الحق ليس واحد، ويتعدد

مؤمن سلاّم  مؤمن سلام

“الحق واحد لا يتعدد” أحد الخزعبلات التي يروج لها رجال الدين في مصر، مما أدى إلى هذه الحالة من التعصب والتطرف التي تسيطر على العقول المصرية في جميع المجالات. فبفضل نشر هذه الفكرة في المجتمع المصري أصبح كل صاحب رأى أو أيديولوجيا أو وجهة نظر يعتقد انه يمتلك هذا الحق الواحد وان كل من يخالفه هو باطل.

لذا أصبح لدينا متعصبين أيديولوجيا، فيعتقد الليبراليين أن الليبرالية هي الحق الواحد والاشتراكية والشيوعية هي الباطل، والعكس صحيح. ومتعصبين سياسيا، إذ يعتقد كل صاحب رأي أن رأيه هو الحق والمخالفين له جهلة وسذج وبهائم وخونة وعبيد للبياده وإخوان. ومتعصبين قوميا، يعتقدون أنهم شعب الله المختار وأجدع ناس، وباقي الأمم متخلفين وفي النار.

ومتعصبين معرفيا، يعتقد كل منهم أنه وحده من يفهم العلمانية والليبرالية والاشتراكية والشيوعية والفلسفة والمنطق والاجتماع والسياسة والاقتصاد، وباقي البشر لا يفهمون ولا يدركون ولا يعون، ولابد أن يجلسوا ويتعلموا منه المعرفة والحكمة.

وحتى كرويا، يعتقد كل مشجع أن فريقه اجدع فريق في الكون ويستحق كل البطولات المحلية والإقليمية والدولية لولا الحكام المرتشين وإتحادات الكورة الفاسدة. حالة من التعصب والتطرف ضربت بجذورها في العقل المصري بسبب هذه الجملة البسيطة.

ورغم أن التاريخ والحاضر يؤكد على عكس ذلك، إلا أن الجملة مازلت تتردد ولا يريد احد أن ينقدها، فهي ببساطة تؤدي خدمة لكل مستبد ديني أو لا ديني. فكل قارئ في الأديان والفلسفة والسياسة والاقتصاد وكل المعارف الإنسانية، يعرف أنه لا يوجد إجابة واحدة للسؤال. فكل سؤال ديني أو فلسفي أو سياسي أو اقتصادي له العديد من الإجابات المختلفة والتي تتراوح من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. فعلى سبيل المثال قضية “أين الله” هل هو في السماء أم في كل مكان، التي شغلت حيز مهم من علم الكلام، لم ولن تحسم فلن يستطيع احد الوصول للسماء للتأكد أن الله في السماء، ولن يظهر الله لأحد على الأرض ليقول لنا أن الله في كل مكان. لذلك أفضل من أجاب على هذا السؤال هذا الرجل الذي حين سأله أخر “أين الله؟” فرد “بالمرصاد”.

وهذه ليست القضية الوحيدة التي لم ولن تحسم منذ فلاسفة اليونان وحتى يومنا هذا، فما هي الحقيقية؟ وهل الإنسان مخير أم مسير؟ وما هي الماهية؟ وما طبيعة القرآن، هل هو كلام الله أم مخلوق؟ وما طبيعة المسيح؟ وما هي الأخلاق؟ وآلاف الأسئلة التي يُجاب عنها بملايين الإجابات التي لا يمكن تحديد ما الصحيح وما الخطأ  فيها. فهذه طبيعة المعارف الإنسانية لا يوجد إجابة واحدة لسؤال، ولكن العديد من الإجابات لنفس السؤال. فيختار الإنسان الإجابة التى تتوافق مع عقله وروحه وبيئته وثقافته. فاختار إجابتك ولا تنشغل بإجابات الآخرين لأن الإجابات كلها صح، فلا تضيع وقتك في جدل عقيم. فلا فرق بين إجاباتك وإجابة أرسطو أو أفلاطون أو ابن رشد أو سارتر، فإجابتك صحيحة طالما كانت متوافقة مع عقلك ونافعة لك. بغير ذلك ستخوض في جدل لن ينتهي، لأنة لا يوجد ما يحسم الأمر لصالح هذه الإجابة أو تلك.

وهو ما يقودنا إلى التفريق بين المعارف الإنسانية مثل الدين والفلسفة والسياسة والاقتصاد والتاريخ وغيرها، وبين العلوم مثل الطب والهندسة والكيمياء والفيزياء والبيولوجي. فإذا كانت المعارف الإنسانية لا تعرف الإجابة الواحدة فالعلوم تعرف الإجابة الواحدة. فعند الاختلاف بين العلماء يمكن الاحتكام إلى المعمل والميكروسكوب والتليسكوب والمشرط، حيث يمكن إخضاع المادة للتجريب وحسم الخلاف. وذلك على عكس العقل الإنساني الذي لا يمكن إخضاعه للتجريب بسب “الوعى” الذي يتمتع به الإنسان، وبالتالي يستطيع التلاعب بمن يراقبه أو يخضعه للاختبار، سواء عن طريق الكذب أو إظهار ما يخالف باطنه، أو غيرها من الطرق الإنسانية للتضليل والخداع.

وهذا ما يجعل أيضا تشبيه رجل الدين بالطبيب صاحب التخصص من الكذب والتدليس الذي يقوم به رجال الدين للاحتفاظ بسلطتهم الدينية باعتبارهم من المتخصصين في علوم الدين كما أن الطبيب متخصص في الطب. فالدين معرفة تحمل مئات الإجابات لنفس السؤال ما يسمح لأي إنسان على قدر من الثقافة الدينية أن يتكلم فيه ويقول وجهة نظره في المسألة، بينما الطب علم غالبا ما يحمل إجابة واحدة للسؤال الواحد، يختارها المعمل وغرفة العمليات وليس فلان أو علان، فلا مكان فيه لوجهات النظر.

Print Friendly
This entry was posted in مؤمن سلاّم and tagged , , . Bookmark the permalink.