فاكهة الغرباء

ايمن ابراهيم     خوف من المجهول    

تدخل الشمس من البلكونة الكبيرة،التي تطل على الشارع الرئيسي ،غالبآ ما كانت تتركها نينه عزيزة مفتوحة طيلة النهار على مصراعيها

.تجلس بمفردها على الكنبة الأسيوطي الفسيحة.تأكل السجائر وتروي عن أيامها في شارع الحمرا لأمي التي أعتادت أن تجلس قبالتها على المندر العربي،وتستند بكوعها فوق المخدع القطني الذي يشبة الوسادة،فنتركهما أنا وأختي لنستثمر براح المكان في لعبة الأستغماية،فقط،غرفة واحدة محرم على الجميع الأقتراب منها،على الرغم من أن بابها الخشبي لا يختلف عن الأبواب السبع في شيء،لقد كانت كل الأبواب خشبية ومطلية باللون الأبيض،وتستطيع ان تلمح النقوش الغائصة في جوف الطلاء،لو بذلت مجهود قليل.

ظلت الغرفة المحرمة تراود شغفي،فمرة أغافل الجميع وألمس كالون الباب،كعهد للتحدي

ومرة الصق اذني على جدارة لأصغي السمع للحيظات كعفريت متلصص،،كما حاولت مرات عدة على نحو ما،أن أتعقب أي شيئ بعيني عبر عتبته ،كان الحيز ضيق بشكل متناهي ولم تحظى مغامراتي المجازفةسوى بسرسوب هواء رطب يخرج فيشعل عصب خيالي .

العجيب هو مستوى الضوء الثابت الذي لا يتغير في أي وقت،،ضوء معلق متجمد وثابت امام عتبة هذا الباب المحرم،كحارس مطيع لسيدة البيت

كانت نينة عزيزة تشبة نساء موديلياني إلى حد بعيد،لم تستطع سنواتها التي تجاوزت الخمسون أن تعكر صفو جمال عنقها الطويل،ولا أن تطفئ عيونها اللوزية،وكطبيعة البشرة البيضاء التي ينمو النمش البني فوق جلدها عند الكبر،راح نمشها ينمو بوضوح فوق الجلد الذي دخل مرحلة التغضن على مضض،ولما عرفت أنها أنجبت تسعة بنات أكبرهن لم تتجاوز العام،فكرت أنها تحتفظ ببناتها داخل قوارير مصنوعة من الذهب، تضعهن جميعآ فوق رف من الأبنوس مزين بمفرش من حرير أستجلبته من شارع الحمرا،في كل قارورة بنت،تدخل عليهن آخر الليل ،ممسكة كل قارورة في يدها تحاورها وتطمئن انها تاكل فتات البسكويت الذي تخبزه كل يوم خصيصآ لهن،ولا تنسى أن تكرر تنيهاتها

لا تأكلن أكثر من فتفوتة واحدة حتى لا يتهدد نموكن يا بناتي”ثم تلقي نظرة قبل أن تخرج وتتركهن على القنديل المسحور الذي أستجلبتة من بلاد السند،وتقرأ علية بعضآ من التعاويذ،فيبكي القنديل المسكين ويأكد لها أنه سيظل حارس الضوء الأمين إلى أن يقضى الله أمرا كان مكتوبآ،لكن أبي قليل الكلام قد أفسد هذا التخمين وشوهه حينما سمعتة يقول لأمي”يعني انتي عايزة واحدة عمرها ما ركعت لربنا راكعة واحدة وربنا يكرمها في عيالها أنتي شكلك طيبة”وهبط فوق رأسي ليل ذلك اليوم وأنا أتمنى من الله أن يخطف أبي زين العشماوي ويضعة في نفس الكبارية الذي كان من المفترض ان تعمل به أمي يوم أن وضعت الباروكة

……..

ماما هو هو أحنا ليه بنقولها نينه وهي مش جدتي؟

عشان في مقام جدتك

طب وليه أنتي كمان بتقوللها نينه مش ماما؟

مهو أنا كنت بقول لجدتك الله يرحمها يا نينه

طب وليه بتسبينا نقولك يا ماما مش نينه؟

لما تكبر وتتجوز وتخلف عيالك هتقولي يا نينه

طب أنا عايز أتجوز

تتجوز!!_وضحكت امي كأنها لم تضحك من قبل-تتجوز مين؟

كريمة

لا أعرف متى دخلت كريمة ورباب حياة نينة عزيزة وأستوطنتا قلبها الطيب،لكني أعرف أن بعض المعارف قد دلها على حل يؤنس وحدتها ،وأيضآ يرحمها من النسوة الائي يأتين عندها للتنظيف ولا يخرجن إلا وقد طمرن اشياء داخل جلاليبهن فلا تقوى الست أن تثبت واقع السرقة على احداهن،فجاءت بالأختين خفيفتان الحركة جميلتان المشمش بديعتان العنب.

كريمة أكبر مني بعشر سنين،وقررت أن تضمني لغوايتها،ستطلعني على سرب من المفاجآت التي لولآ رحمة المولى لكان قلبي الصغير وقتها قد توقف من الهول التي أحدثته

جعلت من كريمة الجسر المتاح لكتشف سر الغرفة المحرمة،أما هي،فكنت امثل لها تمارين الشهوة

.تلك التي ستجبرني أن القب صدرها بالمشمش،ولم أكن أعرف أن هذا الرمز ستتبعة سلسلة من الرموز تاخذ العقل وتمضي به حتى تعمده وسط الطريق بالجنس،نعم..لقد عمدتني أمرأة.لقد حدث الأمر دفعة واحدة،دون دباجة ،وأن كنت أدين بالفضل لأطنان الغسيل الذي تم نشرة فوق سطوح أم القوارير التسعة عبر أيام وشهور ،من وقت لآخر كنت اسأل حالي،هل حدث هذا بالفعل!! علينا إذن البحث عن طرف شلة الصوف المتشابكة.

قالت اختي الواشية أن نينة عزيزة لن تحبنا بعد اليوم،ولما سألتها عن السبب وهي تقضم سندوتش الجبنة التركي في فمها كالمفجوعة،قالت أن خلاف دب بينها وبين أمي وأنها سمعت الأخيرة تقسم بأيمانات المسلمين لن يخطو لها قدم في شارع جميل ثابت بعد اليوم

مضت أربعة أيام لم يذكر خلالهما أسم صاحبة القوارير التسعة في احاديث بيتنا.وأعتدنا أنا وأختي تفادي عبور  منطقة ألألغام التي زرعها عناد والدتي،ونصبت بالسلك الشائك،كعقاب سينزل في التو.

بالمقابل،كان ابي راضيآ لما صارت له الأمور، وأشترى لها مخرطة الملوخية الكبيرة وكل ما كان يقتضي الأستعارة من شارع جميل ثابت،ومضت والدتي تسد فجوات فراغها بوضع وجهها أمام شاشة التليفزيون الأبيض والأسود،لكن،ظل هناك شيء ناقص في عالمها،كمن فقد ضرس فراح يتحسس بلسانه مكان الخواء الذي تركه دون شعور،وبدأت تخبز البسكويت وتختلس الزيارة لباروكتها،تسرح وتظل عيناها في الأماسي المضغوطة معلقتان في فراغ التيه لدقائق.

لعلها أكتشفت أن العناد يضع الأنسان أمام أختبار قوة أرادتة،فكنت أراها كلما ضغطت فوقها كفة الحنين بأتجاة شارع جميل ثابت؛تبتعدهي اكثر،فخاصمت سوق البياصة  المجاور،والتجأت لسوق النصارى والذي يسمونة بسوق باب عمر باشا،لعل طول المشوار وهي عائدة بالأكياس الثقيلة ،يشكل قربان للصمود امام كفة الحنين،أنني أعرف رأس والدتي جيدآ،لكنني لم أعرف سبب الخلاف الذي شب بينهما،واعرف حنية صاحبة القوارير،لكنني لم أفهم كبرياء النساء وقتها،وظلت الدنيا في سيرورتها لاتتوقف،بينما تتمدد اللثة لتندمل الفجوة التي خلفها الضرس المفقود،نينه عزيزة.

حتى جاءت كريمة من أول جميل ثابت تسعى،نقلت رسالة إلى والدتي واستأذنت في الأنصراف

 Pere Borrell del Caso

Pere Borrell del Caso

في اليوم التالي ، سمعت ابي قليل الكلام يقول “ربنا يهني سعيد بسعيدة”،وعادت المياة، معظم المياة إلى مجراها،فقد أستبدلت والدتي موقع جلستها،واتخذت الكنبة الأسيوطي جوار صاحبة القوارير مجلسا لها،وبتنا نتحرك أنا وأختي في الشقة بحساب تحت أعين رباب ،أما كريمة فقد كان من النادر خروجها من المطبخ أو غرفتها،وسبحان الله الذي يؤلف بين قلوب ثقلاء الظل،بطريقة ما،ربما الوقت ،أقتربتا رباب وأختي من بعضهما البعض،فأنشغلت العين التي تراقبني ورفع غطاء الحذر.

في أحدى الفرص  المتوترة،والجميع منشغل،استأنفت مغامرتي بأتجاة الباب المحرم،وكنت أعرف أنها تراقبني،منسوب الضوء الرابض أمام العتبة لايتغير،لم أقوى على لمس كالون الباب وبدأت أتراجع،حتى ربطت يداها فوق كتفي فتسمرت في مكاني،وفي نداء كأنه حلم هامستني”تعالى معايا” وبسطت كفيها نحوي

لم أكن بحاجة لوقت كي أدرك وأنا أغادر غرفتها،أنني أغادر برزخ الصبا.. للأبد.

دخل المساء وعدنا من جميل ثابت ،قاطعين مفترق حي راغب في غمضة عين لندلف بخطوتين إلى حي كرموز،وكان أبي نائمآ،فأستيقظ وطلب شاي،

ورأيته يقترب من والدتي ،تشممها ككلب بوليسي”أنتي بتشربي سجاير!!”،اعترضت  وأوضحت له أن رائحة نينة عزيزة تعلق في ملابسها،وما  ان فتحت  فمها ليتأكد، حتى باغتها بقبلة ، راوغتة ضاحكة”العيال ” فأغمضت عيني وقلت بصوت خفيض ربنا يهني سعيد بسعيدة، وانسحبت إلى غرفتي،أقارن في وهج غير مفهوم قبلة الوالدين بقبلة كريمة لي،لقد كانت قبلة الوالدين بدائية،لا تستهدف سوى القبلةـ خرجت من الرغبة العمياء،بينما قبلتي وكريمة فكانت مبصرة،أخذت بيد الحواس ورقصت بها،حتى تفتق من الأحساس بالخدر رضيع ،كان في أنتظار قدومة حلمات الرحمة تظلله بردآ وسلامآ. قالت”تعالى معايا” وجرتني إلى غرفتها بكل جرأة.

ستظل قبلة اللسان تشبة نبضات غير مرتبة.إغماضة العينين شاهد يتهرب من ثبوت المشهد داخل عالم الواقع كيما يحيلة برمتة لعالم الحلم.أما التلامس..فكان لكريمة خريطة تسمح لي بالتيه عبر أرض شهوتها دون أن تفقد البوصلة التي ترشدها لنقطة الرجوع،وقالت”تعالى معايا”وبسطت كفيها نحوي..كانت رائحة الفانيليا التي تستخدمها لعجينة البسكويت عالقة بها،كانت الرائحة بالكاد تتسلل نحو محيط أنفي برفق،دون أن تهاجم.وفي غرفتها،كان الشيش موارب،السرير اسفل النافذة،وسجادة بسيطة تغطي منتصف ارضية الغرفة،ودولاب خشبي صغير في الركن المواز للسرير علقت عيني به،كعادتي يشدني كل شيئ موصد،من المؤكد أنها كانت تتابعني جيدآ لأنها أتجهت صوب هذا الدولاب وفتحتة، دست يدها في علبه معدنية واخرجت منه مفتاح”ده مفتاح الأوضة بس مش دلوقتي”،اخيرآ وجدت طريقي لمفتاح الغرفة المحرمة،ولم أكن أعرف وقتها أنها ستجعلني ادخلها للمرة الأولى معصوب العينين بناء على شرطها

،وأعادته لموضعة.لا أعرف لماذا كان مستوى الضوء في غرفتها يجذب أنتباهي،كأنها لم تسمح لنور الله ان يدخل كيفما شاء،وأكتفت بقدر محسوب يجعل عالم غرفتها يسبح في محيط من الجمال والخصوصية،وربما كان يحدث هذا بالصدفة،أو ربما كانت جاذبية الأرض ذاك اليوم من الزمن،في غير طبيعتها،سيظل الدفئ الذي كان يشمل جسدها في تلك اللحظات ذاكرة موشومة في عقلي،ولما جعلتني أتحسسها،شعرت به أكثر حتى مست يدها فوق جبيني واغمضت عيني،وقالت تعالى معايا وذهبت معها ،وبدأت تطلعني على قاموسنا السري حتى كاد قلب الوجود  يتشظى ،وقالت تعالى معايا واتجهت بي إلى بستان المشمش وقالت ذق،قبس من عسل مصفى ،طائرآ فوق بساط الخدر،ومغشي عليها من المتعة كنا،ولما وصلنا لبستان العنب، هبت فورة  من الأدرينالين  وصعدت لأعلى الرأس .شاهدت أغصان عنقودها مبللة،

كغلاف من الندى

يحجب عنه فضول الهواء

.توتر قلب الكون وأضطرب..ونزل فوق رأس الوجود سهم الله،وتفجرت ينابيع فوق يابسته،ولم أكن أعرف ماذا علي أن أفعل.ودمغت رائحة الفانيليا بالعرق، ورنت ضحكة صاحبة القوارير من آخر الشقة لتخترق الأذن،كجرس ينذر بنهاية المعراج.

في غضون دقيقة،أخرجتني من الغرفة،أغلقتها، اندسست بهدوء نحو الصالة،كانت رباب تجدل شعر الواشية الصغيرة،وصاحبة القوارير تطلع والدتي على آخر صيحة لموديلات الفساتين في مجلة فينوس،القيت بصري نحو غرفتها،كانت ماتزال مغلقة،وعندما رفعت يدي لأتشمم بحذر رائحة الفانيليا التي شعرت ان نثار منها علق بي،كانت رباب تسأل الواشية الصغيرة “نفسك تطلعي إية لما تكبري؟”،بالكاد تشممت أثر بعيد للرائحة،حتى واجهتني رباب بالسؤال”وأنت؟”،أنتبهت إلي عيونهم التي وقفت فجأة لتنتظر إجابتي،ابتسمت في خبث وأجبت دون تردد”بستاني.

معصوب العينين، تقدمت بأول خطوة،وهي ورائي،تقودني كأعمى من كتفي،وأنا،على حافة الخشية والترقب. دون وعي أو عمد؛نشرت لي عشرات العيون ، الحواس،كلها علق با لأطراف ،فكان لكل إصبع عين معصوبة،لكنها عين،ولكل نفس ،رئة متلصصة،ولكل اذن،مكبر صوت.

كنت اقول لحالي يا غرفة القوارير كوني بردآ وسلامآ،حتى هزتني رجفة خفيفة،وهمست كريمة أن لا أخف

وتقدمت خطوتي التالية،ثمة صوت.ووجهت حواسي كل تعبئتها نحو مصدرة،ولكزتني التي خلفي ،فسرت.أتذكر بشكل جيد رغم السنوات التي مرت،أنني في تلك اللحظات الجهنمية ،كيف حاولت إصغاء السمع لصوت الشارع الذي لم يكن له اي أثر،كان هذا الشعور يغوص بي نحو معرفة صغيرة تقول أن تلك الغرفة معزولة عن الصوت الخارجي للشارع ،ربما العالم،

ولما تحسس باطن قدمي وبر وثير ،عرفت أنني أدوس فوق سجادة،كان الملمس رطب،وشملتني نداوة خفيفة،بعد لحظة واحدة أستأنف الصوت عودتة،هل سيبدو من السخف أن أقول ،كان لهذا الصوت صوت آخر في أذني،هل هذا ما شعرت به لحظتها،فكرت أن تكون كريمة تشاغبني لتتسلى،لكن معرفتي لكل نبرات صوتها خلال الأسابيع المنصرمة،فوق السطوح،في غرفتها،في لحيظات مسروقة وشديدة الحذر في المطبخ ،جعلتني استبعد هذة الفكرة

بدأ الصوت يتشعب ويخلق حولة دوائر من أصوات خفيضة تثرثر

بيد أن أذني ظل يصلها تلك الدوائر الصوتية دون فهم لأي معنى،وبدأت تقترب كشفاه مجنحة تحوم فوق رأسي،وعاد لسان حالي يقول ،يا غرفة القوارير كوني بردآ وسلامآ،حتى أحسست بمن يحاول النبش في شعر رأسي،ليس كمنقار أوإصبع،ليس كطائر سيرك مدرب أوعفريت،نبش ليس كمثله شيئ،والحقيقة أنني ارتجفت في هلع ولولا مشمش كريمة الذي شعرت به يدنو خلف رأسي كوسادة لدنة،لصرخت،هل تصبح فكرتي عن القوارير التسع حقيقة،هل تجسد يومها ما تمنيتة لأسقط في هوة بلا قرار.

وتقدمت خطوتي الثالثة ،أنحرفت يسارا ،ربما،لأهدئ عضلة القلب،وأنطلقت ضحكة هادئة خجولة من ركن بدا بعيد في الغرفة ،هدأ معها  تصلبي،ثم جاءت الخطوة الرابعة ،الخامسة، دون حذر،لم يعد مشمشها يلامس جذع عنقي،فهمت أنها دعوة للأنعتاق ،ووسوس لي إبليس رأسي بان افك إيشارب كريمة التي لفته حول عيني،لأخرق الشرط القائم بيننا،وقاومت وسواسه،ومددت يدي للأعلى،كنت قد بدأت اتشمم هواء  ياتي مكتومآ كأكسجين محاصر داخل فقاعة،أخفضت يدي،وأنحرفت يسارا ثم مشيت،كنت أتوقع ان أرتطم في أقرب لحظة بشئ،مجرد دليل،ولم يحدث

بدأت اسير بخطوات منتظمة للأمام ،وحائط النهاية لا يأتي لأرتطم به،هنا،كنت اشعر بكل ذرة في جسدي تصعد بي لأطفو ،وشرعت اصعد للنقطة التي يتجرد الخوف معها ليستعاض عنها بالجنون،وسحبتني لذة الجنون،ومثلما سحبتني كريمة قبل أسابيع وقالت تعالى معايا،كانت الأصوات الطائرة تسحبني إليها،فأندفعت داخل الغرفة أجري واجري..في الأتجاهات الأربعة،على نحوما،سبحت في فضاء الغرفة ،الزمن،

ظل معصوب العينين،يسبح في مدار الفضاء ،تدغدغه سعادة عظيمة .لا يرى من اين تنبع ا،ولن يفهم،ولن يصل لمثلها بعد ذلك اليوم،ربما،لو انتبه لكل هذا،لفضت بكارة سعادتة السحرية في التو وأختفت،لقد أنسل عن  عالمة، بل أنسل عالمة عنة،غاصت رائحة الفضاء المحايدة في محيط من الفانيليا، وشعر بشيئ يخرج منه،كان برق روحه،يلامس سقف فضاء سعادتة،وصرخت كريمة

على شاطئ سبورتنج،دق أبي عصا شمسية البحر داخل الرمال،ثبتها جيدآوفرد الشمسية القماشية لنضع تحتها أحمالنا.فردت والدتي كراسي البحر الثلاثة وجلسنابحر

حلت والدتي أحدى الأكياس البلاستيكية وأخرجت كرة الجبنة الحمراء التي اعشقها بسبب قشرة غلافها الشمعي،وما كنت افعله بها خلسة.دس أبي يده في كيس آخر وبدأ يخرج عبوات عصير البست.لم أبدل ملابسي بملابس البحر،فقط كنت اجلس بينهما أراقب حركة الشاطئ ،على مقربة منا،ولد  يكدح في الماء ليعلم نفسة السباحة دون جدوى

بسكين صغير قطعت والدتي نصف كرة الجبنة الحمراء لشرائح .وضعت الساندويتشات على طاولة صغيرة من الخوص وجدها أبي بجوارنا فسحبها.أخرجت قدمي من منطقة الظل ووضعتها للشمس.ينظران لبعضهما البعض دون كلمات.وضعوا ساندوتش في يدي وفي اليد الأخرى عبوة عصير.يخرج الولد الذي كدح كيما يعلم نفسة السباحة من الماء،سحبت قدمي من الشمس،وضعت أمي الشمع الأحمر الذي استخرجتة من نصف كرة الجبن في يدي وهي تبتسم، تنتظر ان أضعة فوق اظافري مثلما عهدت.قبل شهرين،قبل ان تخرجني كريمة من الغرفة فاقد الوعي ،لأفيق في بيتنا وانا فاقد النطق،كان لو تم ظبطتى متلبسا أضع هذا الشمع المحبب فوق أظافري لتم توبيخي كالعادة بكلمات قاسية.الأن ،ذهبت رغبتي في فعل أشيائي القديمة .تماما كما ذهب صوت معصوب العينين من حنجرتة

من ترمس الشاي سكب أبي ثلاثة اكواب،ولما فوجئ بأن السندوتش في يدي لم يقضم منه قضمة واحدة،نظر لأمي فمالت علي وقالت”حرام عليك يا حبيبي والنبي عشان خاطر ماما ،طب كل نصه بس،والنبي” وقبلت جبيني .علق بوجه ابي ابتسامة اسف يبدو أنه لم يقصدها ،فظلت منحوتة فوق وجهه لدقائق،وقبيل أن اسمع البكاء السري لأمي ،ظهر الولد من جديد مصطحبا معه عوامه  صغيرة وملونة،ودخل بها الماء ليكدح من جديد

أخرجت قدمي الثانية للشمس،ووأخرج أبي سيجارة من علبتة وأشعلها ، كانت تنظر للعلبة بشغف،وهب فيها قائلآ”عايزة سجارة ..ها،وحشتك السجاير.. بقالك شهرين مبتشربيش وخرمانة..ها..دين أم عزيزة وإللي جالنا منها”.ولما جلب سيرة صاحبة القوارير أستدعيت أول يوم أصطحبتني كريمة معها فوق السطوح لنشر الغسيل..

اثناء لعبة الأختفاء والخضة بين ملاءات السرائر المنشورة فوق الحبال سألتها:

كريمة قوليلي هو لبن العصفور ده بجد؟

توقفت عن اللعب والدوران خلف الملاءات،راحت تتفحص البيوت ،مرت من امامي واتجهت نحو السور الشرقي للسطوح ،كانت تراقب البيوت بتركيز شديد  ثم قالت”تعالى هنا،بص…ده بيت لبن العصفور”وطوحت سبابتها على نقطة غير بعيدة.لم أستبنها جيدا.فوضعت الطشت الألومينيوم على رأسة وصعدت فوقة.لقد رشقت كريمة سبابتها في الهواء  لتطير أعلى جميل ثابت وتجتاز في لمح البصر مفترق حي راغب لتهبط بأمان فوق سطوح بيتنا.

خرج الولد بعوامته الملونة،دون ان يحرز اي تقدم وحركة الشاطئ لاتهدأ.

قبيل ان تلامس الشمس خط الأفق وتنزلق في المالح،لملمنا أغراضنا وغادرنا الشاطئ.كان بي شغف أن القي نظرة أخيرة على الولد المكافح وعوامته،لكنه أختفى نهائيآ،كم كنت كطفل لاأحب النهايات،نهايات الأفلام ،نهايات احاديث الكبار،الحواديت،ولما سمعت أن يوم القيامة سيوقفنا الله تحت عرشة العظيم،فقط،لتقص البشرية عن حكاياتها في الحياة الدنيا،وستشهد اعضاءنا علينا،شعرت بمسرة ما،ربما لأننا سنخوض في سرد لن ينتهي.ولكن و بعد ما وقع في بيت صاحبة القوارير،تخيلت كم الفضائح التي ستاكل الأذن،ولما كبرت واسيت نفسي بأن الله غفور رحيم.

جزء من رواية

ابريل 2014

This entry was posted in ايمن ابراهيم and tagged , , . Bookmark the permalink.