مع كاتبة أخرى، وحين طلبت الأوراق لفضخ الناشر النصاب رفضوا جميعا بكلمة واحدة، مش عاوزين شوشرة، دا راجل بجح وشة مكشوف.

نصف مليون جنيه حققها ذلك الناشر فى عام واحد وكانت النتيجة مئات العناوين التي تعج بها أرفف المكتبات ولا نعرف عن أصحابها شيئًا، وعلى الجانب الآخر تخلوا المكتبات لسنوات من أعمال خيري شلبي التي أعادت دار الشروق طبعها مؤخرًا، وتخلوا المكتبات أيضا من أعمال إبراهيم أصلان والذي اختفت روايته عصافير النيل من المكتبات لسنوات ولم تصدر حتى الآن، سوق النشر لم يعد فى حاجة لكتابات الكبار لأن المبيعات هى التى تتحكم فى الصناعة، والصناعة الآن أصبحت معتمدة على مبيعات الشباب التي لم تمر بالمحرر الأدبي ولا المراجع اللغوي ولا المخرج الفني، ولا حتى لجنة للقراءة تؤكد صلاحية العمل من عدمه.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in سامح فايز and tagged , , , . Bookmark the permalink.